أخبار سريعة
الإثنين 06 ديسمبر 2021

مقالات » واجبات المجتمع في الإصلاح والتغيير (2)

للكاتب: د. ناظم المسباح

نسخة للطباعة

واجبات المجتمع في الإصلاح والتغيير                 (2)

 

ما زلنا في استعراض الورقة البحثية التي قدمها الشيخ: ناظم سلطان المسباح في (مؤتمر الإصلاح والتغيير رؤية شرعية) الذي عقدته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في ربيع أول عام 2013، وقد استعرضنا في الحلقة الماضية مفهوم المجتمع المدني والأمة الإسلامية، وجوانب الإصلاح والتغيير المجتمعي، وذكرنا منها جانب التشريع، وجانب الرقابة والمحاسبة، واليوم نستعرض واجبات المجتمع في الإصلاح والتغيير.

     بين الشيخ المسباح أن الإصلاح يحتاج إلى رقابة دائمة من قبل المصلحين، وسبر لأسباب الفساد ومعالجتها ودراسة مكامن الضعف في الأمة التي تفضي دائما إلى المفاسد، وعلى ضوء ذلك تترتب أولوياتهم في الإصلاح بحسب خطورة الأسباب المفضية إلى الفساد.

ثم لخص الشيخ المسباح واجبات المجتمع في الإصلاح إلى ما يلي:

1. العناية بإصلاح الفرد

     نستطيع أن نقول: إن المجتمع يتكون من (إنسان وفكر) فإذا عني المجتمع بالإنسان وفكره صلح المجتمع، وبفساد الأفراد تفسد العلائق وينهار البناء المجتمعي، ولأننا شعب مسلم، ننطلق من مبدأ إيماننا بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو الحاكم وهو المربي للإنسان؛ فإن معيار الصلاح عندنا يكون في نظر الشرع فقط، «ولا يكون الفرد مواطنا صالحا في نظر الشرع إلا إذا كان مسلما صالحا؛ لأن صلاح الأوطان وأمنها وازدهارها يتطلب مسلما صالحا، وصلاحه يتجلى في إعداده لنفسه كي يكون لبنة صالحة وقوية في الطرح الاجتماعي، وهذا يعني استقامته في أموره الشخصية حتى لا يكون عامل إفساد، أو عبئا على أهله أو على الدولة، كما يتطلب قدرته على الإسهام في حمل الكل والضعيف والمنكوب وصاحب الظرف الصعب والطارئ».

٢. العناية بإصلاح الأسرة

     تعد الأسرة النواة الأولى لبناء المجتمع، وبقدر ما تكون الأسرة قوية متماسكة بقدر ما يكون المجتمع قويا متماسكا، متينا مثمرا متحضرا، ولذلك جاء اهتمام الإسلام ببناء الأسرة المسلمة، وإقامتها على أدق الأسس الاجتماعية وأرقاها، فالاهتمام بأمر الزواج الذي هو الخطوة الأولى لبناء الأسرة المبني على الرغبة التامة في بناء الأسرة، واستحضار المقصد الحسن للزواج القائم على الألفة والمحبة بين الزوجين، ثم الاهتمام برعاية الأولاد والقيام بحقهم من النفقة وحسن التربية، والاهتمام بحمل مشكلات الأسرة المالية والخلافات الأسرية تعد من أساسيات بناء الأسرة وتحصينها من الانهيار، وتجعلها أسرة صالحة منتجة تشكل لبنة قوية من لبنات المجتمع المتماسك.

٣. العناية بالقيم والأخلاق الحميدة وحراستها وتطويرها

كما لا يخفى على أحد أن بقاء الأمم مرهون ببقاء الأخلاق والقيم الكريمة فيها قال أحمد شوقي:

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

                              فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقال:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم

                                            فأقم عليهم مأتما وعويلا

فالأخلاق الحميدة التي يتحلى بها الفرد، والقيم الفاضلة التي يعتنقها والمستمدة من عقيدة التوحيد ومبادئ الشريعة تقوم بدور أساسي في التأثير على سلوكه ونشاطاته، بل وممارساته اليومية بل وعلى جميع مظاهر حياته.

تأثير إيجابي على الفرد والمجتمع

     إن الأخلاق الحسنة لها تأثير إيجابي على الفرد والمجتمع، وهذا التأثير لم يكن الاهتمام به من أجل تحصيل الأجر والثواب والفوز برضوان الله -تعالى- فحسب، بل هو أسلوب ومنهاج عملي وفاعل في التأثير في المجتمعات، فما خلا مجتمع من الأخلاق إلا وعمه الخراب والفساد، وهجمت عليه البلايا والمحن.. وهذا بالفعل ما نراه ملموسا في كثير من المجتمعات في وقتنا الحاضر كما جاء في حديث زینب بنت جحش أنها قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»، والخبث هو الفسوق والفجور والمعاصي وانتشارها إيذان بزوال المجتمعات وهلاك الأمم ولذلك كان من أولى واجبات المجتمع والدولة هي حماية جانب الأخلاق، وتنمية محاسنها، ومحاربة مساوئها، وإن أي إهمال لجانب الأخلاق ينتج عنه عواقب وخيمة، وربما تذهب معه ضرویات الحياة الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) فانتشار الرذيلة مؤذن بذهاب ضرورة النسل والكذب والغش والخيانة بين الناس مؤذن بذهاب ضرورة المال، وقس على ذلك بقية الضروريات الأخرى.

4. العناية بالعلم والتعليم

     فالمجتمع الجاهل مجتمع سلبي غير منتج، يأخذ ولا يعطي تابع لكل من أحسن إليه، والحكومات مهما كانت غنية لا تستطيع تحمل مسؤولية النهوض بمجتمع كهذا دون أن تعلمه، ويكاد يجمع علماء التنمية والاقتصاد أن أساس التنمية في أي دولة يقوم على العلم، ولذلك أولت الدول الكبرى هذا الجانب اهتماما كبيرا، وأنفقت الأموال الطائلة في سبيله، والإسلام دين العلم، فأول آية نزلت من القرآن تأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلوم قال -تعالى-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق:1-5)، فالإسلام دین شامل كامل، يدعو إلى العلم والتقدم الذي تستفيد منه الحضارة الإنسانية, ويعده مفتاح التغيير والإصلاح في كل زمان ومكان، وما كانت البشرية لتصل إلى ما وصلت إليه لولا إنتاج العقل المبني على العلم والبحث العلمي الذي أسس له المسلمون.

5- تشجيع العمل التطوعي

     انتشار الجمعيات الطوعية والنقابات والمؤسسات المدنية ظاهرة صحية، تدل على وعي المجتمع بحقوقه وواجباته، وتسهم في بناء دولة قوية البنية، وتعمل على توجيه مشاركة الأفراد في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية وتنظيمهم في جماعات أكثر قوة للتأثير على السياسات العامة، ولقد أثبتت الجمعيات الخيرية والمنظمات الطوعية مقدرتها على حل أزمات كثيرة حلت بالأمة وسد حاجات المجتمع على اختلافها وتنوعها، وإقامة المشاريع التنموية الخيرية التي ساعدت في تأمين فرص عمل وحياة أفضل للأسر الفقيرة، بل هناك كثير ممن يرى في وجود الجمعيات الخيرية وقوة حضورها في المجتمع أنه دليل رقي ذلك المجتمع وعلو درجة تحضره؛ فالدولة المتقدمة وعلى ما عليه من غنى اقتصادي وقوة في تنظيم شؤون حياة مجتمعها، إلا أن كثيرا من حاجات تلك المجتمعات تكفلت بها المجتمعات نفسها، وذلك من خلال مؤسساتها الخيرية الكثيرة والمتنوعة لكن الجمعيات والمنظمات لا تزال تعاني قصورا في الخبرات والتخطيط، كما تعاني كثيرا من الإقصاء والإخضاع المتغيرات السياسة؛ مما يحد من إنتاجيتها والاعتماد عليها، وهذا يتطلب من المجتمع والدولة تشجيعها والإشراف عليها وتطويرها بما يتناسب ومتطلبات أهدافها كونها رافدا مهما للبناء والتنمية، ووسيلة صالحة للإصلاح في المجتمع.

6. القيام بحق العلماء والمصلحين وأهل الفضل في المجتمع

فإن هذا الصنف من الناس هم أمان المجتمع وحصنه المنيع الذي يحول دون الانهيار الديني والأخلاقي، ويمكن أن نجمل حقهم على المجتمع بما يلي:

- معرفة فضلهم وقدرهم وإنزالهم منازلهم:

     فقد أخرج أبو داود وغيره عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط»، قال النووي: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبهم).

- الذب عنهم وعدم التنقص من حقهم:

     وذلك لأن الكلام على أهل الفضل وسبهم وتنقصهم وتتبع هفواتهم وزلاتهم ينقص من هيبتهم لدى الناس، ويجرئ أهل السوء والسفه عليهم، وإذا صار السفيه يطعن في أهل الفضل ويتصدر الناس ويتوارى المصلحون وأهل الفضل والشرف فيتوارى معهم ما يحملونه من علم وأدب وحلم وصلاح ودين فانتظر الساعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة».

- تقديمهم على غيرهم وتمكينهم من الإصلاح:

     وهذا يقتضي أن يؤخر أهل السنة ويقدم الجهلة وأصحاب المصالح الشخصية، قال النووي عند شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»: قال -رحمه الله- في هذا الحديث تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها وينقلوها ويعلموها الناس وليقتدي بأفعالهم مَن وراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس كمجالس العلم والقضاء والذكر والمشاورة، ومواقف القتال وإمامة الصلاة والتدريس والإفتاء وإسماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسن والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك، وفيها تسوية الصفوف واعتناء الإمام بها والحث عليها» انتهى كلامه -رحمه الله.

7. مبادرة أهل العلم والفضل إلى الإصلاح

     أن يبادر أهل العلم والفضل والصلاح إلى قيادة الناس، والأخذ على يد مفسديهم والنصح لهم، وهذا واجب النخبة في المجتمع، وهي الأمانة التي حملوها أمام الله -تعالى- تجاه أمتهم وألا يتأخروا أو يتقاعسوا عن هذا الدور المنوط بهم فيتركوه لغير أهله، وما تصدر أهل السفه والجهل مجالس الناس ومنابرهم ونطق الرويبضة في أمر العامة إلا عندما تأخر أهل الفضل والإصلاح وتقاعسوا عن واجبهم في قيادة الناس ونشر الدين والصلاح في الأمة، يقول الشنقيطي -عليه رحمة الله-: وإذا تقاعس العلماء وطلاب العلم عن الدعوة والجهاد في سبيل الله وإصلاح العباد وتقريبهم من ربهم، فمن الذي ينذر ويبشر ببشارة الله، ويقيم حجة الله على عباد الله؟

ولله در القاضي عبد الوهاب -رحمه الله- في أبياته اللطيفة:

متى تصل العطاش إلى ارتواء

                                         إذا استقت البحار من الركايا

ومن يثني الأصاغر عن مراد

                                         وقد جلست الأكابر في الزوايا

وإن تَرَفُّعَ الوضعاء يوما

                                         على الرُّفعاء من إحدى البلايا

والمعنى أنه إذا كان العلماء والأكابر أهل الفضل جلسوا في الزوايا يتعبدون، إذًا لتصدر صغار السبت والأحداث لقيادة الأمة، وعندها لا تسأل عن فساد الأحوال.

8. العمل على إزالة الخلاف وأسبابه

     فالخلاف شر ولا سيما إذا كان بين النخبة من العلماء والدعاة والمصلحين ووجهاء القوم الذين يصلح المجتمع بصلاحهم، ويفسد بفسادهم، فهذا الصنف من الناس هم أولو الأمر في الأمة، وقد حملهم الله أمانة قيادتها وإرشادها كما حملها طاعتهم وتوقيرهم، فإذا اختلفوا اختلفت الأمة باختلافهم وضعفت وساد أهل السوء وأفسدوا، قال -تعالى-: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46).

 

 

من واجبات المجتمع في الإصلاح

 1. العناية بإصلاح الفرد

٢. العناية بإصلاح الأسرة

٣. العناية بالقيم والأخلاق الحميدة وحراستها وتطويرها

4. العناية بالعلم والتعليم

5. تشجيع العمل التطوعي

6. القيام بحق العلماء والمصلحين وأهل الفضل في المجتمع

7. مبادرة أهل العلم إلى الإصلاح

8. العمل على إزالة الخلاف وأسبابه

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة