أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

مقالات » الاستسقاء - من دلائل فقر الخلق إلى الله تعالى

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

الاستسقاء - من دلائل فقر الخلق إلى الله تعالى

 

الخلق فقراء إلى الله، لا غنى لهم عنه في مختلف أحوالهم، يلجؤون إليه في الشدة والرخاء، وهو -سبحانه- واسع حمید، يعطي من سأله بسخاء مديد، يداه مبسوطتان بالإنفاق، سحاء الليل والنهار، ويكشف كل كرب شدید، نجّى ذا النون من أجج البحار وظلماء القفار.

     مرجو للعطاء والإحسان، سخر مع سليمان -عليه السلام- جنودا من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، لا راحم ولا واسع للعبيد سواه، رحم أيوب -عليه السلام- فكشف عنه وأكرمه بجراد من ذهب، لا ملجأ ولا مفر منه إلا إليه، استغاث به نبینا - صلى الله عليه وسلم - في بدر فأغاثه بماء وأنزل جنودا لم يروها، وهو فارج الكروبات ومغيث اللهفات، أنزل على نبينا - صلى الله عليه وسلم - أمنا بعد خوف في الغار، وهو العالم بالظواهر والنيات، اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس.

     مستو على عرشه، كبیرٌ خلق الأكوان ودبَّر الأزمان، وأغشى الليل على النهار، ملك عظيم يقول للشيء: {كن فيكون}، صمد قهار، إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رعد ورجفة شديدة فرقا من الواحد الأحد، يحث الأواب، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، ويتوب على من تاب؛ فتاب على آدم بعد النسيان.

قائم -سبحانه- بأرزاق المخلوقات

     قائم بأرزاق المخلوقات؛ فرزق الطيور في علو أوكارها، والحيتان في بحارها، وأرزاقه دارَّة من السماء والأرض على عباده، {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ}، وأغدق عليهم النعم والآلاء، {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}، وإذا لجأ العباد إليه وشكروه؛ منحهم مزيدا مما نالوه، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} قوي متين، قال للسموات وللأرض: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}، لا يعجزه إنزال القطر من السماء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، ولكن العباد بخطاياهم يمنعون رزق الله إليهم، قال -سبحانه-: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.

ما يصاب به العباد ببعض ذنوبهم

     وما يصاب به العباد من القحط وقلة الأرزاق، إنما هو ببعض ذنوب وخطايا اقترفوها، قال -عز وجل-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}، والبعد عن الاستقامة يمنع القطر من السماء، قال -جل شأنه-: {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}، والذي يفوت بارتكاب المعاصي من خيري الدنيا والآخرة أضعاف ما يحصل من السرور واللذة بها، قال -سبحانه-: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا}، والألم فيمن أسخط ربه ومولاه بتدنيس نفسه بالذنوب والآثام؛ فمنع الرزق عن نفسه وعن غيره، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}.

المعاصي والذنوب مهلكة للأوطان والشعوب

     والمعاصي والذنوب مهلكة للأوطان والشعوب، {ظَهَرَ الْفَسَادُ} أي: قلة الأرزاق {فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، وهي جالبة للشرور والمصائب، بها تزول النعم وتحل النقم، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ}، وبسببها تتوالى المحن، وتتداعى الفتن {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}.

بالمعصية تتعسر الأمور

     وبالمعصية تتعسر الأمور على العاصي، وتمحق بركة عمره، ويعود حامده من الناس ذاما له، وقد توهم بعض الناس في أمر الذنب؛ إذ لم يروا تأثيره في الحال، وقد يتأثر تأثيره فينسوا أنه من الذنب، ولم يعلم أن عقوبة الذنب تحل ولو بعد حين، قال -سبحانه-: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}، ومن عمل سوءاً جزي به، لُعن إبليس وأهبط من منزل العزّ بترك سجدة واحدة، وأخرج آدم من الجنة بأكلة تناولها، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها، وبينما رجل يجر إزاره؛ إذ خسف به؛ فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.

الذنب من علامة الهلاك

     الذنب على العاصي من علامة الهلاك، وإذا صغر الذنب في عين العبد عظم عند الله، وصغائر الذنوب إذا اجتمعت على الرجل أهلكته، قال أنس - رضي الله عنه -: «إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات» (رواه البخاري)، والذنب على الذنب يُعمي، والمجاهرة به من أعظم الأوزار؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» (متفق عليه).

التقصير في أداء الواجب

والذنب لا يقتصر على ارتكاب المناهي فحسب؛ بل إن التقصير في أداء الواجب من جملة المآثم، ومن لم يتقدم بالطاعة فقد تأخر بالتقصير، ومن أعظم الاغترار: التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة.

إذا أخطأ العباد أنذرهم الله -تعالى

     وربنا -سبحانه- الرؤوف اللطيف الحليم، إذا أخطأ العباد أنذرهم، فيمنع عنهم القطر؛ ليلجؤوا إليه بالاستغفار والإنابة، وإذا كثر الاستغفار وصدر عن قلوب مطمئنة؛ دفع الله عنها ضروبا من النقم، وصرف عنها صنوفا من البلايا والمحن، قال -عز وجل-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وأنزل عليهم الخير والرحمات، {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

بالاستغفار تنال السعادة

     وبالاستغفار تنال السعادة ويعطى كل ذي فضل فضله، {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}، وبالاستغفار ينهمر المطر من السماء فينعم الخلق بالقطر، ويستبشرون بالزروع والأبناء والعيون، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}.

لزوم التوبة

     ومع الاستغفار لازموا التوبة؛ فلا تظلموا خلقا، ولا تمزقوا بالغيبة عرضا، وتسامحوا وتراحموا، ولا تشاحنوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، واحفظوا أموالكم من دنس المحرمات والشبهات، وأكثروا من الصدقة بكسبكم الحلال ترزقوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانهوا عن المنكر تنصروا، واسعوا إلى التماس هبات الوهاب، فربنا كریم ودود، من لجأ إليه أعطاه، ومن قرب منه أدناه، ومن سأله أرضاه.

اللجوء إلى الله -تعالى

     وما ضاق على العباد أمر ولجؤوا إليه؛ إلا رزقهم بغير حساب، ولا عظم عليهم خطب إلا جعل لهم معه فرجا قريبا، وأبواب فضله واسعة: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا}، جعل مع الاستغفار أرزاقا، ومع الدعاء عطاء، ومع الاستكانة سخاء، فتوجهوا إلى الله مستغفرین راغبين، مؤملين داعين، متوكلین راجین، منيبين تائبين، تنالوا العطايا من الكريم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة