أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

مقالات » من محاضرات كبار العلماء (4) سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - وقفات مع وصية النبي -صلى الله عليه وسلم في حديث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَةَ - رضي الله عنه

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

من محاضرات كبار العلماء (4) سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - وقفات مع وصية النبي -صلى الله عليه وسلم  في حديث الْعِرْبَاض بْن سَارِيَةَ - رضي الله عنه

 

هذه محاضرة نفيسة للعلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله- وهي شرح لحديث الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ - رضي الله عنه - قال: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَنا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ «فأوصاهم النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم - بعدةِ وصايا عظيمة لها شأنٌ عظيم، وفي شرح هذه المعاني العظيمة يقول الشيخ صالح حفظه الله: «كان النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتخول أصحابه بالموعظة، ولا يكرر عليهم كلَ يوم وإنما يتخولهم بين حينٍ وآخر، فالموعظة من هديه -صلى الله عليه وسلم - عملًا بقوله -تعالى-: {وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} فالموعظة لا شك أن لها تأثيرًأ في قلوب الموعظين يبقى أثرها فيهم، إذا كانت صادرةً من ناصحٍ مخلصٍ متبعٍ للكتاب والسُّنَّة «كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ»، يعني كأنها ختام حياة النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم - «فَأَوْصِنَا» لأن من عادةِ المودع أنه يُوصي من خلفه بالأمور المهمة، «كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُور!؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».

ثلاثة أمور عظيمة وصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم   فأوصى -صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أشياء:

أولا: بتقوى الله وحده.

الثانية: السمع والطاعة لولاة الأمور.

الثالثة: ثم التمسك بالسُّنَّة عند ظهور الفتن والاختلاف، أوصى بالتمسك بسُّنَّته - صلى الله عليه وسلم - «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ» من الصحابة، إذا كان هذا يحدث في عصر الصحابة الاختلاف والفتن، فكيف فيمن يأتي بعدهم؟ «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» بين الناس، «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»، ما ينجي من هذا الاختلاف إلاَّ التمسك بسُّنَّة الرَّسُّول -صلى الله عليه وسلم - لأنها تحسم الخلاف، كما قال اللَّهُ - جَلَّ وَعَلاَ -: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

 

تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ

     وفي حديث حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ - رضي الله عنه - أنه سأل النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عما يحدث من الفتن وما يأتي بعد هذه الفتن من الخير، ثم يأتي بعدها فتن وهكذا فقال حُذيفة للرسول - صلى الله عليه وسلم - فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» قُلْتُ: يَا رَسُّولَ اللهَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

     هذه وصية رَسُّولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة عند ظهور الفتن وهذا وصيةٌ للأمة كلهاِ، والفتن تحدث لا سيما في آخر الزمان وتكُثُر، ولكن الحمد لله معنا من كتاب اللهِ وسُّنَّة رَسُّولهِ ما يعصمنا من هذه الفتن إذا تمسكنا بهما، قال الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، -رضي الله عنه -: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَوْعِظَةً بَلِيغَةً» والبلاغة: كما يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، «وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ» خافت منها القلوب، «وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ» بالبكاء خوفًا من هذه الفتن، «فَقَالنا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ» يعني فهموا منها أنها آخر حياة الرَسُول -صلى الله عليه وسلم - «كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ» هذه واحدة، «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْدًا»، ثم إذا ظهر الاختلاف بين الناس» فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعَدِي».

 

الوصية بتقوى الله

     (أوصيكم بتقوى الله)، تقوى الله كلمة جامعة تجمع كل الخير وقد أوصى بها الله -سبحانه وتعالى- في الأولين والآخرين قال -تعالى-: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ}، فأوصى الأولين والآخرين أن يتقوا الله -عز وجل-، والتقوى أن تتخذ وقاية بينك وبين المكروه تقيك منه، ولا يقي من هذه الفتن التي تحدث إلا سُّنة الرسول -صلى الله عليه وسلم - يعني في حياته الرد إليه إلى شخصه -صلى الله عليه وسلم - وبعد ماتته الرد إلى سُّنته الصحيحة الثابتة، والسنة تطلق ويراد بها اﻷحاديث الورادة عن الرَّسُّول -صلى الله عليه وسلم -، وتطلق بها الطريقة التي عليها رَسُّول اللهِ -صلى الله عليه وسلم - وهي المقصودة في الحديث.

     فقوله: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي» يعني: الزموا، وكلمة: (عليكم) اسم فعل أمر كما قال - جَلَّ وَعَلاَ -: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} عليكم أنفسكم أي: الزموا أنفسكم، والمراد: عليكم بتقوى الله، وتقوى الله هي: فعل أوامره وترك نواهيه، طمعًا في ثوابه وخوفًا من عقابه، وهي كلمة جامعة تجمع كل خصال الخير، عليكم بتقوى الله هذه واحدة.

 

سنة الخلفاء الراشدين

ثم قال الشيخ صالح الفوزان في قوله: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» من هم الخلفاء الرشدين؟ هم اﻷربعة: أبوبكر وعمر وعثمان وعلي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- هؤﻻء هم الخلفاء الرشدين. فقوله: «بِسُنَّتِي وَسَنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» لأن سنة الخلفاء الرشدين تبيَّن سُّنة الرَّسُّول - صلى الله عليه وسلم - توضحها.

 

الوصية بالسمع والطاعة

- الثانية: السمع والطاعة، وهذا عند ظهور الفتن والشرور تلزم جماعة المسلمين وإمامهم هذا هو النجاة من الفتن، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة - فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ هذه الفتن، قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، عند ظهور الفتن علينا أن نلزم ما عليه جماعة المسلمين وامام المسلمين، وإمامهم يعني ولي أمرهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} يعني من المسلمين، وولي الأمر يكون من المسلمين، وفي لزوم جماعة المسلمين وإمامهم منجاة من الفتن إذا ظهرت.

 

النجاة من الفتن منوط بتعلم المنهج السليم

 ولن تدرك ذلك إلا أن تتعلم المنهج السليم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها، تعلم العلم النافع وإلا مسألة ادعاء لزوم الجماعة من غير حقيقة ولا علم هذا لا يكفي، ولابد أن تتعلم ما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها لأجل أن تمتثل وتسير عليه في حياتك.

 

إمارة العبد

ثم تابع الشيخ صالح الفوزان حفظه الله قائلا في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنْ تَأمَرَ عَلَيْكُمْ عَبْد»، يعني ما ينظر الى نسبه، ولا إلى شخصه، وفي بعض الروايات «مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» يعني فيه عيوب جسمية، أو نسبه ليس عربيًا وإنما هو عبدٌ حبشيٌ.

     فولي أمر المسلمين يدفع الله به شرورًا كثيرة، وهو ظل الله في الأرض كما في الحديث، فلزوم ولي أمر المسلمين هو النجاة من الفتن إذا حصلت. وفي هذا تحذير من اتباع المناهج غير منهج أهل السنة والجماعة، والجماعات كثيرة كما في الحديث: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا» والمقصود مذاهب كثيرة، لكن الحق مع جماعة واحدة؛ ولا سيما في هذا الزمان الذي انتشرت فيه المناهج، ولا مخرج إلا بلزوم إمام المسلمين وجماعتهم. وليس بلازم أن يكون إمام المسلمين معصومًا أو ليس له أخطاء أو ليس له ذنوب، وأنه إذا أخطأ لا يقتدى به، حتى لوكان فاجرًا، فذلك لا يخرجه عن الإسلام بل تلزم طاعته، كما يقول أهل السنة والجماعة في العقيدة: «برا كان أو فاجرا برا يعني: مستقيمًا ومطيعًا، أو فاجرًا يعني عاصيًا لا تصل معصيته إلى الكفر والخروج من الدين». هذا هو المخرج من هذه الفتن وهذه الشرور.

 

أهمية دراسة عقيدة السلف

     ثم أضاف الشيخ صالح الفوزان: ولابد أن نتعلم عقيدة المسلمين وما عليه سلف هذه الأمة قال اللَّهُ - جَلَّ وَعَلاَ -: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} بإحسان ليس بانتساب فقط والإحسان يعني بإتقان وذلك بأن يعرفوا ما عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.

تقييد الذين اتبعوهم بقوله:{بِإِحْسَانٍ}

     أضاف الشيخ صالح الفوزان قائلا: وفي الآية جاء تقييد الذين اتبعوهم بقوله:{بِإِحْسَانٍ}، والإحسان معناه أن تعرف ما هم عليه سنتهم وطريقتهم تتمسك بها، وذلك بأن تأخذها عن العلماء، لا أن تأخذها عن المتعالمين، أو عن الكتب والمطالعات، وتأخذها عن علماء المسلمين الذين هم القدوة حتى تتمسك بها على حق وعلى بصيرة.

 

التحذير من مخالفة السنة

     ثم حذر - صلى الله عليه وسلم - ممن يخالف السُّنة (سُّنة الرَّسُّول وسُّنة الخلفاء الرشدين)، «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُور!» وهي البدع، المحدثات هي: البدع التى تخالف سُّنة الرَّسُّول - صلى الله عليه وسلم -، والبدع كثيرة، والنَّبِي -صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم - خَطَّ خَطًّا معتدلًا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ على جنبيه خُطُوطًا كثيرة، وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ» التي على جنبتي الصراط وقال: «هَذِهِ سُبُلٌ» من اتبعها ضلَّ وضاع، ومن ترك الصراط المستقيم الذي هو الطريق الصحيح وقع في هذه السبل، وﻻ يتبين ما هو الحق منها، كل يقول الحق معي وأنا كذا، كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم  وضح لنا هذا إيضاحا فقال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ» كل سبيل من السبل التي على جنبتي الطريق المستقيم عليه شيطان من شياطين الإنس والجن يدعون إليه، ويرغبون فيه وربما يبذلون اﻷموال والطمع، يطمَّعون الناس ولكنه طريق هلاك «عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ» هؤﻻء هم دعاة الضلال الذين هم على سبل الضلال يدعون الناس إليها، فمن أطاعهم أهلكوه «وَهَذِهِ سُبُلٌ،عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو النَّاس إِلَيْهِ»؛ وهذا من باب التحذير منه - صلى الله عليه وسلم -. فقوله: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ!» وهي البدع، فكلمة: «إيَّاكُم»، هذه تحذير، فكل ما خالف السُّنة، مما هو من يُنسب إلى الدين وهو يُخالف السُّنة فهو بدعة. فمن ترك السُّنن وقع في البدع.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة