أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

مقالات » الإسلام دين الوسطية لا إفراط فيه ولا تفريط

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

الإسلام دين الوسطية لا إفراط فيه ولا تفريط

 

 

 

الإسلام دين الوسطية، ولقد شاء الله -سبحانه وتعالى- أن تكون هذه الوسطية عطاءً إلهيّا، وليس اختيارًا من خيارات المؤمنين بالإسلام، فقال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة:143)، وقد جعلت هذه الآية الكريمة الوسطية علة وسببًا يترتب عليه اتخاذ الأمة الإسلامية موقع الشهود على الناس، بما فيهم من أمم وشعوب وملل ورسالات وثقافات وحضارات.

معنى الوسطية لغة

الوسطية مأخوذة من مادة وسط، وهى كلمة تدل على العدل والفضل والخيرية والنصف والتوسط بين الطرفين، يقول ابن فارس: «الواو والسين والطاء بناء صحيح يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه». ويقول ابن منظور «وسط الشيء وأوسطه: أعدله».

الوسطية في الاصطلاح

     الوسطية اصطلاحًا: «سلوك محمود - مادي أو معنوي - يعصم صاحبه من الانزلاق إلى طرفين مُتقابلين - غالبًا - أو مُتفاوتين، تتجاذبهما رذيلتا الإفراط والتفريط، سواء في ميدان ديني أم دنيوي»، والمعنى الاصطلاحي يدور حول الاعتدال، وتجنُّب الغلو والتقصير؛ قال ابن القيم: «ما أمر الله - عزَّ وجل - بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إمَّا تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلو، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين».

المفهوم الإسلامي للوسطية

     ولكن المفهوم الإسلامي للوسطية ليس كذلك، فالوسطية في الإسلام وسطية ‏جامعة، تمثل موقفًا ثالثا بين القطبين المتقابلين والمتناقضين، لكنها لا تغاير هذين ‏القطبين مغايرة تامة، وإنما تَجمع منهما عناصرَ الحق والعدل؛ لتكوِّن منها وبها هذا ‏الموقف الوسطي الجديد، فهي في حقيقتها رفضٌ للغلوّ الذي ينحاز إلى قطبٍ واحدٍ من ‏هذين القطبين: غلو الإفراط أو غلو التفريط.‏

أكمل نموذج للوسطية

ولأن النموذج والقدوة والأسوة تنهض بالدور الأول في ميدان التربية والتزكية ‏والصياغة للإنسان والمجتمع والثقافة والحضارة، فقد شاء الله -سبحانه وتعالى- أن تكون ‏القدوة والأسوة للأمة الوسط: ذلك النبي الأمي -[- الذي جسدت حياته أكمل نموذج لوسطية ‏إسلامية جامعة يمكن أن يتحقق في دنيا الناس.‏

سمةٌ ثابتة بارزةٌ في أبواب الإسلام

لقد كانت الوسطية والاعتدال سمة ثابتة بارزة في كلِّ بابٍ من أبواب الإسلام: في الاعتقاد، والتشريع، والتكليف، والعبادة، والشهادة والحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والأخلاق والمعاملة، وكسب المال وإنفاقه، ومطالب النفس وشهواتها.

شأن المسلم مع الدين والحياة

     ولعل أوضح دليل نذكره هنا: الآيات الآمرة بصلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)}، فهذا هو شأن المسلم مع الدين والحياة حتى في يوم الجمعة بيع وعمل للدنيا قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله وإلى الصلاة، وترك للبيع والشراء وما أشبهه من مشاغل الحياة، ثم انتشار في الأرض وابتغاء الرزق من جديد بعد انقضاء الصلاة، مع عدم الغفلة عن ذكر الله كثيرا في كل حال، فهو أساس الفلاح والنجاح.

دين الله -تعالى- وسطٌ بين الغلو والجفاء

     وعن مفهوم الوسطية قال رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ: محمد الحمود النجدي: إن الوسطية مأخوذة من كلمة (وسط) وهي تستعمل في معان عدة، فتأتي بمعنى: الخيار والعدل، وتستعمل لما كان بين شرين وهو خير، وقد جاء وصف الأمة بالوسطية في قوله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة: 143). وسطاً: كاملين معتدلين، (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ)، وصحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه فسر الوسط في الآية بمعنى: «العدل» كما في البخاري (5/ 151)، وقد أمر الله -تعالى- بالعدل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ...} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} المائدة.

دين الله -تعالى- وسطٌ بين الغلو والجفاء

     فدين الله -تعالى- وسطٌ بين الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن نسأل الله -تعالى- أن يهدينا إليه، كلَّ يومٍ في صلاتنا بقولنا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)، والذين أنعم الله عليهم قد بيَّنهم الله -تعالى- بقوله: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} (النساء: 69)، وأما المغضوب عليهم والضالون فهم: اليهود والنصارى كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذين فارقوا الصراط المستقيم تارة بالغلو والإفراط، وتارة بالجفاء والتفريط، وقد خاطبهم الله -تعالى- بقوله: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْـحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} (المائدة: 77)، قال الطبري: «يقول: لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل، فتقولوا فيه: هو الله، أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (التفسير)، وتشهد هذه الأمة على الأمم السابقة، حين تنكر الرسالات إليها، وتفتري الكذب كما في حديث الشفاعة الطويل.

أحاديث تحذر من الغلو

     ثم بين الشيخ النجدي أن هناك أحاديث عدة وردت في التحذير من الغلو: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة جمع (المزدلفة): «هلمَّ القط لي الحصى» فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «نعم، بأمثالِ هؤلاء، وإيَّاكم والغُلو في الدين، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغُلو في الدين»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وغيرهم، وهو صحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنها أبلغ من الصغار، ثم علَّله بما يقضي مجانبة هديهم، أي: هدي من كان قبلنا إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك. انتهى. وكم في المسلمين اليوم من يُخالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقع في الغلو برميه بالحصى الكبار، فيغلو في دينه ويؤذي إخوانه!

هلك المتنطعون

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثاً. رواه مسلم، والمتنطعون: المُتعمِّقون المغالون، المُجاوزون الحدود، في أقوالهم وأفعالهم. قاله النووي في شرح مسلم.

إن هذا الدين يسرٌ

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن هذا الدين يسرٌ، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء عن الدلجة». أخرجه البخاري، قال ابن حجر: والمعنى: لا يتعمق أحدٌ في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع، فيغلب. (الفتح: 1/ 94).

وَلَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا

     وعن عبد الرحمن بن شبل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه». أخرجه الإمام أحمد، قال المناوي: ولا تغلوا فيه: تجاوزا حدَّه من حيث لفظه أو معناه بأن تتأولوه بباطل، أو المراد: لا تبذلوا جهدكم في قراءته وتتركوا غيره من العبادات، فالجفاء عنه: التقصير، والغلو التعمق فيه، وكلاهما شنيع، وقد أمر الله بالتوسط في الأمور فقال: {وَلَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} فيض القدير: (2/ 64).

التساهل مذموم

      وأكد الشيخ النجدي أن التساهل أيضاً مذموم: كما جاء في القرآن التحذير من التفريط والتساهل، قال -تعالى-: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف: 28)، وقال -تعالى-: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَـمِنَ السَّاخِرِينَ} (الزمر: 56)، قال الطبري: (24/ 19): يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصَّرت في الدنيا في طاعة الله، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «أمّا إنَّه ليس في النوم تفريطٌ، إنّما التفريط على مَنْ لم يُصلِّ الصلاة، حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى...». رواه مسلم، قال بعض السلف: ما أمرَ الله -تعالى- بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نَزْغَتان: إمّا إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مُجاوزةٍ وغلو، ولا يُبالي بأيّهما ظَفر.

وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدّي

     قال ابن القيم -رحمه الله-: «وقد اقتُطع أكثر الناس إلا أقلَّ القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدّي، والقليل الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه». (إغاثة اللهفان 1/ 116)، وبهذا تعلم غربة من ثبت على الوسطية وقلتهم في كل زمان ومكان، وكل خير وفضل ثبت لهذه الأمة، فلأهل السنة والجماعة منه الحظ الأوفر، والقدح المعلَّى، فهم الطائفة التي تتحقق فيها الوسطية المطلقة لهذه الأمة.

وسطية الإسلام هي القصد في الاستقامة

     وعن معالم الوسطية التي ميز الله بها أمة الإسلام ومقوماتها، قال الأستاذ بكلية الشريعة جامعة الكويت أ.د. وليد خالد الربيع: الوسطية هي القصد في الاستقامة على صراط الله المستقيم، وذلك بالسير إلى الله -تعالى- على منهج معتدل قائم على السنة والعلم، مجانب للغلو والتقصير، وبعيد عن الإفراط والتفريط، وهذا تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قَالَ: الْوَسَطُ: الْعَدْلُ» أخرجه البخاري.

الوسطية لا تعني تمييع الدين

     وعن خلط بعضهم بين الوسطية والتساهل أو تمييع ثوابت الدين قال د. الربيع: الوسطية تعني الوقوف حيث أوقفنا الشرع، والامتثال لنصوصه الكريمة وأحكامه القويمة، ولا تعني الوسطية (تمييع الدين)، أو عدم اتخاذ الموقف الشرعي من المتناقضات بحجة الوسطية، فليس من الوسطية عدم التمييز بين التوحيد والشرك، أو السنة والبدعة، والتزكية المشروعة والتصوف المنحرف، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أعلم الناس بالدين وأكثرهم اعتدالا وامتثالا ومع ذلك كان ينكر مظاهر الانحراف في الدين، والسيرة العطرة شاهدة بذلك.

القدوة العملية للوسطية

    وعن الوسائل التي من خلالها ربى النبي -صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الوسطية بين د. الربيع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسخ في أصحابه الوسطية بالقدوة العملية؛ فعن أنس قال: جاء ثلاثة نفر إلى أبيات أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول الله؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه.

التحذير من الغلو والتطرف

     وحذرهم - صلى الله عليه وسلم - من الغلو والتطرف فقال -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والغلو في الدين! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، قال شيخ الإسلام: «وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «هلك المتنطعون» ثلاثا، قال النووي: أي: المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، وقال ابن مسعود: والذي لا إله إلا هو ما رأيت أحدا كان أشد على المتنطعين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما رأيت أحدا كان أشد عليهم من أبي بكر، وإني لأرى عمر كان أشد خوفا عليهم أو لهم، وأمرهم بالتيسير وترك المبالغة فقال: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

خذوا من الأعمال ما تطيقون

    قال ابن الأثير: يشاد الدين: أي يقاومه ويكلف نفسه من العبادة فوق طاقته، وقال ابن حجر: والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب»، وفي حديث الحولاء بنت تويت حين قالت لها عائشة -رضي الله عنها-: هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنام الليل! خذوا من الأعمال ما تطيقون، فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا»، وقال أنس: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: «حلوه، ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد».

دور العلماء في بيان منهج الإسلام الوسط

      وعن دور العلماء في بيان منهج الإسلام الوسط في ظل حملات التشويه التي يتعرض لها وأنه دين العنف والتطرف، قال د. الربيع: العلماء ورثة الأنبياء، جعل الله -تعالى- لهم القبول في قلوب الخلق، وأمر الناس بالرجوع إليهم فقال -سبحانه-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون}، فمن خلال تواصلهم مع الناس يبينون معالم الوسطية الإسلامية والمنهج المعتدل في الاعتقاد والأخلاق والأعمال، ولا ينبغي تحميل العلماء مسؤولية الدول، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فما تقدر عليه الدولة لما لها سلطة قد لا يقدر عليه العالم بقدراته المحدودة، ولا ننسى أن على المسلم مسؤولية فردية تجاه نفسه ومن تحت ولايته؛ بأن يعلم الحق ويعمل به ويعلمه أسرته، ولا يلقي أثر إهماله على العلماء، ولا يحمل تقصيره على غيره فقد قال -تعالى-: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}، فهل مطلوب من العالم أن يدور على بيوت المسلمين يعلمهم ويحذرهم، أم أن مسؤولية المسلمين أن يبحثوا عن الحق ليعملوا به؟!

دور المؤسسات الإسلامية والتربوية

     وعن دور المؤسسات الإسلامية والتربوية في تربية الأمة على منهج الإسلام الوسطي قال د. الربيع: التربية صناعة الإنسان، وهي أشد من تشكيل الحديد؛ لأن الإنسان مجموعة من الأنظمة المعقدة من المعلومات والإرادات والسلوكيات تحت تأثير المؤثرات الخارجية والداخلية، فالتربية الصحيحة عملية طويلة لبناء المفاهيم السليمة والأخلاق القويمة، وهذا يحتاج إلى علم سديد، وتدريب مستمر، وتوجيه دائب، وتحذير مستمر من الانحرافات العقائدية والأخلاقية والمنهجية، مع مراعاة طبيعة العصر ومتغيراته الجديدة، فالناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.

دور الإعلام في تعزيز الوسطية

     أما عن دور الإعلام في تعزيز معاني الوسطية ونبذ الأفكار المنحرفة والمتطرفة، قال د. الربيع: التواصل مع الجمهور في هذا الزمان أسهل بكثير مما قبله، فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم أشد تأثيرا في العامة من غيرها، فبث معالم الوسطية بأسلوب واضح وشيق، موثق غير تقليدي، وكشف الانحرافات والتطرف بأسلوب معاصر قريب من لغة العصر مع التوثيق والتدقيق يساهم في تعزيز معاني الوسطية لدى الجمهور.

حماية الشباب من الأفكار المنحرفة

وعن كيفية حماية الشباب من الأفكار والمناهج المنحرفة التي تجرفهم بعيدًا عن وسطية الإسلام وسماحته، نشر العلم الصحيح، بالأدلة النقلية الصحيحة والحجج العقلية الواضحة، باللغة العصرية التي تناسب طبيعة الشباب بعيدا عن الطريقة التقليدية، يساهم كثيرا في حماية الشباب من الانحراف، فالمناهج المنحرفة لا تنمو إلا في الظلام وانتشار الجهل.

تعزيز الوسطية ونبذ التطرف

     وعن تعزيز الوسطية ونبذ التطرف والإرهاب قال وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أمين عام اللجنة العليا لتعزيز الوسطية فريد عمادي: إنَّ ظاهرة التطرف والغلو ليست عابرة كبقية الظواهر الاجتماعية التي اعترت البشرية ثم تلاشت واندثرت، إننا أمام داء فتاك ومنهجية حانقة وفكر ضيق منحرف في منطلقاته، مشوه في تصوراته، معوج في تفكيره، وهو فكر التطرف والإرهاب والكراهية والإقصاء».

وأضاف إنَّ هذا الفكر اتخذ من إشكاليات الأمة ومعاناتها في قضايا الاقتصاد والوحدة وتناقضاتها السياسية مطية لتنفيذ أجندته الخبيثة المشبوهة وسبيلا للعيش والتمدد والانتشار عبر بوابة العولمة وأدواتها من شبكة المعلومات وفضائيات.

لا يقدم الإسلام على النحو الحقيقي

وأشار عمادي إلى أنَّ الفكر المتطرف لا يقدم الإسلام للناس على النحو الذي أراده الله؛ الأمر الذي دفع كثيرا من الشباب إلى المحرقة باسم الدفاع عن الإسلام وحراسة حياضه، وشوه صورة الإسلام، ومنح المغرضين الذريعة للانقضاض على الشريعة الإسلامية غير مفرقين بين المبدأ والممارسة.

هداية الخلائق هي الأصل

     وبين عمادي أن هذا الفكر صبغ عمليات القتل والاغتيال لمن عصمت الشريعة دماءهم بثوب الجهاد في سبيل الله تحت مسميات عدة، كما جعل الجهاد غاية مع أنه لم يكن يوما هدفا في ذاته ولا غاية مستقلة، ولفت إلى أن الجهاد في الإسلام يعد وسيلة ضمن وسائل عديدة لتحقيق الأهداف العظمى والآمال السامية «لأن هداية الخلائق هي الأصل والجهاد فرع عنها».

تكفير الناس وإقصاء المخالف

وأوضح عمادي أنَّ البنية الفكرية لهؤلاء قائمة على تكفير الناس وإقصاء المخالف ومعاداة الأوطان والديار، واغتيال الحكام والمسؤولين، واستحلال أموال الناس وأعراضهم، وبث روح الفرقة والشتات بين أبناء الوطن الواحد، والحض على الكراهية، وتأليب الشعوب على حكامها.

منهجية مبشرة

وأشار عمادي إلى ما وصفه بالمنهجية المبتسرة التي لم تعرفها الأمة عبر علمائها المعتبرين كالنظر إلى الشريعة باجتزاء منقوص، واستلاب مهام أئمة الإسلام، واجتزاء أحكام الإسلام دون ضوابط، والتلفيق بين النصوص وفهم الشريعة فهما ظاهريا، دون اعتبار المقاصد وإهمال النظر في المآلات والعواقب.

استغلال الفضاء المعلوماتي

ولفت عمادي كذلك إلى استغلال الفضاء المعلوماتي لبث أفكار هؤلاء الضالة والدعوة إلى مبادئهم المنحرفة، وللتعبئة الفكرية والتجنيد العسكري، مؤكدا ضرورة مواجهة هذه الأمور بأسلوب عملي وجاد، وقال: إن تجارب أمتنا مع التطرف تقطع بأنه كالورم السرطاني، ما يلبث أن يجتث أو يبتر إلا يعود مرة أخرى.

وثيقة وطنية لتعزيز الوسطية والاعتدال

      وأشار عمادي إلى أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية شرعت في اتخاذ منحى إيجابي عملي من خلال خطتها الاستراتيجية في صورة (وثيقة وطنية لتعزيز الوسطية والاعتدال)، تتكون من أربعة محاور، تتضمن التوجيه الديني والأخلاقي والاجتماعي والنفسي وفق أساليب ومنهجيات مبتكرة، وصياغة منظومة إعلامية لدعم التواصل الفعال مع الفئات كافة، وأشاد في هذا السياق بالمحور التقني بقصد تصميم منظومة الكترونية وتطويرها؛ لتلبي متطلبات الفكر الوسطي المعتدل، إلى جانب محور الأمن المجتمعي بقصد تعزيزه بأساليب متطورة ومبتكرة.

الوثيقة الوطنية للوسطية والاعتدال

     ومن النماذج المتميزة بدولة الكويت التي تسعى لتعزيز الوسطية في مواجهة التطرف الفكري أو السلوكي هو (مركز تعزيز الوسطية) التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وقد بين مدير المركز د.عبدالله الشريكة أنَّ من اختصاصات مركز تعزيز الوسطية محاربة التطرف الفكري والسلوكي، كما هو منصوص عليه في قرار تشكيله، ونحن والإخوة في المركز نبذل ما بوسعنا لمعالجة مثل هذه الظواهر الدخيلة على مجتمعنا الكويتي المعروف بحبه للخير، واحترامه للآخرين، وحفظ حقوق الناس، وعدم الاقتحام أو التدخل في خصوصياتهم، لكن نلحظ أحيانا أن هناك من ينتهك تلك الخصوصيات ويتصرف تصرفا سلوكيا منحرفا عما عهد به هذا المجتمع الطيب، فنراهم مثلا يقومون بأفعال مخالفة للشرع أولا، ثم للقانون وللعادات والتقاليد، ومن ذلك السرعة في الغضب المنفلت الذي رأينا أنه أدى إلى الكثير من حالات الشجار الدموي وفي بعض الحالات أدى إلى جرائم قتل.

وأضاف د. الشريكة: نحن نسعى -بإذن الله تعالى من خلال المركز- لبث روح التسامح والهدوء والحلم، كذلك روح تقبل الآخرين وروح الود في حل الخلافات وغض الطرف، وكذلك ما يتعلق بالرفق في التعامل مع الجميع، وطبعا دورنا خلال هذه الأزمة سيكون من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ونسأل الله أن يعيننا على ذلك.

بين الدفاع والاندفاع

     وعن خلط بعضهم بين (الدفاع) عن قضايا الأمة، وبين الاندفاع وعدم الحكمة والانضباط في ردود الأفعال، قال د. الشريكة: الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية لا شك أنه من الواجبات الكفائية على كل من يقدر على أن يقوم بهذا الدفاع بالأساليب المشروعة الحكيمة التي شرعها الإسلام؛ فالإسلام دين يدعو إلى الحكمة والتعقل وعدم الاستعجال، ويحذر غاية التحذير من التهور والاندفاع الذي قد تكون عواقبه وخيمة على الأمة.

التحذير من الأفعال المتحمسة والمندفعة

     وأضاف د. الشريكة قائلاً: النبي - صلى الله عليه وسلم - حذَّر من كل عاقبة يؤدي إليها فعل متحمس أو مندفع؛ ولذلك لما أرسل حذيفة - رضي الله عنه - في غزوة الأحزاب ليأتي بخبر القوم وكم عددهم وعتادهم، يتسلل بينهم كما في القصة المعروفة، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - «ولا تذعرهم علي» ولا تفعل شيئا قد تكون ردة فعلهم عليه وخيمة، أي لا تتصرف بتصرف يهيج هؤلاء على دولة المسلمين، ولم يكن للمسلمين آنذاك طاقة بهم، ولهذا بين العلماء وقرروا وحرروا أنه حتى في قضايا إنكار المنكر إذا كان يؤدي إلى ما هو أنكر فإنه يترك، ومن قواعد الشريعة أنه ترتكب المفسدة الأدنى لدفع المفسدة الأعلى عند التزاحم، ولذلك في مثل هذه الأمور يجب الرجوع إلى العلماء الصادقين الربانيين وليس إلى المتحمسين أو الذين لا يقدرون عواقب الأمور، ونحن لا نشك أن أكثر هؤلاء نيتهم طيبة وقصدهم حسن.

إصدارات مركز الوسطية

     وعن إصدارات مركز الوسطية في هذا الاتجاه قال د. الشريكة: قمنا في مركز الوسطية بطباعة إصدارات عدة منها: (الوسطية في التعامل مع الحكام)، ومنها (الوسطية في التعامل مع العلماء)، وكيف نتعامل مع العالم المسلم إذا اخطأ وإذا لم يوفق في أمر ما؟ بمعنى أن نحفظ له حقوقه ومكانته، وفي المقابل لا نقبل ما يقع منه من مخالفات للأدلة والنصوص الشرعية، كذلك أصدرنا إصدارا بعنوان (الوسطية في التعامل مع العصاة)، والثاني بعنوان (الوسطية في التعامل مع غير المسلمين).

 

 

وسطية الإسلام في الأخلاق

     الإسلام وسط في الأخلاق بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكا أو شبه ملاك، فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن له، وبين غلاة الواقعيين الذين حسبوه حيوانا أو كالحيوان، فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيرا محضا، وهؤلاء أساؤوا بها الظن، فعدوها شرا خالصا، وكانت نظرة الإسلام وسطا بين أولئك وهؤلاء. فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مركب فيه العقل، وفيه الشهوة، قد هدى للنجدين، وتهيأ بفطرته لسلوك السبيلين، إما شاكرا وإما كفورا. ومهمته جهاد نفسه ورياضتها حتى تتزكى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)}.

 

 

وسطية الإسلام في العبادات والشعائر

الإسلام وسط في عباداته، وشعائره بين الأديان، والنحل التي ألغت الجانب (الرباني) جانب العبادة والتنسك والتأله من فلسفتها وواجباتها، كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده، وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والإنتاج، كالرهبانية المسيحية.

 

وسطية الإسلام في التشريع

 الإسلام وسط في تشريعه ونظامه القانوني والاجتماعي، وأبرز ما تتجلى فيه الوسطية هنا: مجال الفردية والجماعية التوازن بين الفردية والجماعية، وفي النظام الإسلامي تلتقي الفردية والجماعية في صورة متزنة رائعة، تتوازن فيها حرية الفرد ومصلحة الجماعة، وتتكافأ فيها الحقوق والواجبات، وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم.

 

وسطية الإسلام في الاعتقاد

لقد كانت الوسطية من أبرز ملامح العقيدة الإسلامية؛ إذْ هي موافِقةٌ للحق، ومؤيَّدةٌ به، وهي مناسِبةٌ للفطرة، لا إفراط فيها ولا تفريط، فالعقيدة الإسلامية متوسطة بين إفراط النصارى وتفريط اليهود، وبين غلوِّ النصارى في المسيح وتطرفِّ اليهود في عصيان أنبيائهم، وتنطعِهم في السؤال والجدال.

 

الوسطية في منهج أهل السنة والجماعة

     لقد تهذبت به - صلى الله عليه وسلم - نفوس أصحابه الكرام، حتى كانت سلوكياتهم ومعاملاتهم للخلق ‏في تمام الاعتدال والقصد، فورثوا وسطية الإسلام الحقة التي أرسى قواعدها رسول الله ‏ - صلى الله عليه وسلم -، وقد تمثلت وسطية الإسلام بعد ذلك في منهج جامع رصين، سماه المسلمون بـ(منهج أهل السنة والجماعة)؛ إذ مَثَّل هذا المنهج ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ‏عقيدة وعملًا وحالًا.‏

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة