أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

مقالات » الوقف في تراث الآل والأصحاب (4) الوقف في حياة الآل والأصحاب رضوان الله عليهم

للكاتب: عيسى القدومي

نسخة للطباعة

الوقف في تراث الآل والأصحاب (4)  الوقف في حياة الآل والأصحاب رضوان الله عليهم

 

هذه سلسلة مقالات نسلط فيها الضوء على أوقاف آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، وعرضِ أنواع الأوقاف ومجالاتها، وآثارها في الدين والمجتمع، مع ذكر جملة من المقاصد الشرعية والفوائد الفقهية في أوقاف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوقاف آله وصحبه -رضي الله عنهم-، جمعنا فيها ما رُوي من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، والدالة على حرص الآل والصحب الكرام -رضي الله عنهم- على الامتثال التامّ لتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بذل المال واحتباس الأصول، وقفًا تنتفع به الأمة الإسلامية، وتنال به عظيم الأجر والثواب.

أوقاف رجال آل بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم

أوّلاً: وقف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه

     لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أوقافٌ كثيرةٌ سردَها المؤرّخون وأصحابُ السِّيَر والتّواريخ وكتب البلدان، كما ذكروا أخباراً كثيرةً عن مآلاتها ووُلاتِها ومصارفها وما تعلّق بها من بعدِه من الحقوق والخُصومات والضياع والاسترجاع، وهي أخبارٌ تفيد بمجموعها القَطْعَ بأصول هذه الأوقاف، والتّحقُّق من صحّتها، وقد ذكر الإمام الحُمَيْدي (ت 219هـ) أنّه شَهِدَ في وقتِه اشتهارَ (يَنْبُع) بكونها وقفًا لعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه .

أخرج البيهقي -بسنده- إلى الحُميديّ، قال: «وتصدّق عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - بأرضِه بيَنْبُعَ، فهي إلى اليوم».

وقد آلَت لعليّ - رضي الله عنه - أملاكٌ كثيرةٌ بينبُع، بعضُها، بل جزؤُها الأهمّ، أقطعَه إيّاها أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، ثمّ ضمّ إليها أشياء أخرى بالشراء والاستصلاح وإحياء المَوَات، فوقَفَ كثيراً منها على وجوه مختلفة وبشروط متنوّعة.

إكرام عمر - رضي الله عنه - آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم

     عن جعفر بن محمّد عن أبيه: «أنّ عليّ بن أبي طالب قطع له عمر بن الخطّاب -رضي الله عنهما- يَنْبُعَ، ثمّ اشترى عليّ بن أبى طالب - رضي الله عنه - إلى قطيعة عمر - رضي الله عنه -  أشياء، فحفر فيها عينًا، فبينا هم يعملون فيها إذ تفجّر عليهم مثل عنق الجزور من الماء، فأتى عليٌّ وبُشّر بذلك، قال: بشّر الوارث. ثمّ تصدّق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل اللّه وابن السّبيل، القريب والبعيد، وفي السّلم وفي الحرب، ليوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ليصرف اللّه تعالى بها وجهي عن النّار ويصرف النّار عن وجهي»، وفي هذه الرواية الثابتة بشاهدَيْ التاريخ والحسّ، دليلٌ على إكرام عمر - رضي الله عنه - آلَ بيت النبي -صلى الله عليه وسلم -، فإكرامُه عليًّا -وهو أهلٌ لكلّ كرامةٍ- بهذا الإقطاع يدلُّ على ذلك بوضوح.

     وقد جاء مزيدٌ من التّفصيلِ لهذه الصدقةِ بيَنْبُعَ، وما ضُمَّ إليها، فقد أخرجَ عبد الرزّاق من طريق أيّوب السختياني، أنّه أخذَ كتابَ صدقةِ عليٍّ - رضي الله عنه - من عمرو بن دينار، وممّا ذُكر فيه موقوفًا مع يَنْبُعَ: ما يملكُه عليٌّ - رضي الله عنه - بـ (وادي القرى)، و(الأَذْنِبَة)، و(رعْد)، ووقَفَ مع هذه الأراضي ما لَه فيها من مماليك، واستثنى بعضَهُم ممّن كان قد أعتَقَ قبْلَ ذلك من العاملين فيها، قال أبو محمد ابن حزم: «إيقافه ينبع، وغيرها: أشهرُ من الشّمس»، وهذا يبرهنُ -كما أشرنا سابقاً- على أنّ هذه الأوقافَ مستغنيةٌ في أصلها عن الحاجةِ إلى صحّة السّند على رسم المحدّثين، فالشّهرة تغني عن ذلك.

الأماكن التفصيلية في أوقاف علي - رضي الله عنه

ومن الأماكن التي ذُكرَت تفصيلاً في أوقاف عليٍّ - رضي الله عنه - بيَنْبُعَ وما حولَها:

1-البُغَيْبِغَة، وعين أبي نِيْزَر، وقَفَهُمَا لسنتين من خلافته، على فقراء المدينة وابن السبيل وذوي الحاجة من ذوي القربى، وشَرَطَ أنّ الحسن أو الحسين إن احتاجا، فلهما أن يبيعا.

2-عين نولا، وهي التي يُقال إنّ عليًّا - رضي الله عنه - عَمِلَ فيها بيده.

3-عين الحدث، وعين البحير، وعين العصيبة، وكلُّها بيَنْبُع، ذكرها ابنُ شُبَّة.

وبعض المؤرّخين يقول بالجمع: البُغَيْبِغَات، وهي عيون ماء كثيرة، منها: خيف الآراك، وخيف ليلى، وخيف بسطاس.

وممّا ذُكرَ تفصيلاً في أوقافِ عليٍّ - رضي الله عنه - بوادي القرى ومدينة العلا: عين ناقة، وعين حسن، وعين سكر، وعين موات.

وممّا ذُكر تفصيلاً بخيبر وما حولها: له بِحَرَّة الرّجلاء قُرْبَ خيبر: وادي الأحمر، ووادي البيضاء، وخمسة آبارٍ أسماؤُها: (ذات كَمَّاتٍ، وذوات العُشَرَاءِ، وقُعَيْنٌ، ومُعَيْدٌ، ورَعْوَان).

وله بـ (فَدَك): وادي ترعة، ووادي الأسحن، والقُصيبة، وهو مالٌ بناحيةِ فدك.

قال ابن شبّة عن القُصيبة: «كان عبد الله بن حسن بن حسن عامل عليه بني عمير مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، على أنّه إذا بلغ ثمرُه ثلاثين صاعًا بالصّاعِ الاوّل فالصّدقة على الثلث، فإذا انقرض بنو عمير فمرجعه إلى الصدقة، فذلك اليوم على هذه الحال بأيدي وُلاة الصدقة».

وممّا ذُكر تفصيلاً بالمدينةِ وما حولَها: (الفقيرين، بالعالية، وبئر الملك، بقناة، والأَذْنِبَة في إِضَم، ودار عليّ، قرب بقيع الغرقد، والفقير، موضعٌ بالمدينة، وبئر قيس، والشجرة).

وصية علي - رضي الله عنه - بالاهتمام بوقفه

وأمّا وصيَّتُه بنظارتها وولايتها، فقال فيها -كما عند عبد الرزّاق-: «ثمّ يقوم على ذلك بنو عليٍّ بأمانةٍ وإصلاح، كإصلاحهم أموالَهم، يُزْرَعُ ويُصْلَحُ كإصلاحِهِم أموالَهم، ولا يُباع من أولادِ عليٍّ من هذه القُرى الأربعِ وَدِيَّةٌ واحدةٌ، حتى يَسُدَّ أرضَها غراسُها، قائمةً عمارتُها للمؤمنين أوّلهم وآخرِهم، فمن وَلِيَهَا من النّاسِ فأُذَكِّرُ اللهَ إلّا جَهِدَ ونصحَ وحفظ أمانتَه».

     وقد تولّى أمرَها - رضي الله عنه - في حياته. قال الشافعيّ رحمه الله: «ولم يَزَلْ عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يَلِي صدقتَه بيَنْبُعَ حتى لقي الله -عز وجل-، ولم تَزَلْ فاطمة -رضي الله عنها- تَلِي صدقَتَها حتى لقيت اللهَ -تبارك وتعالى-، أخبَرَنا بذلك أهلُ العلم من ولد فاطمة وعليّ وعمر ومواليهم»، ثمّ ولّاها من بعدِه أبناءَه الحسن والحسين كما سبق آنفًا، وقد رصد المؤرّخون توارُثَ ذرّيتهم ولايتها ونظارتَها بعد ذلك.

ثانياً: وقف العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله -رضي الله عنهما

     قال ابن شبة: «قال أبو غسان: تصدق العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - بحل له كان بيَنْبُعَ على عين يقال لها: عين جساس على شراب زمزم، فذلك الحق يقال له: السقاية؛ لأنه تصدق به على زمزم، وهو الثمن من تلك العين، وهو اليوم بيد الخليفة يوكل به»، ثم قال: «وتصدق عبد الله بن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنهما- بمال بالصهوة، وهو موضع بين معن وبير حوزة على ليلة من المدينة، وتلك الصدقة بيد الخليفة يوكل بها».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة