أخبار سريعة
الثلاثاء 18 يناير 2022

مقالات » الفطرة مشترك إنساني لنساء العالم

للكاتب: اللجنة العلمية في الفرقان

نسخة للطباعة

الفطرة مشترك إنساني لنساء العالم

 


أشرقت شمس القرن الحادي والعشرين، والبشرية يحدوها الأمل في شيء من السكينة والخلود إلى الراحة القلبية، بعد عصور زعم الإنسان فيها أنه مقياس لكل شيء، فإذا به يفقد البوصلة، ويغرق في تلمس أعمى للطريق، سافرًا مسعاه على طريق الحداثة وما بعدها، إلى تبديد إمكانية معرفة نفسه، أو تصحيح علاقته بربه، أو البحث عن جامع مشترك، لا زماني ولا مكاني، يجد الإنسان فيه ذاته، أيّا كان موقعه، أو لونه، أو جنسه، أو دينه.

     شرد الإنسان بعيدًا، وتنازعته أهواؤه بحثًا عن هذا الجامع رغم وجوده، ولو خُلي بين الإنسان وبينه لاهتدى إليه دون وساطة، إنه الجامع المشترك المثبت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وصدق الله العظيم في توصيفه لشرود الإنسان وجهله {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}، قال -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}، كان من الممكن أن يرد التعبير بالإنسان في الآية الكريمة بدلاً من الناس، حينها سيكون هناك تساؤل عن المقصود بالإنسان، أما التعبير بلفظ الناس يدل صراحة على أن الإسلام قد أنزله الله -تعالى- مطابقًا لفطرة الإنسان، ذكراً كان أو أنثى، فرداً، أو جماعة، قبائل وشعوبا، وقد خص الوجه بالذكر؛ لأنه جامع حواس الإنسان، ولنتعرف على الفطرة كمفهوم أولاً، ثم نتناول كيفية توظيفه كجامع للعالمين.

أولاً: ما المقصود بالفطرة؟

ورد مصطلح الفطرة في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله -تعالى- في سورة الروم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، أما من حيث الاشتقاق اللغوي فقد وردت كلمات مثل: (فطر، فاطر، انفطر، منفطر، فطور)، وقد اختلف العلماء في المراد بالفطرة الواردة في الآية القرآنية:

الحياد

     عرض القرطبي في تعريف مفهوم الفطرة أكثر من رأي؛ ليرجح في النهاية أحدها، وأبرز هذه الآراء رأي بن عطية في تفسير الفطرة بأنه: «الخِلقة والهيئة التي في نفس الطفل، التي هي معدّة ومهيّأة لأن يميّز بها مصنوعات الله -تعالى-، فيستدل بها على ربّه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه -تعالى- قال: أقم وجهك للدّين الذي هو الحنيف، وهو فِطْرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تَعرِضهم العوارض. ومنه قول النبيّ - رضي الله عنه - في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاء»، فذِكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة، ويرى القرطبي أن الفطرة محايدة، «إنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعاً وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقد الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميز».

بصيرة أخلاقية

     جعلها ابن القيم واحدة من الركائز التي يؤدي بها الإنسان مهمة الاستخلاف مع العقل والوحي «عند تفسيره لآية النور «نور على نور» بأن الفطرة هي: «النور الإلهي الذي أودعه الله -تعالى- في الإنسان؛ ليعرف به الخير والشر، ويميز به بين النافع والضار»، أي: أن الله -تعالى- غرس في الإنسان هذه البصيرة الأخلاقية، وجعلها غريزة تساعد على جلب ما ينفع، ودفع ما يضره، يستطيع بها أن يميز بين الخير والشر، والحسن والقبيح، ويصدر أحكاماً تقوم سلوكه، وتحدد اتجاهه؛ ليسترشد بها في بناء نفسه، ويربطه بمجتمعه، وتنأى به عن الانحراف.

القلب السليم

استدل الكثيرون على خيرية الفطرة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل مولود يولد على الفطرة»، فليس معنى هذا أن يولد الإنسان مسلماً، وإنما تكون الخيرية فيه أن يولد بالاستعداد للميل إلى الحق، وهذا الاستعداد يجعله يختار الحق حين تترك له حرية الاختيار، على ألا يلحق هذا الاستعداد تشويه.

قلب سليم في أصل الخلقة

     ففطرة الله هي ما أودع الله -سبحانه وتعالى- في الإنسان من قوى عاقلة، وقلب سليم في أصل الخلقة، تقبل الطيب، وتنفر من الخبيث، وهذه الفطرة تعرض لها عوارض كثيرة تشوه معالمها، أو تفسد طبيعتها، شأنها في ذلك شأن حواس الإنسان من سمع وبصر وذوق ولمس، وكما أنه لما يعرض للحواس من آفات دواء تداوى به، كذلك جعل الله -سبحانه- للفطرة ما تداوى به، وذلك بما يحمله رسل الله من هدى، فلا تبدلوا خلق الله -وهو الفطرة- بما تدخلون عليه من أهواء، بل عليكم حراسة هذه النعمة، وعرضها على هدى الله، إذا طاف بها طائف من الضلال.

ما جبل عليه الإنسان

     وقد عرفها بعضهم بتعريف قريب من هذا، بأنها هي: «ما جبل عليه الإنسان من الأشياء الظاهرة والباطنة في أصل الخلق التي تتطلبها إنسانيته وبشريته، وكل خروج أو إخلال بها هو خروج على إنسانيته، وإخلاف بها، وكل محافظة عليها هو محافظة على إنسانيته وبشريته»، ومثال ذلك أن الله -تعالى- فطر الإنسان وجبله على الطيبات كجزء من تكريمه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}، فإذا بالإنسان يخترق هذا التكريم، ويخرم هذه الفطرة بأكله من الخبائث.

ثانياً: كيف نستفيد من المدخل الفطري كمشترك إنساني

     تتقاطع الفطرة مع مفهوم الإنسانية والبشرية الأوسع، فهي قاسم مشترك لدى كل البشر، وبدلاً من النسوية العالمية وصيحات يا نساء العالم اتحدوا، وغيرها من الدعوات التفكيكية (يا عمال العالم اتحدوا) وهلم جرا، فإن الفطرة كسائر المفاهيم في النسق الإسلامي التي تبحث عن الجامع وليس عن الاختلاف أو الصراع، فمفهوم الفطرة: مفهوم يجمع البشرية كلها بأبيضها وأسودها وأصفرها، عربياً كان أو أعجمياً، أياً كان لسانه، كما أنه مفهوم جامع للذكر والأنثى، وكذلك مفهوم يجمع نساء العالمين.

مفهوم يجمع البشرية كلها

     مفهوم يجمع البشرية كلها، ويميزها عن سائر الكائنات التي خلقها الله {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، وعلى الجميع إحياء الفطرة السوية لتعلو فوق النزعات الإنسانية، وتعيد للنفس البشرية -أيا كانت- سلامها وأنسها مرة أخرى، وعدم التمييز بسبب عنصر، أو جنس، أو دين، «فكافة الخصائص والملكات المُشكلة لإنسانية الإنسان موجودة لدى البشر كافة بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا موضع في الإسلام للتمييز، بدعوى أن تلك الخصائص والملكات لم تكن متوفرة لديه، أو فقدت بسبب خطيئة، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي مسلّم بها لأي إنسان، حتى لو كان منتميًا لدين غير الدين أو إلى أي عصر آخر».

الفطرة خيرة بالأساس

     إقرار أن الفطرة خيرة بالأساس، ويطلقون عليها في الغرب مسمى (الطبيعة الإنسانية)، وقد دل على صحة هذا المعنى بأن الفطرة خيرة بالأساس قوله  - صلى الله عليه وسلم  - «كما تنتج البهيمة هل تحسون فيها من جدعاء»، وفي هذا تمثيل رائع، حيث شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - المولود الذي يولد على صفاء الفطرة بالبهيمة التي تلد ولدها كاملة الخلقة، والأعضاء، جميل الشكل، والصورة، سليماً من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً، بريئاً من العيوب، ثم يعتريه النقص بفعل البشر، فيقطعون أذنه، ويوسمون وجهه، فطروء هذه النقائص يخرجه عن الأصل الذي خرج عليه، وعلى هذا فالقول بأن الفطرة خيرة بالأساس يصب في براءة الإنسان.

الفطرة نقطة التقاء الذكر والأنثى

كما أن الفطرة تُعد نقطة التقاء الذكر والأنثى أيضاً في: أن كليهما يتمتعا بفطرة خيرة بالأساس، برأ الله كلا منهما من وصمة السقوط المزعوم، فخروجهما من الجنة كان حدثاً مقدراً، وضرورياً؛ لحمل مهمة الخلافة في الأرض، وما الابتلاء بغواية الشيطان الأولى إلا تهيئة لكل منهما للقيام بتلك المهمة، وبيانا لحاجة الحرية التي يتمتعان بها للميزان والهدي المنزل.

معرفة كل امرأة

إن معرفة كل امرأة بأنها مفطورة على أشياء وضعها الله فيها، وجعلها من جبلتها، يجعلها على يقين أن خالق هذه الفطرة هو شارع الأحكام، بما يلائم هذه الفطرة «إذ يستحيل أن يكون في شرع الله أمر يخالف ويعارض ما فطره عليه، فالحكيم العالم بما خلق، ومن خلق يضع الشريعة المناسبة له والملائمة لخلقه».

يقين كل امرأة

     على المرأة أن توقن بأن تنظيم التشريع للفطرة يهيئ السبل السليمة لإشباع الغرائز؛ لئلا تنحرف إلى غيرها، فأمام كل فطرة -ولتكن النكاح وتصريف الشهوة- طريقان: إما الزواج المشروع الطاهر بما يحفظ الأعراض والأنساب والصحة، عن طريق الارتباط بين الرجل والمرأة بميثاق غليظ محوط بالحب والود والرحمة؛ اعترافاً من الشارع بأن ذلك الارتباط ضرورة من ضرورات الحياة كالطعام واللباس؛ حيث يقول -سبحانه-: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، بل إن تعبير القرآن الكريم عن أصل الخلقة بأنه -سبحانه- خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، يدل دلالة واضحة على الاتفاق في الميول والرغبات والاحتياجات العضوية والنفسية، وإما الزنا واللواط والسحاق، وسائر أشكال الشذوذ، وهذه حرمها الإسلام؛ لخرقها للفطرة التي فطر الإنسان عليها.

حذر كل امرأة

فقبول النساء بالزنا، أو الشذوذ، أو امتهان البغاء بدعوى تمكينها من جسدها (حق الاختيار)، أو استجابة لأية شعارات (حقوق إنسان)، سوف يُصلي البشرية ناراً في الدنيا، وستكون المرأة أول من يكتوي بشررها، وقد حذر النبي  -صلى الله عليه وسلم - من الأضرار الصحية، والأوبئة العامة، التي تترتب على شيوع الفاحشة في أي مجتمع، فقال: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا».

استنقاذ فطرة المرأة

    لذا على المرأة أيا كان موقعها استنقاذ فطرتها من ركام تأثير البيئة المعاصرة، ومن تقليد الأولين شرقًا وغربًا، فيما يخالف فطرتها، وتعود بها إلى حقيقة وجودها، ومعدنها الأول، فالفطرة تحقق لها التوازن المطلوب، بين ما تنشده من مساواة، وما تمليه عليها فطرتها، وكما يقول ابن عاشور: «يشكل كل من أصل الخلقة الإنسانية وأصل تساوق الشريعة مع الفطرة أساساً لوصف المساواة. فبالأصل الأول يتساوى الخلق في عموم الخطاب الشرعي وفي الحقوق المتمثلة في الكليات الخمس، وبالأصل الثاني يتغير التساوي والتفاوت بينهم». كما أن الحفاظ على صلاح المجتمعات البشرية مرهون بتحقيق صلاح الإنسان، ولن يتحقق هذا الصلاح إلا بالحفاظ على سلامة فطرة الأشياء في هذا الكون؛ لتبقى مؤدية للغاية المنوطة بها، ولن يتم ذلك إلا بتكامل شقي الإنسانية: الذكر والأنثى.

- المصدر: مركز باحثات لدراسات المرأة

 

 

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة