شرعت فيها صلاة الخوف وبارك الرسول صلى الله عليه وسلم ماءها- عسفان.. طريق الأنبياء إلى مكة المكرمة

شرعت فيها صلاة الخوف وبارك الرسول صلى الله عليه وسلم ماءها- عسفان.. طريق الأنبياء إلى مكة المكرمة

 

شرف الله أرض الحجاز الطاهرة باحتضانها الرسالة المحمدية الخاتمة، ولا تكاد تخلو بقعة فيها من آثار تاريخية لها قيمة، بعضها مشهور عند عامة المسلمين، ومنها ما لا يعرفه سوى الخاصة منهم، ومن هذه المواضع بلدة عسفان، التي تشرفت بقدوم النبي [ مرات عديدة، وإقامته بها، ووجود آثار ارتبطت بوجوده الشريف فيها، عدا أنها واقعة على طريق الحج.

التسمية والموقع

     ذكر ياقوت الحمودي في معجم البلدان: عُسفانُ: بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون فُعلان من عَسفت المفازة وهو يعسفها، وهو قَطْعها بلا هداية ولا قصد، وكذلك كل أمر يركب بغير روية، قال: سميت بعسفان لتعسف الليل فيها، كما سميت الأبواءُ لتبوؤ السيل بها.

       وتقع عسفان في واد ينبثق من بين جبال السروات شرقا ليصب في البحر الأحمر شمال جدة، وعرفت منذ القدم بوفرة زراعتها وحدائقها وتوفرها على المياه، وكانت أحد مصادر الغذاء لما حولها من مدن وقرى منها مكة المكرمة؛ إذ تنتج جميع أنواع المحاصيل الزراعية التي يحتاجها الناس في قوتهم، وفي الوقت الحاضر يعتمد أهالي المنطقة في السقي على الآبار الارتوازية.

        سكن بعسفان على عهد النبي [ بعض من بطون خزاعة، ويسكنها في الوقت الحالي بعض قبائل حرب، وكان القرشيون يجتازونها في رحلاتهم التجارية شمالا، وهي واقعة على طريق مكة المدينة المنورة، وطريق حجاج مصر، وينزل بها كل من مر بهذه الطريق للراحة والتزود بالزاد والسقيا.. جاء في معجم ياقوت: «عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وتقع عسفان بين المسجدين، وهي من مكة على مرحلتين، وقيل: عسفان قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلا من مكة، وهي حد تهامة» وذكرت في أكثر من مصدر على أنها الحد الشمالي لمنطقة تهامة.

طريق الحج

       ذكر الإدريسي في نزهة المشتاق أن عسفان ملتقى طرق عدة للحج، تقع على الطريق الواصل بين مكة المكرمة والمدينة المنورة قديما وحديثا، وجاء في «صبح الأعشى» للقلقشندي: «عسفان - بضم العين وسكون السين المهملتين وفتح الفاء ثم ألف ونون - وهو واد معروف على طريق حجاج مصر، على 3 مراحل من مكة، كان بها حدائق ومياه تنصب إليها من الهدة المذكورة (موضع)، وهي الآن خراب ليس بها عمارة».

      وأشار ابن بطوطة في رحلته إلى الخراب الذي أصابها: «ثم رحلنا إلى عسفان، وهي في بسيط من الأرض، بين جبال، وبها آبار ماء معين، تنسب إحداها إلى عثمان بن عفان ]، والمدرج المنسوب إلى عثمان أيضا على مسافة نصف يوم من خليص، وهو مضيق بين جبلين. وفي موضع منه بلاط على صورة درج، وأثر عمارة قديمة، وهناك بئر تنسب إلى علي ]، ويقال: إنه أحدثها. وبعسفان حصن عتيق وبرج مشيد قد أوهنه الخراب، وبه من شجر المقل كثير».

      وهو ما لاحظه ابن جبير في رحلته حين ورد على عسفان وهو يصفها بقوله: «أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور، ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم أسرينا إليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد، وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار معينة تنسب لعثمان ] وشجر المقل فيها كثير، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة، غير معمور، قد أثر فيه القدم، وأوهنه قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين».

       ومما تذكره كتب السير بشأن وقوعها على طريق تجارة قريش ما كان بين قريش وأبي ذر الغفاري ] حين قام يشهر إسلامه في مكة فتكالبت عليه قريش وكادت تقتله لولا أن منعها عنه العباس ] بتذكير القرشيين أن قبيلة غفار تسكن على طريق تجارتهم فخافوا نقمتها، وتكرر ذلك منهم فأراد أبو ذر الانتقام من قريش، فخرج وأقام بـ «عسفان» وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام، يعترضهم ويجبرهم على إلقاء أحمالهم، فيقول أبو ذر لهم: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا: لا إله إلا الله، فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون ما لهم.

أحداث تاريخية

      ورد في الأثر أن عسفان كانت ممرا للأنبياء ولا شك في أنها كانت سبيلا لمكة منذ نشأتها، جاء في كتاب التفسير الكبير للإمام الطبراني، في تفسير  الآية رقم 22 من سورة الحةج، عن ابن عباس قال: «حج رسول الله [، فلما أتى وادي عسفان قال: «لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات حمر خاطمهن الليف، يحجون البيت العتيق» اهـ، وجاء في كتاب تفسير القرآن الكريم لابن كثير، في تفسير الآية رقم 79 من سورة الأعراف: وقد ذكر بعض المفسرين أن كل نبي هلكت أمته كان يذهب فيقيم في الحرم حرم مكة، والله أعلم.

غزوة عسفان وصلاة الخوف

     قد نزل النبي [ بعسفان وهو عائد من غزوة بني لحيان التي تسمى غزوة عسفان، وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أحداث السنة الرابعة للهجرة: قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبوعبدالله الحافظ، حدثنا أبوالعباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبدالجبار وغيره قالوا: لما أصيب خبيب وأصحابه (بعثة الرجيع)، خرج رسول الله [ طالبا بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة، فسلك طريق الشام ليُرى أنه لا يريد بني لحيان، حتى نزل بأرضهم من هذيل، ليصيب منهم غرة، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال.

      فقال رسول الله [: «لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة» فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا، فذكر أبوعياش الزرقي أن  رسول الله [ صلى بعسفان صلاة الخوف.

      قال الإمام أحمد: حدثنتا عبدالرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش قال: كنا مع رسول الله [ بعسفان فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله [ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة..} (النساء: 102)، قال: فحضرت فأمرهم رسول الله [ فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين، ثم ركع، فركعنا جميعا، ثم رفع فرفعنا جميعا، ثم سجد بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء. قال: ثم ركع فركعوا جميعا، ثم رفع فرفعوا جميعا، ثم سجد النبي [ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون، فسجدوا. ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله [ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم.

صيامه وفطره صلى الله عليه وسلم في السفر

       من التشريعات الإسلامية التي عرفها المسلمون لأول مرة حين نزولهم مع النبي [ بعسفان جواز الفطر أو الصيام للمسافر، قال ابن عباس: سافر رسول الله [ في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فشرب نهارا ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، فكان ابن عباس يقول: صام رسول الله [ في السفر وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر.

عذوبة الماء

       جاء في كتاب «مرآة الحرمين» أو ما يسمى الرحلات الحجازية والحج ومشاعره الدينية للواء إبراهيم رفعت باشا: «بئر عسفان وهي مبنية بالحجر الأسود المتين وسمك جدارها متر ونصف المتر وعمقها ثمانية أبواع ونصف عند نقص مائها وخمسة أبواع عند زيادته، وماؤها عذب كماء النيل ويقال: إن النبي [ شرب منه».

قلعة عسفان

     قلعة عثمانية تقع في قمة تلة في موقع مميز قرب العديد من الطرق التي تمر بعسفان،  وكانت القلعة في الأساس توفر الحماية لطرق القوافل القريبة، وبنيت من الأحجار التي جلبت من مناطق صخرية - حيث إنه اكتشف أن الأحجار الموجودة في القلعة تختلف عن أحجار الجبل المبنية عليه - على هيئة مربع مع وجود 4 أبراج على الزوايا وبرجين إضافيين في كل من الجدران الـ 4، وما تزال بعض الجدران والأبراج بحالة جيدة نسبيا، ولكن يبدو أن جزءا من التلة التي تقوم عليها القلعة قد أزيل بفعل أعمال البناء في الطريق المجاور، حيث أصبحت القلعة الآن على حافلة التلة، ولا تُعد تجربة الصعود إلى القلعة عبر شبكة الطرق بنفس القيمة التي كانت تتمتع بها في الزمن العثماني، وقد جارت على هذه القلعة الظروف المناخية مما أدى إلى تهدم أجزاء منها.

     ولا أعرف العلاقة بين هذه القلعة والحصن الذي ذكره كل من ابن بطوطة في رحلته في القرن السادس الهجري قبل الخلافة العثمانية، وعاد ومر به في القرن الثامن ابن جبير، ولعلها بنيت على أنقاضه أو أنه موجود في مكان آخر، والله أعلم.

www.al-forqan.net