المدينة الساحرة، التي دارت حولها الأساطير- سمرقند.. درة الشرق

المدينة الساحرة، التي دارت حولها الأساطير- سمرقند.. درة الشرق

 

- سمرقند كانت مركزاً إسلامياً متقدماً في وسط القارة الآسيوية يفد إليها طلاب العلم لدراسة علوم القرآن والحديث في مسجدها الجامع

- سمرقند تضم حتى أيامنا هذه نماذج رائعة من فن المعمار الإسلامي لا تزال تقف شواهد على عظمة وعبقرية من عاشوا فيها

 - على الرغم من التدمير الذي لحق بها إلا أنها ظلت تحتفظ بشواهد عظمتها وبقايا حضارتها وطابعها الإسلامي الأصيل

- أطلق عليها العرب أسم «مدينة المسرات» وهي مصيف الأمراء لما تشتهر به من جمال الطبيعة ومناخها الصحي

- مجموعة «شاه زنده» هي أروع ما في سمرقند وفي آسيا الوسطى كلها ومعناها «الملك الحي»

سمرقند.. تلك المدينة الساحرة، ولسحرها دارت حولها الأساطير، وامتزجت بالحقيقة، فيذكر في «ألف ليلة وليلة»، على سبيل المثال، أن الملك «شاه زمان»، الأخ الأصغر للملك «شهريار»، كان ملك هذه المدينة. لقد استطاع «تيمورلنك» أن يجعل منها العاصمة الأسطورة، ورغم تدميرها أكثر من مرة إلا أنها ظلت تحتفظ بشواهد عظمتها، وبقايا حضارتها، وطابعها الإسلامي الأصيل.

سمرقند.. هي الياقوته الراقدة على ضفاف نهر «زارفشان»، وهي كما يطلق عليها العرب «مدينة المسرات»، فهي حاضرة إقليم الصغد، وهي مصيف الأمراء؛ لما كانت تشتهر به من جمال الطبيعة والمناخ الصحي، وهي أعظم المدن الواقعة فيما وراء نهر جيحون، وكانت تنافس بخارى على مدار التاريخ.

سمرقند.. التي تقول أسطورة شعبية يتداولها سكانها إنها بنيت في حديقة جنة عدن، حتى قال فيها أحد الشعراء:

وليس اختياري سمرقند محلة

                                      ودار منام لاختيار ولا رضا

ولكن قلبي حل فيها فعاقني

                                      وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا

       سمرقند هي تلك المدينة الواقعة على طريق الحرير المشهور، الذي ربط الصين بمراكز الحضارة العربية الإسلامية لقرون عدة، وهي المدينة الثانية بعد العاصمة طشقند في جمهورية «أوزبكستان»، إحدى جمهوريات آسيا الوسطى، أشار إلى تسميتها بهذا الاسم الجغرافي العظيم ياقوت الحموي في معجمه «معجم البلدان»، فذكر أن هذا الاسم ينطق بفتح أوله وثانيه، ويقال لها بالعربية «شمران» وقد عرفت أولاً بـ «شمر أبو كرب» نسبة إلى أول من عمرها، ثم حرف الاسم إلى «شمركنت» ثم عربت فقيل سمرقند أي وجه الأرض، ولقد زارها في القرن الثامن الهجري الرحالة الشهير ابن بطوطة ووصف عمائرها وحالتها العمرانية، فقال عنها: «إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً، مبنية على شاطئ واد يعرف بوادي القصارين، وكانت تضم قصوراً عظيمة وعمارة تنبئ عن علو همم أهلها».

       وإذا تكلمنا عن سمرقند فلا بد لنا أن نتذكر كيف أنه عندما توجه جيش المسلمين بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي ليفتح بلاد ما وراء النهر بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق عام (87 هجرية)، ودخل قتيبة بجيشه مدينة سمرقند، عندئذ توجه وفد من أهلها إلى خليفة المسلمين عمر بن عبدالعزيز، وشكوا إليه من أن قتيبة دخل ديارهم من غير أن يخيرهم بين الإسلام أو العهد أو القتال، وأنه قاتلهم من غير تخيير، فكلف عمر بن عبدالعزيز قاضياً أن يستمع إلى الشكوى، ويتحقق من وقائع الحديث، فإن تبين له أن دعوى أهل سمرقند صحيحة فللقاضي أن يأمر قتيبة بأن يعود بجنوده إلى ثكناتهم، ويخرج من الأرض التي فتحوها، ثم يخيرهم بين الأمور الثلاثة.

       وقد درس القاضي الموضوع، وتحقق من صدق شكوى أهل سمرقند، فأمر قتيبة وجنوده بأن يخرجوا من ديار سمرقند، وأن يخيرهم وجند المسلمين في ثكناتهم بعيداً عن المدينة، بين عهد عادل، أو دخول الإسلام، أو القتال، ونفذ قتيبة بن مسلم الأمر! وستظل قصة دخول قتيبة بن مسلم إلى سمرقند، شاهدة على عظمة الإسلام وسماحته وعدله، حيث كانت هذه المرة الأولى- وربما الأخيرة- التي يخرج فيها جيش من بلاد فتحها، بناء على حكم قضائي صادر من الدولة الغازية!!

       لقد استطاع الإسلام أن يثبت أركانه في هذه البلاد بالطرق السلمية، خلال العصر الأموي، وذلك عن طريق رسالة المسجد الدعوية والتعليمية، وأيضاً توطين القبائل العربية في هذه البلاد، وازدادت وتوطدت العقيدة الإسلامية في العصر العباسي، نتيجة الانفتاح على الأعاجم والميل إلى الدعوة بالطرق السلمية، والتمكين للنظم الإدارية في البلاد، واستخدام العناصر التركية في البلاد.

       وكانت سمرقند مركزاً إسلامياً متقدماً في وسط القارة الآسيوية يفد إليها طلاب العلم، حيث يدرسون علوم القرآن والحديث في مسجدها الجامع، ويستمعون إلى شيوخ العلم، وكان هؤلاء يعودون إلى بلادهم حاملين معهم السلع والبضائع، وعن طريق هؤلاء انتشر الإسلام إلى الصين وشمال آسيا وشرقها.

       وتضم سمرقند حتى أيامنا هذه نماذج رائعة من فن المعمار الإسلامي ما تزال تقف شواهد على عظمة وعبقرية أولئك المهندسين والفنانين والبنائين الذين عاشوا هناك في وقت من الأوقات، نذكر منها:

- مسجد «بيبي خانم»: شيد عام 802 هـ/1399م، وانتهى بناؤه في عام 806 هـ/1403م، وما زال يرتفع فوق قباب المدينة شامخاً كالصخرة الهائلة، وهذا المسجد في الحقيقة عبارة عن مجموعة منشآت معمارية تحيط بها الأسوار على شكل مستطيل، طوله 167 متراً، وعرضه 109 أمتار، وتقع وسط الأسوار باحة داخلية (76 في 63 متراً) في جهتها الغربية المسجد الرئيسي، وفي جهتها الشرقية بوابه المدخل الرئيسي، وعلى جانبيها مئذنتان، وكان يتوسط الجهتين الشمالية والجنوبية مسجدان صغيران، ثم اتصلت جميع هذه المباني بعضها ببعض برواق ارتكزت سقوفه المقببة على 400 عمود رخامي، بينما ارتفعت المآذن في أركان الأسوار التي تحيط بالمجموعة.

       وكانت جدران المسجد مزخرفة بالتوشية الهندسية الكبيرة، على شكل شبكة من الطوب الأزرق، المطلي بالميناء التي نقشت عليها آيات من القرآن الكريم بخط كوفي. وعلى عكس ذلك تتميز بوابة المسجد والمئذنتان ذواتا الأضلاع الثمانية والمجاورتان لها بكثافة عناصر الزينة، التي يشترك فيها الرخام والأحجار المنقوشة وفسيفساء الترابيع. وترتفع قبالة البوابة قبة فيروزية ضخمة تعتبر من أكبر القباب في العمارة الإسلامية على الإطلاق.

- ضريح «غور أمير»: وقريباً من مسجد «بيبي خانم» يقع مبنى أضرحة عائلة تيمورلنك «غور أمير»، الذي يعد من الآثار الفريدة، ويقال إن تيمورلنك نفسه قد أمر ببناء هذا الضريح لكي يدفن فيه هو وأبناؤه، إلا أنه توفي قبل أن يكتمل البناء بسنتين بعيداً عن سمرقند هناك في الصين أثناء إحدى غزواته عن عمر ناهز 69 عاماً.

       ويتميز «غور أمير» بقبته الزرقاء المضلعة والمكسوة بكم هائل من زخارف الفسيفساء الدقيقة والبديعة في لمعة أخاذة ورصينة، وقد ركبت هذه القبة فوق تصميم أسطواني، وتستند هذه الأسطوانة إلى بناء من ثمانية أضلاع، فيه يرقد رفات تيمورلنك تحت ألواح من النفريت الأخضر الغامق، وبجانبه يرقد حفيده العالم المشهور «أولغ بيك» وبقية أفراد الأسرة، وقد تساعد الأرقام على تصور حجم هذه القبة، فقطر قاعدتها 15 متراً، وعلوها 5.12 أمتار، وعدد أضلاعها البارزة 64 ضلعاً.. أما الجمال فيها فهو من ذلك النمط الذي لا يقاس، ولا تعبر عنه الكلمات.

- مجموعة «شاه زنده»: إن أروع ما في سمرقند، بل في آسيا الوسطى كلها من مبان أثرية، هو مجموعة «شاه زنده»، ومعناها: الملك الحي، والمقصود به هو «قثم بن العباس بن عبدالمطلب»، ابن عم النبي [، الذي يقال إنه استشهد في العام 57 هـ في إحدى الغزوات التي سبقت فتح بلاد ما وراء النهر.

       وتقول الأسطورة المتداولة هناك إن قثم عندما سقط قتيلاً، أخذ بين يديه رأسه المقطوع، ونزل إلى بئر عميقة تؤدي إلى حديقة تحت الأرض، وما يزال حياً هناك حتى الآن، وهم يستشهدون على صدق القصة، بالآية الكريمة المحفورة على قبره البديع {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}، (آل عمران، 169).

       ولأنه أقيم هناك قبر «قثم بن العباس»، ولأنه ابن عم النبي [، فقد اعتبر المكان بقعة مباركة، كان يدفن فيها الأمراء والشخصيات المهمة في عهد تيمورلنك، هذه الأمور كلها كانت كفيلة بأن توفر للأضرحة المقامة، والمساجد التي أنشئت حولها أسبابا قوية للعناية والإنفاق الباذخ، جعلت منها في النهاية قطعاً فنية رائعة، اجتمعت لأجلها قدرات أمهر الفنانين والبنائين في عهد تيمورلنك وبعده حتى أصبحت مجموعة «شاه زنده» على رأس المجموعات المعمارية الفريدة في آسيا، وربما كان أفضل وصف «لشاه زنده» وروعتها ما قاله أحد أدباء سمرقند في القرن التاسع عشر: «السموات اللازوردية تطلعت جذلى في وجه الزمان، وقد أخذتها النشوة في تلك البنايات التي لم تشاهد لها مثيلا وتمسمرت عيون الدنيا بشموسها وأقمارها إعجاباً بما لم تحلم به أبداً».

- ميدان «ريجستان»: هو أحد معالم سمرقند غير بعيد عن ضريح تيمورلنك، ويتكون من ثلاثة مبان ضخمة متقابلة، كانت عبارة عن مدارس، وتتوسط هذه المدارس ساحة واسعة رصفت أرضيتها بالبلاط الحجري الصغير، وعندما يتأمل الراصد تلك المدارس يلاحظ الدقة والعناية، التي زخرت بها جدرانها وأقواسها ومناراتها الفريدة، والتشكيلات البديعة التي كتبت بها الآيات القرآنية على أقواسها وقبابها.

       المدرسة الأولى بناها «أولغ بيك» واستغرق بناء المدرسة حوالي أربع سنين (1418- 1422م)، ويبلغ ارتفاع الإيوان عند مدخله الرئيسي حوالي 34 متراً، وعلى جانبي المدخل الرئيس تنتصب منارتان قد مالتا بعض الشيء بسبب الإهمال وقلة الصيانة، ويستطيع الزائر مشاهدة معالم سمرقند عند صعوده إلى قمة إحداهما، حيث يصل ارتفاعهما إلى 34 متراً، أما أشهر من درس في هذه المدرسة فهو الشاعر الصوفي عبدالرحمن جامي.

       أما المدرسة الثانية فهي مدرسة «شير دار»، أي مدرسة مدخل الأسد، وبنيت في الفترة من (1619- 1631م) ويطلق على المدرسة الثالثة اسم «تلاقاري» أي المبنى الذهبي لأن زخارفها نقشت بالذهب وبنيت في الفترة من (1646- 1661م).

- مرصد «أولغ بيك»: يقع مرصد «أولغ بيك» في أحد أحياء سمرقند، أما «أولغ بيك» هذا فهو أولغ بيك بن محمد بن شاهر حفيد تيمورلنك، عاش في الفترة من 1393-1449م، وتولى الحكم بعد وفاة جده تيمورلنك، واتخذ من سمرقند عاصمة لملكه، كما كانت على عهد جده، وكان عالماً في الرياضيات والفلك، واتخذ هذا المرصد مقراً لإجراء التجارب ورصد النجوم، حيث حفر بالقرب منه وتحت الأرض قبواً منحنياً كان يرصد من خلاله النجوم ويقيس ارتفاعاتها، وقد أسس وبنى إحدى مدارس ميدان ريجستان التي أتينا على ذكرها، كما بنى هذا المرصد وزوده بالآلات والمعدات، وضم للعمل معه أمهر الراصدين الفلكيين وكبار الرياضيين.

       وضع في هذا المرصد الزيج السلطاني في الفلك، الذي اعتمد عليه فلكيو أوروبا قرونا عديدة لدقته، كما أضاف إلى من سبقه من علماء العرب والمسلمين الكثير في الرياضيات والفلك، خصوصا في حساب المثلثات، وجداول الجيوب والظلال.

       بنى «أولغ بيك» مرصده في الفترة من (1425- 1429م)، ويقال إن ما رصده بنفسه من نجوم وكواكب ووصفها وصفاً دقيقا بلغ عددها 1018 نجماً وكوكباً، كما أنه حسب طول السنة الشمسية فوجدها 365 يوماً و6 ساعات و10 دقائق و8 ثوان، أقل بدقيقة واحدة وثانيتين فقط عما هو معروف الآن!

       وعلى الرغم من إنجازات «أولغ بيك» العظيمة، إلا أنه انتهى نهاية مأساوية، إذ اتهم بالزندقة والإلحاد وعبادة النجوم والكواكب، ويروى أن ابنه عبداللطيف تآمر على قتله مع بعض معاونيه وقتله فعلاً، وتم تخريب مرصده وإخفاء معالمه إلى أن أعيد اكتشافه في العام 1908م.

- ضريح الإمام البخاري: إنه قبر الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بردزبه، شيخ المحدثين ومصنف الجامع الصحيح، كان والده اسماعيل من رواة الحديث، ولد الإمام البخاري في العام 809م (13 شوال عام 194 هـ) في مدينة بخارى وإليها نسب، بدأ حفظ الحديث وهو في العاشرة من عمره، وقضى من عمره 16 عاماً متنقلاً بين العراق والشام ومصر والحجاز لجمع الأحاديث، وساعدته ذاكرته القوية ومعرفته العميقة بتاريخ الرواة، ومذاهبهم السياسية والدينية في تمييز الأحاديث الصحيحة والضعيفة في تصنيف أحاديثه، من بين 600 ألف حديث وقعت بين يديه.

       وتضم ساحة الضريح ذات الأسوار العالية قبر الإمام الذي توفي في العام 256 هـ، وجامعا بناه أمير بخارى عبدالله خان، ومدرسة دينية وساحة واسعة زينت في ثناياها أشجار ضخمة من الدلب يبلغ عمر بعضها حوالي 500 سنة، هذا إضافة إلى بعض المكاتب الإدارية.

       لم يكن ما ذكرناه هو كل معالم سمرقند، بل أهمها، والمجال لا يتسع لذكر كل التفاصيل.. لأن هناك معالم أخرى، ومدناً أخرى في أوزبكستان بحاجة إلى استطلاعات ورصد وتصوير، مدن توقف فيها الزمن فإذا قلنا: هل تريد أن ترى الماضي حياً يتحرك أمامك وتلمسه بيدك؟ إذاً تعال إلى أوزبكستان.

 

المراجع

-  محمود رمضان محمد: سمرقند.. ياقوتة إسلامية ترقد على ضفاف نهر زارفشان، مجلة الدفاع، ع110، مارس 1998م.

- عبدالرحمن محمود المحمود: سمرقند.. حاضرة الخلافة الإسلامية المغولية، مجلة الكويت، ع 142، أغسطس 1995.

- الدكتور محمد محمود الجهيني: سمرقند الإسلامية.. عمارة وزخرفة، مجلة المنهل، العدد 519، أكتوبر- نوفمبر 1994م.

- الدكتور رياض الأمير: سمرقند.. كنز حضاري في آسيا الوسطى، مجلة السياحة الإسلامية، ع 1، خريف 2001م. بعض مواقع الإنترنت

www.al-forqan.net