{ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها }

«الفساد في الأرض» من المعاني التي أبدى فيها القرآن وأعاد، وكرر ذكرها للتحذير منها وبيان عظيم خطرها، فالله تعالى قد نهى عن الفساد فقال: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، وقال: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، قال ابن كثير: «ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض. وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد؛ فنهى تعالى عن ذلك «اهـ.

والفساد في الأرض معنى كبير يدخل فيه: التلف والعطب، والاضطراب والخلل والجدب والقحط وإلحاق الضرر بالغير، وفي الشرع يدخل في الفساد:

1- الشرك بالله تعالى وعبادة غيره.

2- ويدخل فيه المعاصي والذنوب كما قال ابن القيم في معنى قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، :«قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا... فمن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله».

3- ومن معاني الفساد في الأرض قتل الأنفس المعصومة، وإتلاف الأموال المحترمة، وقطع السبل الآمنة، ونشر الرعب والخوف بين الناس؛ كما قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.

وبين سبحانه أنه لا يحب الفساد، فقال في صنف مذموم من الناس: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}.

 وأخبر جل وعلا أنه لا يحب المفسدين فقال: {إن الله لا يحب المفسدين}، وأعلمنا عز شأنه أنه لا يصلح عمل المفسدين فقال: {إن الله لا يصلح عمل المفسدين}، وحذرنا تعالى من الإفساد في الأرض؛ لأنه من صفات المنافقين فقال تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين...}، إلى أن قال: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}، والإفساد في الأرض من أخلاق الفاسقين العاصين كما قال تبارك وتعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون}.

والإفساد في الأرض من أبرز سمات اليهود كما قال عز وجل: {وقالت اليهود يد الله مغلولة..} إلى أن قال: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين}.

والإفساد في الأرض من هدي فرعون وشيعته كما قال عز وجل: {وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد}، وقال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}.

وجعل الله تعالى الفساد والإفساد بمقابل الصلاح والإصلاح، فقال عز وجل: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.

وقد كان الإفساد في الأرض من الأمور التي خشيت منها الملائكة لعظم خطرها وضررها، وذلك لما أعلمهم جل وعلا بخلق آدم عليه السلام فقال تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون}.

وقد توعد الله المفسد في الأرض بالعقاب الأليم، فقال تبارك وتعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح}، وقال: {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين}، وقال عز وجل: {وربك أعلم بالمفسدين} وهذا العلم ليس فقط هو مجرد الإدراك والإحاطة، وإنما يتبعه الحساب والجزاء، قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون}، وقال جل في علاه:  {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار }.

ونهانا ربنا تبارك وتعالى عن متابعة المفسدين فقال: {ولا تطيعوا أمر المسرفين؛ الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}؛ لما في ذلك من عصيان الرب عز وجل والتعرض لعقوبته الشديدة وتضييع مصالح العباد والتضييق عليهم بقطع السبل ومنع الخيرات والصد عن سبيل الله.

ومدح الله تعالى أهل الصلاح والإصلاح، وبين أنهم لا يتساوون في ميزانه مع أهل الفساد والإفساد، فقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}، وقال عز وجل: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، وقال النبي [: «طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي» أخرجه الترمذي.

www.al-forqan.net