أخبار سريعة
الإثنين 11 ديسمبر 2017

الملفات » من أسباب الفتن تكفير الحكام وعدم لزوم منهج السلف معهم

نسخة للطباعة

 

نعمة الأمن وأهميتها وسبيل تحققها والحفاظ عليها(5) من أسباب الفتن تكفير الحكام وعدم لزوم منهج السلف معهم

 

 

باب تكفير الحكام - ومن ثمَّ الخروج عليهم – لا يجوز أن يشتغل به طلاب العلم، أو أن يكون كلًا مباحًا لمن دَبَّ ودَرَجَ!! بل لابد من الرجوع فيه إلى أهل الاجتهاد والاستنباط؛ ولأَنْ نترك قولنا لقولهم في مثل هذه المسائل الشائكة خير لديننا ودنيانا؛ ولأن نخطئ في العفو خير من أن نخطئ في العقوبة - لاسيما في أمر الحكام - وكم للدعوة والدعاة من سنوات - زادت عن المدة التي تاه فيها بنو إسرائيل - من الخبط، والخلط، والاضطراب، والهرج بسبب ترك نصائح كبار أهل  العلم، والخوض في مسألة من أعظم المسائل، دون هُدًى ولا كتاب منير، ولا اتعاظ بما جرى للأمة - سلفًا وخلفًا - من فتنة الأرض وفساد عريض!!

     واعلم أننا لو سلمنا بكفر الحكام لكان النظر إلى تحقُّق شرط القدرة على الخروج عليهم، والنظر في المصالح والمفاسد أمرًا متعينًا؛ فها هي ذي بلاد اليهود والنصارى، لا نُسوِّغ للمسلمين المقيمين بها أن يقوموا فيها بهذا الشغب، بل نُطالبهم بأن يكونوا دعاة إلى الله -عز  وجل- متمسكين بدينهم الحنيف - ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا -وأن يتخلقوا بالأخلاق الحسنة، التي يأمر بها هذا الدين- فإن ذلك سبيل من سُبل الدعوة إلى  الله- وألا يشوِّهوا الإسلام بهذه الأفكار الشاذة، وتلك المفاسد التي يحرمها ديننا، وتخالف نهج سلفنا، وحذَّر منها أئمتنا، فلم نُرخص بهذا الأمر في بلاد اليهود والنصارى وغيرهم لما سبق؛ ولأنه ليس كل كافر يجوز أن يحارَب في بلاده،  فكيف في بلاد الإسلام؟!

     وقد جاء في (سؤالات أبي داود لأحمد): «سمعت أحمد سئل عن الأسير إذا أمكنه في بلاد العدو أن يقتل منهم؟ قال: إذا عَلِم أنهم أمِنُوه على أنفسهم وأموالهم؛ فلا يقتل منهم، قيل: إنه مُطْلَق ؟ قال: قد يطلق لأمر ولا يأمنونه، إذا علم أنهم أمنوه؛ فلا يقتل».اهـ، ها هي ذي أخلاق المسلمين وآدابهم، فلا عبرة بمن شذَّ، ولا سَمْعَ ولا طاعة لمن يحقد على المسلمين، ويهتبل هذه الجرائم ليشوِّه بها صورة الإسلام وأهله!! 

الشباب المغرر بهم

     ولقد لقيت بعض الشباب المغَرَّر بهم في مدينة (لندن) سنة 1420هـ، بعد أن دخل المسجد أثناء محاضرة لي، وأصرّ على مناظرتي، وقد حاولت الإعراض عنه وصَرْفه عن ذلك، فأبى وشغَّب، فناقشته في بعض هذه الأفكار التي يدعو إليها، ومما ذكره لي إجابة عن سؤال مني: أنهم لا يقومون بعمليات اغتيالات أو تفجيرات في بلاد أوروبا - والواقع حتى الآن يشهد بذلك في الغالب -؛ لأن ذلك يجر عليهم المفاسد، ويجعلهم خائفين في آخر معقل لهم وجدوا فيه الأمان، هكذا قال!!

     ويُشكر ذاك الرجل على تعقله في هذا الموضع!! لكن لماذا يقومون بهذه الفتن في بلاد الإسلام، وهي تجر مفاسد لا تُحمد عقباها أيضًا؟ فهل درء المفاسد معتبر في بلاد أوربا وغيرها، وغير معتبر في المملكة العربية السعودية، واليمن، ومصر، والشام، وليبيا، وبلاد المغرب العربي، والكويت، والصومال، والباكستان، وغير ذلك من بلاد الإسلام؟!.

الأفكار المخالفة

     ثم ما الذي جعل كثيرًا من هؤلاء المخالفين يهاجرون من بلاد الإسلام، ويأمنون في بلاد اليهود والنصارى وأهل الأوثان؟ إن أفكارهم المخالفة لمنهج أهل السنة، وكانت سببًا من جملة الأسباب التي ضَيَّقت عليهم، فلما غَلَوْا في تكفير الحكام، ولم يلزموا منهج السلف وطريقة كبار أهل العلم من الخلف في ذلك، واستباحوا الدم الحرام تعرضوا لفتن عظام، بل عوملوا - في كثير من البلدان - بما يخالف عدل الشريعة الإسلامية، وهذا شأن الفتن، لا تُعَالَجُ - في كثير من الأحيان - إلا بفتن أشد منها، ونُشْهد الله على كراهية ما يخالف الدين الحنيف منهم ومن غيرهم، لكن المقام مقام تفسير للواقع، وليس إقرارًا لما هو واقع، فتأمل.

نعمة عظيمة

     ونكرر ما قلناه من قبل: إن الأمن والاستقرار نعمة عظيمة، يتمتع بها الجميع، والحفاظ عليها - مع وجود مخالفات كثيرة في المجتمعات - مع النصح بالتي هي أحسن هَدْيُ السلف، ونهج من سلك سبيلهم من أئمة الخلف، وعلماء هذا  العصر، وأن هذه النعمة لا تتحقق إلا بدولة قوية - وإن كانت ظالمة - ولا تكون الدولة قوية إلا بطاعتها ربَّها، وطاعة الأمة لها في طاعة الله -  عز وجل -، وعند اختلال هذا الميزان من جهة الدولة المسلمة، بأن تفرِّط في حق الله أو حق الرعية؛ فلابد من الصبر من الرعية مع النصح، والاستمرار في الدعوة، وإطفاء الفتن، ونُصْح الذين يُهَيِّجون الدهماء على الملوك والرؤساء، بأن يتركوا هذا المسلك الثوري الخارجي - وإن صلحت نياتهم - وأن يلزموا النهج العلمي السلفي الدعَوي الإصلاحي؛ فإن أعظم جهاد - الآن - جهاد الدعوة والبيان، وقد قال الله -تعالى- في سورة الفرقان - وهي مكية قبل فرض القتال بالسيف-: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}، أي بالقرآن والدعوة إليه، لا بالقتال، فتأمل.

أعظم الجهاد في سبيل الله

     بل الدعوة إلى الله، ورد الشبهات عن هذا الدين، ونشر العلم النافع في الناس أعظم الجهاد في سبيل الله، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وإنما جُعل طلب العلم من سبيل الله؛ لأن به قوام الإسلام، كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد؛ ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارِكُ فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادَيْن؛ لعِظمِ منفعته، وشدة مؤنته، وكثرة أعدائه، قال -تعالى- في سورة الفرقان - وهي مكية -: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا. فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}؛ فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهاديْن، وهو جهاد المنافقين أيضًا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوَّهم معهم، ومع هذا فقد قال الله -تعالى-: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن.

      والمقصود: أن سبيل الله هي الجهاد، وطلب العلم، ودعوة الخلق به إلى الله، ولهذا قال معاذ]: «عليكم بطلب العلم: فإن تعلُّمه لله خشية، ومدارستَه عبادة، ومذاكرتَه تسبيح، والبحث عنه جهاد»؛ ولهذا قرن -سبحانه- بين الكتاب المنـزل والحديد الناصر، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}؛ فذكر الكتاب والحديد؛ إذْ بهما قوام الدين، كما قيل:

فماهو إلا الوحي أو حَدُّ مُرْهَفٍ

                                   تُميل ظُِباه أَخْدَعَيْ كـل مائـلِ

فهذا شفاء الداء من كل عاقـل

                                   وهذا دواء الداء من كل جاهـل

إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: «فطلبُ العلم وتعليمه من أعظم سبيل لله - عز وجل».اهـ.

     وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: «والرادُّ على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذبُّ عن السنة أفضل من الجهاد...».اهـ، وقال أيضًا: «... وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمرٌ بالمعروف، ونهي عن المنكر».اهـ. 

الصبر عند الجور

وأيضًا: فالصبر عند الجور، وتَرْك الفتن مما أجمع عليه السلف، بعد خلاف قديم، والعبرة بما استقر عليه الأمر مؤخرًا، حتى صار شعارًا لأهل السنة في كل عصر ومصر، ولم يخالفهم فيه- بعد الإجماع- إلا أهل الأهواء.

لا نرى الحكم على حاكم معين بالكفر

     وأيضًا:  فإننا - معشر طلاب العلم - لا نرى الحكم على حاكم معين بالكفر؛ إلا إذا ظهرت الأدلة على ذلك، وسبقنا إلى هذا الحكم العلماء الراسخون، ورُوعيتْ قواعد أهل السنة في تكفير المعيَّن، ومن ذلك: استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع؛ لأن هذه مسألة خطيرة، وعواقبها - في الغالب – وخيمة، ولا يلزم كلَّ واحد منا أن يُدلي فيها بدلوه، وأن يُحدِّد موقفه منها؛ فإن تكفير فلان بعينه أو عدمه ليس من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وليس من المسائل التي لا يسع مسلمًا الجهلُ بها، وليس مما يلزم كُلَّ مكلف أن يقرر بجلاء: هل الحاكم الفلاني مسلم أو كافر - إذا ارتكب أمرًا مكفِّرًا؟ كما يلزمه الإقرار بوجوب الصلاة، وحرمة الزنا؛ فإن هذا الأمر يلزم جميع المكلفين، بخلاف الأول؛ فإنه يخص العلماء المتأهلين.


أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة