أخبار سريعة
الخميس 23 نوفمبر 2017

الملفات » القراءة الحداثية للتراث.. الخلفيات والمنزلقات

للكاتب: مركز سلف للبحوث والدراسات

نسخة للطباعة

 تُعَدُّ الإفادة من التراث أو إقصاؤه إشكالية يعانيها كل من يرتهن للواقع، فإذا لم يجد ما يسعفه في الماضي وأعوزته آلياته التراثية؛ فإنه لا محالة سيتجه رأسًا إلى تلك المنجزات التراثية الهائلة؛ ليمارس عليها نوعًا من التمويه الثقافي، بقصد إعادة الدعوى إلى القطيعة المعرفية مع التراث؛ ليدَّعيَ أن المعرفة التراثية ذات صبغة نفعية، تَشكَّلت عبر مجموعة من الأحداث المدفوعة بصراع السلطة والنفوذ.

تفسير الخطاب الديني

     ويتم تفسير أنواع الخطاب الديني كافة على أنها مجرد موازنات سياسية وحسابات خاصة، وتُتَرجم المواقف الجهادية والاستنباطات الفقهية لعلماء الأمة ورموز الإسلام على أنها مجرد سعي وراء حظوظ النفس، ويتم ضرب الثقة بالاجتهادات الفقهية، ويدفن التفسير الديني والأخلاقي لأي قيمة معرفية، وفي هذا المقال نسلط الضوء على الخلفيات المشَكِّلة لهذه الفكرة، نعقِّبها برصد المُنزَلَقَات التي تؤول إليها عبر مسارها التهويلي في قراءة الأحداث والاستنتاجات.

     ونقصد بالقراءة الحداثية للتراث: الأنماط الفكرية التي ظهرت في عالمنا العربي والإسلامي محاوِلةً خَلقَ وِئَام بين الثقافة الإسلامية الدينية وبين الطرح الغربي الحديث، لتنتج خطابا دينيا متماهيًا مع الثقافة الغربية في نظرتها للكون والحياة، ولنبدأ بتوجيه العدسة إلى الخلفيات الْمشكِّلَةِ للفكرة من أجل إبرازها للقارئ في حلتها الحقيقية.

الخلفيات المْشَكِّلَةِ للفكرة

القارئ للمنتج الثقافي الحداثي يرى الخلفية العلمانية الدافعة للطرح الحداثي من خلال تشكّلات عدة في الخطاب الحداثي، أهمها ما يأتي:

الموقف من الدين والأخلاق

     فالعلمانية في أسسها الفلسفية تستبعد اعتبار الدين والأخلاق والإيمان محرِّكًا للتاريخ، بل تعد التاريخ محكوما بدوافع غريزية محضة ذات بعد سياسي مادي، والخطاب الديني والأخلاقي مجرد غطاء فوقي لإخفاء الدوافع الحقيقية للأحداث، وتركز العلمانية في خطابها على الحاضر واستبعاد الماضي، كما تدعو للتشكيك في الكتب المقدسة وفي كل ما هو ديني، وقد اصطبغت القراءة الحداثية للنص بأغلب هذه المواصفات مُحَاوِلةً قطع الصلة بالتراث مُغَلِّبَةً للعقل على ما سواه من آليات التعامل مع النصوص، وقد صرح عبد المجيد شرفي أحد رواد المدرسة الحداثية بإخفاق المحاولات التفسيرية للقرآن جميعها في إطار القداسة، كما صرح الجابري بأن العائق الأكبر للعقل العربي أمام النهضة يكمن في السلطات الثلاث: سلطة النص، وسلطة السلف، وسلطة القياس.

السلطات الثلاث

     وهذه السلطات الثلاث هي مُحَصِّلةُ النظام المعرفي الذي يُؤَطِّرُ الثقافة الإسلامية، ويحكم انتماءها وطبقا لرؤية الجابري؛ فإنه لا يمكن تغيير بنية العقل، وتأسيس بنية أخرى إلا بممارسة العقلانية النقدية على التراث الذي يحتفظ بتلك السلطات على شكل بنية عقلية لا شعورية.

     فالفكر العربي معيب عند هؤلاء؛ لأنه لا يستطيع ممارسة نشاط فعلي؛ فهو مقيد بمعطى النص والإجماع والقياس، ومن ثم اتخذ الحداثيون من أَنْسَنَةِ التراث طريقا للإجهاز على الجهاز الدلالي، ومسوغا للقراءة المتحللة للنصوص؛ فمضامين العلمانية ظاهرة في الخطاب الحداثي وفي مسوغاته، وإن كان من فرق بين الحداثيين والعلمانيين، فهو في نوعية الهدم التي تُمَارَسُ على النصوص؛ فالعلماني يهدم الدين من الخارج، والحداثي يحاول هدمه من الداخل.

تطبيق التقنيات المعاصرة على النصوص

     فتطبيق آليات فلسفة الحداثة، كالمنهج التفكيكي، وتجاوز الأدوات العلمية التفسيرية هي إحدى الخلفيات الْمُــصَنِّعَةِ للفكرة الحداثية؛ ولذلك يفسرون المظاهر السياسية والاجتماعية والدينية جميعها سلبا أو إيجابا، بحسب مسافتها من الحداثة، وأخذها بما تمليه التقنيات المعاصرة.

     والمحصلة النهائية للنص كما تبلور في الغرب على يد مدارسه الفكرية تقوم على نزع القداسة عن جميع النصوص دينية كانت أم غير دينية، ثم إعمال التسوية بينها، وإخضاعها لبعض العمليات اللغوية الشكلية الآلية التي تلغي حتى وجود المعنى العلماني في النص، ومن ثم يمكن أن يفسر النص بالشيء ونقيضه، ولا يكون هناك أي تفسير ملزما، باعتبار أن عملية التأويل عملية بشرية يقوم بها القارئ للنص وفق آلياته ومعتقداته، فالنص عند السلفي إطار ومرجع، وعند العلماني غطاء وسند، كما يقرر نصر أبو زيد.

وتظهر سمات التقنيات الحديثة عند الحداثيين في النقاط الآتية:

- العلمية، ويقصدون بها أن يكون الواقع موضوعا للعلم، والعقل مقياسا للحقيقة.

- قانون العلية، ومعناه أن تتم أي عملية معرفية عبر التجربة والمنهج التجريبي، وكل مالم يخضع للتجربة يكون الحديث عنه خرافة، أو أسطورة.

- تأسيس المعرفة العقلية على النقد، واستبعاد كل ما هو أسطوري ديني لا يستمد صدقه من الواقع، ويكون الموقف النقدي هو جوهر العقلانية الحديثة.

القول بإلهية النصوص

     فلذلك عدوا القول بإلهية النصوص أنه يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها، ويؤكد حسن حنفي على القول ببشرية النصوص؛ فيقول: وإذا كنا نتبنى القول ببشرية النصوص الدينية، فإن هذا التبني لا يقوم على أساس نفعي إيديولوجي يواجه الفكر الديني السائد والمسيطر، بل يقوم على أساس موضوعي يستند إلى حقائق التاريخ، وإلى حقائق النصوص ذاتها.

القول بالنبوة

     ولذا فإنهم يعدون القول بالنبوة تجهيلاً للإنسان وتعبيراً عن عدم قدرته على تفسير الحوادث، وانطلاقا من هذا الطرح وافقوا سلفهم مقصدا وغاية، فتوصلوا إلى أن النبوة لم تعد الحاجة إليها ملحة في عصور التقدم، ويمكن تفسير الدين من داخله وتأسيسه على يقينه الذاتي بوصفه نظاما مستقلا، ومن ثم يصبح اللجوء إلى ما هو خارج الطبيعة لا لزوم له.

     إذًا، القراءات الحداثية للنصوص على هذا ليس إلا استمداداً للنَّظَرِيَّاتِ المعاصرة؛ كالبنيوية والتفكيكية، ويقوم هؤلاء المقلدون بتطبيق هذه النظريات دون فحص أو تنقيح أو مراعاةٍ لاختلاف البيئات ثقافة وحضارة.

الخلفية الاستشراقية

     أصحاب مشروعات إعادة التاريخ وقراءة التراث الإسلامي مجرد نسخ مُحَدَّثَةٍ للقراءة الاستشراقية للثقافة الإسلامية، وقد ظهر تأثرهم بالقراءة الاستشراقية في تشكلاتهم الفكرية جميعها، وأعمقهم طرحا وأكثرهم موافقة للرؤية الاستشراقية وسيلة وهدفا، والأدهى والأمر أنهم قلدوا القراءة الاستشراقية في أبرز سمة لها، وهي اعتبار الدين الإسلامي مستمدا من الثقافات المجاورة له، ولا يعدو كونه قراءة تفسيرية للديانات السابقة، كما يقرر المستشرق (ثيدور نولدكه) صاحب كتاب (تاريخ القرآن).

     وقد صرح الجابري بنتائج المستشرق (ثيدور) نفسها؛ فيقول: ورثت الثقافة العربية الإسلامية كل علوم المعقول واللامعقول في الثقافات الأخرى، ويتماهى الجابري مع الرؤية الاستشراقية ليبرهن على تكوينها لثقافته؛ فيقرر أن الكتاب والسنة وعلومهما أُخذا من الموروث الجاهلي، فيقول: ليس هناك موروث قديم يمكن عزله عما عبرنا عنه بالفكر الديني العربي الذي نقصد به الكتاب والسنة، كما يمكن أن يُقرأ داخل مجالهما التداولي ويتحدد أساسا بالموروث الجاهلي أي: بنوع الثقافة ومستوى الفكر السائدين في مكة والمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .

     وهذا الموقف المعتبر للكتاب والسنة وآلياتهما على أنهما تأثرا بالموروث الجاهلي لا يخص الجابري، بل هو عند جميع رواد المدرسة الحداثية، ويتم توزيعه على جميع العلوم الإسلامية بما في ذلك الأخلاق واللغة.

     فهذا أحمد أمين يرى أن القواعد النحوية كانت على غرار ما وجد في الآداب السريانية في العراق، وأنها مستمدة منها، وبالرغم من وضوح الجانب الأخلاقي في القرآن، إلا أن الجابري يصر على تجاوز الزمن ليحط رحله في مرحلة متأخرة زمنيا، ويَدَّعِي أن التأليف في الأخلاق ما هو إلا تأثر بالفكر اليوناني والفارسي، ومجاراة للأمم السابقة، وهم في ذلك تبع للمستشرقين في ادعائهم تَوْفِيدَ العلوم الإسلامية، وأنها ليست ذاتية بل منقولة من الثقافات الأخرى.

نتيجة الفكرة

وإذا اتَّضحت الخلفية المشكلة للفكرة بقي أن نعرف نتيجة الفكرة، وهل استطاعت أن تضيف تجديدا عبر آلياتها وتقنياتها الآنفة الذكر؟

     يمكن القول: إن الحداثيين بمختلف مشاريعهم الفكرية المقترحة من أجل فهم النص الديني، لم يستطيعوا وَضعَ رؤى وتصورات منهجية لفهم النصوص الدينية، ومشاريعُهم للفهم لم تساندها أمثلة تطبيقية تبْعثُ على القول بأنَّها ناجحة.

القراءة الحداثية للنص

     فالقراءة الحداثية للنص تتبنى مناهج عدة مختلفة ومتناقضة؛ فتجد الحداثي يتبنى الماركسية والبنيوية ونظرية التلقي في آن واحد، بالرغم من أن بعضها قام على أنقاض بعض؛ مما أدى بهم إلى الغموض والتضارب المنهجي؛ حيث كان التعقيد آلية تعويضية عن الارتباك الفكري والتضارب الذي يتسم به هذا الخطاب، فهم في أنسنتهم للتراث الديني والنزول به عن البعد الرباني، جعلوا من آلياتهم البديلة عن المعايير التأويلية عند الأقدمين آليات عبثية لا تفرض مَعْنًى محددا للنص، وبالرغم من فشو النَّفَسْ الاستدراكي عند هذه المدرسة؛ إلا أنه مع كل فحص موضوعي لمدى الأهلية لنقد النصوص من طرف الحداثيين يتبين عدم استيعابهم للعلوم والمصطلحات التي يحاولون نقاشها.

ما وقع لسامر إسلام بولي

     ويشهد لهذا ما وقع لسامر إسلام بولي في اعتراضه على مصطلح؛ سبب النزول عند المفسرين ليعترض عليه بما يفهمه من المصطلح عند مناطقة الأصوليين، ويغفل عن كون المصطلحات تختلف بحسب الحقول المعرفية؛ فهذا الاستدراك الذي يكشف مستوى التعالي المعرفي عند صاحبه ليس حادثة عين، بل هو سمة غالبة يعانيها رواد المدرسة جميعهم.

حجم الفوضى

     ولا جرم أن التأمل في نتيجة هذه القراءات يجعلنا ندرك حجم الفوضى التي أنتجتها في مناهج التحليل، فاستحال القرآن إلى مدونة تُمَارِسُ عليها النظرة الحداثية مُخْتَلَفَ أَشْكَالِ الاستنطاق مسترشدة بفلسفة انعدام المعرفة اليقينية أو النسبية، ليتم تجريد النص من أي معيار في التفسير، ويتم العبث به دلاليا؛ فالنص الذي يحتمل معانٍيَ لا متناهية لا يمكن أن يكون مقدسا، وكيف يكون مقدسا وهو يدل على الشيء ونقيضه في آن واحد.

المشروع الإنساني

     وينبغي التنبه إلى أن المشروع الإنساني يستند إلى اللغة بوصفها وسيلة للتواصل بين البشر؛ ليتمكنوا من الاحتفاظ بثمرة تفاعلهم مع الطبيعة، وحتى لا تبدأ كل تجربة من الصفر؛ فإنه لا بد من اعتبار المدلول اللغوي للكلمة، وإذا لم يعد المدلول اللغوي في التعامل مع النصوص لم تكن ثمة فائدة من العلوم العقلية التي عُبِّرَ عن نتائجها بلغة غير متناهية المعاني عند هؤلاء؛ فما بالك بالعلوم الشرعية! وتكون العلاقة بين الذات والموضوع، والفكر والواقع علاقة تناقض؛ فلا يفترض أن تكون التجارِب مسلمة في نتائجها مردودة حين التعبير عنها؛ لأن اللغة غير متناهية.

     ختامًا: نستطيع القول: إن العلمانية والاستشراق كان لهما الدور البارز في توجيه القراءة الحداثية، ولم تُثمر شيئًا سوى التضارب في الأفكار والتناقض في الرؤى والتعقيد في الأقوال، ولم تستطع إنتاج رؤية منهجية لفهم النصوص؛ فالحمد لله الذي أنزل الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة