أخبار سريعة
الأربعاء 19 ديسمبر 2018

الملفات » الإســراء والمعراج مـن آيـات الـله العظيمة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم

نسخة للطباعة

  لا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى عظم منزلته عند الله -عز وجل- كما أنها من الدلائل على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه -سبحانه وتعالى- على جميع خلقه، قال الله -سبحانه وتعالى-: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

     وتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عرج به إلى السماء، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة؛ فكلمه ربه -سبحانه- بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله -سبحانه- فرضها أولا خمسين صلاة؛ فلم يزل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمساً؛ فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.

الاحتفال بها ليس من الإسلام

     وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها، لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه -رضي الله عنهم- لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، إما بالقول وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة -رضي الله عنهم- إلينا؛ فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير؛ فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه.

     فلما لم يقع شيء من ذلك، علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال -سبحانه وتعالى- في كتابه المبين من سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}، وقال -عز وجل- في سورة الشورى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

التحذير من البدع

     وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة، تنبيها للأمة على عظم خطرها، وتنفيراً لهم من اقترافها، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» زاد النسائي بسند جيد: «وكل ضلالة» في النار، وفي السنن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون؛ فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا؛ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد ثبت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن السلف الصالح بعدهم، التحذير من البدع والترهيب منها؛ وما ذاك إلا لأنها زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله؛ ولأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول الله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المحذرة من البدع والمنفرة منها.

إنكار هذه البدعة

     وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة كفاية ومقنع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة: أعني بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والتحذير منها، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء، ولما أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان ما شرع الله لهم من الدين، وتحريم كتمان العلم، رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة، التي قد فشت في كثير من الأمصار، حتى ظنها بعض الناس من الدين، والله المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق والثبات عليه، وترك ما خالفه.

 

 دروس وعبر من رحلة الإسراء والمعراج

 

بعد كل محنة منحة

     تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحن عظيمة؛ فهذه قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وفي ثقيف، وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار ضد الدعوة ورجالاتها، من كل جانب، وأصبح الخطر يحدق بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب أكبر حُماته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في طريقه؛ فجاءته حادثة الإسراء والمعراج، إكرامًا على صبره وجهاده، ليكلمه ربه -تعالى- دون واسطة، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيد واحد؛ فيكون الإمام والقدوة لهم، وهو خاتمهم وآخرهم.

اختبار وتمحيص

     كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة، ويريد الله -تعالى- أن تكون اللَّبِنات الأولى في البناء سليمة قوية متراصة متماسكة؛ فجعل الله هذا الاختبار والتمحيص ليخلص الصف من الضعاف المترددين، الذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء الخلص، الذين لمسوا عياناً صدق نبيهم بعد أن لمسوه تصديقاً، وشهدوا مدى كرامته على ربه.

شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم

     إن شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم العالية تتجسد في مواجهته للمشركين، بأمر تنكره عقولهم، ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، ولم يمنعه من الجهر به الخوف من مواجهتهم، وتلقي نكيرهم واستهزائهم؛ فضرب بذلك صلى الله عليه وسلم لأمته أروع الأمثلة في الجهر بالحق، أمام أهل الباطل، وإن تحزبوا ضد الحق، وجندوا لحربه كل ما في وسعهم.

موقف الصدِّيق رضي الله عنه

     يظهر إيمان الصدِّيق رضي الله عنه القوي في هذا الحدث الجلل؛ فعندما أخبره الكفار، قال بلسان الواثق: لئن كان قال ذلك لقد صدق، ثم قال: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، وبهذا استحق لقب الصدِّيق، وهذا منتهى الفقه واليقين؛ حيث وازن بين هذا الخبر، نزول الوحي من السماء، فبين لهم أنه إذا كان غريباً على الإنسان العادي، فإنه في غاية الإمكان بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.

الإسلام دين الفطرة

     إن شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن حين خيِّر بينه وبين الخمر، وبشارة جبريل -عليه الصلاة السلام- هُديت للفطرة، تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية، التي ينسجم معها؛ فالذي خلق الفطرة البشرية، خلق لها هذا الدين، الذي يلبي نوازعها واحتياجتها، ويُحقق طموحاتها، ويكبح جماحها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30).

الإسلام نسخ ما قبله

     إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء دليل على أنهم سلموا له بالقيادة، والريادة، وأن شريعة الإسلام نسخت الشرائع السابقة، وأنه وَسعَ أتباعَ هؤلاء الأنبياء ما وسع أنبياءهم؛ أن يسلموا بالقيادة لهذا الرسول ولرسالته، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

أهمية المسجد الأقصى

      إن الربط بين المسجد الأقصى، والمسجد الحرام وراءه حكم ودلالات وفوائد، من أهمها: مكانة المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين؛ حيث كان ولا يزال قبلتهم الأولى طيلة الفترة المكية، وهذا توجيه وإرشاد للمسلين، بالارتباط بفلسطين؛ لأنها أرض مباركة ومقدسة، ومسؤوليتهم نحو المسجد الأقصى والسعي لتحريره .

أهمية الصلاة

     أهمية الصلاة وعظيم منزلتها؛ فقد ثبت في السنة النبوية أن الصلاة فرضت على الأمة الإسلامية في ليلة عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفي هذا كما قال ابن كثير: اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها؛ فعلى الدعاة أن يؤكدوا أهمية الصلاة، والمحافظة عليها، وأن يذكروا فيما يذكرون، من أهميتها، ومنزلتها، كونها فرضت في ليلة المعراج، وأنها من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلمقبل موت.

لا حجة لمن يحتفل بهذه الليلة

     لا حجة لمن يحتفل بليلة الإسراء والمعراج؛ لأن هذه الليلة مختلف في تحديد زمانها، ولم يحتفل بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر بها، ولا فعل هذا الاحتفال الصحابة ولا سلف الأمة الصالحون؛ فالاحتفال بهذه الليلة من البدع المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة