أخبار سريعة
الإثنين 16 يوليو 2018

الملفات » مسلسل أرطغرل وتزييف حقيقة ابن عربي! تزييف التاريخ تدليس على الأمة وطمس لهويتها (2)

للكاتب: د. مصطفى إبراهيم

نسخة للطباعة

 

مسلسل أرطغرل وتزييف حقيقة ابن عربي! تزييف التاريخ تدليس على الأمة وطمس لهويتها (2)

الحياديَّة في كتابة التاريخ أصبحت في العصر الحديث من نصيب فئة قليلة من الكُتَّاب والمؤرخين، ممَّن اتقوا الله في كتاباتهم، وراعوا ضميرهم، وعلموا أن الله سيُحاسبُهم عمَّا كتبت أيديهم؛ فعملوا لذلك اليوم؛ فلم يظهرْ في كتبهم إلا الصدق والنقل الصحيح للأحداث، ولكن نرى في الوجه الآخر من الكتابات التاريخيَّة ما سَادَه التزويرُ وطمسُ الحقائقِ؛ بل تزويرها، قال -تعالى-: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(يونس: 61).

 

      تكلمنا في الحلقة الماضية أن الأمة عانت من المغالطات التاريخية والأدبية -والعلمية أحياناً- من المسلسلات التي تعرض حقباً تاريخية مرت بها أمتنا الإسلامية, عرضاً مغلوطاً لا يعبر عن الحقيقة، وذكرنا أحد تلك النماذج وهو المسلسل التركي المشهور (قيامة أرطغرل)؛ حيث عرض لشخصية (ابن عربي), تلك الشخصية الصوفية الفلسفية الغالية, التي صورها المسلسل بصورة مخالفة لحقيقة الحال، وذكرنا جزءًا من فكر ابن عربي ومصادر التلقي عنده، واليوم نكمل الحديث عن تلك المصادر.

     وذكرنا أن ابن عربي ادعى أنه يتلقى أوامره من الله مباشرة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا! أما المصدر الثاني من مصادر التلقي عند ابن عربي فهو ادعاؤه أنه كان ينزل عليه الوحي كما كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فيقول في كتابه: (الفتوحات المكية): فوالله ما كتبت منه -يعني: كتابه الفتوحات المكية- حرفاً إلّا عن إملاء رحماني, وإلقاء ربّاني, أو نفث في روع كياني, هذا جملة الأمر, مع كوننا لسنا برسل مشرعين, ولا أنبياء مكلفين». (الفتوحات المكية, ابن عربي 1/136), ثم أنشد قائلاً:

الله أنشـأ من طيّ وخـولان

جسمـي فعدّلني خلقاً وسـوّانـي

وأنشأ الحق لي روحاً مطـهرة

فليـس بنيـان غيري مثل بنيـاني

إني لأعرف روحاً كان ينزل بي

من فـوق سبع سماوات بفـرقان.

جرأة وادعاء باطل

     فانظر -أيها القاريء الكريم- إلى هذه الجرأة وهذا الادعاء الباطل, الذي -مع الأسف- يصادم عقيدة الإسلام؛ حيث ذكر أن الروح الأمين وهو جبريل -عليه السلام- ينزل عليه بوحي السماء. بل هذا مصادم لقول الله -تعالى-: {الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس}, قال ابن كثير في تفسيره: يخبر -تعالى- أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لإبلاغ رسالاته، كما قال -تعالى-: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}. (انظر: تفسير ابن كثير 5/454).

خطورة قول ابن عربي

     ما مدى خطورة قول ابن عربي في مسألة التلقي عن الله -تعالى- مباشرة؟ هذا القول الباطل الخطير، يفتح الباب على مصراعيه للإلحاد، والانسلاخ من الدين؛ وذلك من خلال الزعم أن هناك مصادر أخرى لتلقي الدين غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم , وقد اتفقت كلمة الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، على أن هذه الدعوى تقود الإنسان إلى الكفر، والإلحاد، والاستغناء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والشرع المنزل, ولو كان الأمر كذلك؛ فما الفائدة إذاً من قولنا: أشهد أن محمداً رسول الله؟!؛ فإنه مما لا شك فيه أن الوحي قد انقطع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

الزيادة في الدين

     ومن خطورة أقوال ابن عربي في هذه المسألة أن هذا أيضاً يفتح الباب للزيادة في الدين؛ فإن من يدعي نزول الوحي عليه سيأمر الناس بلاشك بطاعة أوامره بغير نقاش ولا جدال, وهذا باطل بلاشك؛ فالأنبياء فقط هم من تجب طاعتهم، أما من سوى الأنبياء؛ فيجب عرض أقوالهم أولاً على الكتاب والسنة؛ فإن كانت موافقة لشرع الله قبلت, وإن كانت مخالفة لشرع الله لا تقبل.

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة

- المصدر الثالث: ادعاء ابن عربي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة, وتلقي الأحاديث عنه!!

     من المزاعم الغريبة العجيبة التي يزعمها ابن عربي أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتكلم معه حال اليقظة، وليس في المنام! بل يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّمه بعض الصحائف المكتوبة! ثم قام بنشرها للناس بعد ذلك على أنها مما تلقاه عن الرسول صلى الله عليه وسلم !! وهذا من أعجب العجب، وأبطل الباطل، وأمحل المحال، ويخالف عقلاء العالم.

     فيقول مثلاً: «فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبشرة، أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتاب؛ فقال لي: «هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به»؛ فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أُمرنا؛ فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب، كما حده لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان»! (فصوص الحكم, ابن عربي ص47).

ما مدى خطورة هذا المصدر عند ابن عربي؟

إن زعم ابن عربي أنه يتلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى إلغاء الفائدة من علم رواية الأحاديث؛ فما الفائدة إذاً من علم مصطلح الحديث, ومعرفة أحوال الرواة من حيث التوثيق والتضعيف؟!

     هذا العلم الشريف الذي يتعرف به العلماء الصحيح والضعيف من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم, هذا العلم الشريف الذي تميزت به الأمة الإسلامية عن سائر الأمم, هذا العلم الذي لم تعرف البشرية مثله في نسبة قول إلى قائله وتوثيقه, هذا العلم -أيها القاريء الكريم- لا يعد شيئاً عند ابن عربي؛ فهو لا يعتمد عليه أبداً، ولا على قواعده التي تعب علماء المسلمين في وضعها وصياغتها للتمييز بين الصحيح والضعيف؛ والسبب في ذلك أنه يصرّح بأنه يأخذ الأحاديث مشافهة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما فائدة الأسانيد عنده إذاً؟! وما الداعي عنده لأحاديثنا ورواياتنا وحدثنا وأخبرنا؟! وما الطائل من رواه فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فانظر -أيها القاريء الكريم- إلى قوله أيضاً: «ومن كان من الصالحين ممن كان له حديث مع النبي صلى الله عليه وسلم في كشفه, وصحبه في عالم الكشف والشهود, وأخذ عنه: حُشر معه يوم القيامة, وكان من الصحابة الذين صحبوه في أشرف المواطن, ولا يلحق بهذه الدرجة صاحب النوم ولا يسمى صاحباً حتى يراه وهو مستيقظ, ويصحح له من الأحاديث ما وقع فيه الطعن من جهة طريقها»!.(الفتوحات المكية, ابن عربي 3 /50).

أثبت أموراً عجيبةً

فيظهر من هذا النقل أن ابن عربي أثبت أموراً عجيبةً, ليس عليها دليل من كتاب الله, ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي:

- أولاً: إثبات أن من أولياء الله الصالحين من يكون له شهود ومكاشفة للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة.

- ثانياً: جعل مقابلته للنبي صلى الله عليه وسلم باباً من أبواب العلم بالصحيح والضعيف من أحاديثه صلى الله عليه وسلم.

ثالثاً: أنه أثبت أعلى درجات الصحبة لنفسه ولمن لحق بهذه الدرجة من المكاشفة والرؤية له صلى الله عليه وسلم في اليقظة؛ حيث قال: «وكان من الصحابة الذين صحبوه في أشرف المواطن».

رابعاً: أن قوله: «يصحح له من الأحاديث ما وقع فيه الطعن من جهة طريقها», يعني يصحح له الأحاديث الضعيفة التي لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حقيقة ما يسمعه ويراه ابن عربي

     وقد يتساءل سائل: ما حقيقة ما يسمعه ويراه ابن عربي مما يدعي أنه خطاب من الله -تعالى- أو خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم, أو خطاب من جبريل -عليه السلام؟ والجواب: أن هذا لاشك من خطاب الشيطان له؛ فإن الله -تعالى- يقول: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}, ومعنى هذه الآية: أن الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم من أهل البدع والمعاصي، لكي يشرعوا لكم التشريعات التي تضاهي شريعة الله -تعالى- وإن أطعتموهم في هذه التشريعات فإنكم ستقعون في الشرك بالله؛ لأن طاعتهم مع طاعة الله تعد شركا لله -تعالى- في طاعته وتشريعه {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}.

أحوال شيطانية

     وهذه ليست إلّا أحوالاً شيطانية يزعمها غلاة الصوفية؛ حيث يزعمون أنهم يقابلون النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته؛ فيصبحون من الصحابة! والحقيقة أنهم يرون الشياطين ليس إلا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يُرى بعد وفاته في اليقظة, لا هو ولا أحد غيره من الموتى.  وهذا التمثيل الشيطاني قد حصل للأمم قبلنا, كما هو مشهور من قصة بني إسرائيل عند عبادتهم للعجل, قال -تعالى-: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار}, يعني: عجلاً من الحلي والمجوهرات، صار له صوت عندما عبدوه, وهذا الصوت من تخييل الشيطان لهم, وهذا نظير ما حصل لابن عربي من تخييل الشياطين.

لقد تناولنا في هذا المقال ثلاثة مصادر للتلقي عند ابن عربي, وهي:

1- التلقي عن الله -تعالى- مباشرة ومشافهة.

2- الأخذ عن جبريل -عليه السلام- مباشرة.

3- الأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.

وثمة مصادر أخرى للتلقي عند ابن عربي: كالرؤى المنامية والإلهامات, وهذه سوف نتحدث عنها في المقالة القادمة -بإذن الله- كما سنوضح منزلة العقل عند ابن عربي, وكيف أنه يلغي إعمال العقل تماماً.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة