أخبار سريعة
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

الملفات » واقع التعليم الإسلامي في شرق أفريقيا كينيا نموذجًا

للكاتب: د. عبد المنعم حسن الملك عثمان

نسخة للطباعة

 

واقع التعليم الإسلامي في شرق أفريقيا كينيا نموذجًا

كان للتجارة البحرية العربية الدور الأكبر في نشر الثقافة العربية والإسلامية التي امتدت لأكثر من ألف سنةٍ، وعندما جاء المستعمرون إلى كينيا، وجدوا التعليم الإسلامي منتشراً في كل مكان، ووجدوا أنّ المسلمين وحدهم يتمتعون بقدرات على القراءة والتدوين والإدارة؛ فقاموا باستخدامهم في الوظائف العامة، وهو ما أدى إلى انتشار الإسلام، وهو ما اضطرهم إلى اتباع سياسة جديدة تحدّ من هذا الأمر، ومن ذلك جعل اللغتين الإنجليزية، والفرنسية، لغتي الإدارة ومسك الدفاتر، حتى أصبحتا لغتي التعليم والاتصال، ولقد هزمت المواجهة التي اعتمدتها المدارس الإسلامية تجاه هذه الهجمة الغربية لعدم ارتباط التعلّم فيه بالمعاش، فضلا عن إسناد أمر التربية والتعليم للكنائس، وتحريم استخدام اللغتين العربية والسواحلية في دواوين الحكومة.           

 

واقع الإسلام في كينيا

الدين الإسلامي يعد أقدم دين وافدٍ إلى إفريقيا، وأنّ دخوله إلى كينيا كان في القرن الثامن الميلادي، ومن سماته أنه:

1 - بقي محصوراً في المراكز التجارية لكونه مرتبطاً بالتجار، وأصبح ظاهرة حضرية، لها كلّ خصائص ومميزات المظاهر الحضرية، وقد ساهمت هذه السمة في حصره داخل المراكز والمناطق الحضرية، وكان تسربه إلى الداخل بطيئاً ومرتبطاً بحركة التجارة.

2 - كان إسلاماً بسيطاً في مبدئه، لم يتعدّ أسس العقيدة وأركان الإسلام الخمسة، وهو ما جعله خالياً من التعقيدات والتفاصيل والخلافات المذهبية، مع هيمنة المذهب الشافعي الذي كان مذهب العرب الوافدين من الساحل.

3 - كان دخوله سلمياً، وهو ما أدى إلى انصهاره في بوتقة واحدة مع الحضارة المحلية؛ ليتولد عن ذلك ظهور الحضارة واللغة السواحلية، اللتين هما مزيج الحضارة العربية الإسلامية الوافدة وحضارة سكان البلاد البانتويين.

ولتأثير الإسلام في الثقافة واللغة المحليتين مظاهر عديدة، منها كتابة اللغة السواحلية بالحرف العربي، واقتراضها نسبة كبيرة من الألفاظ العربية، ونظام العروض والقوافي في الشعر، وتأثر الأدب السواحلي بالقصص القرآني.

التركيبة الدينية والثقافية

أثر التركيبة الدينية والثقافية والاجتماعية في قيام عمل تربوي إسلامي في كينيا:

لقيام عمل إسلامي تربوي جاد في كينيا، لابد من معرفة العوامل الإيجابية المساعدة والعوامل الأخرى المثبطة لهذا العمل، ولابد من النظر إلى التراث والتاريخ الإسلامي في هذا المجال، وذلك على النحو الآتي:

العلم الديني والدنيوي

1 - عدم التفريق بين العلم الديني والدنيوي، يرى (حران) أن الإسلام لم يعرف التفريق بين العلمين الديني والدنيوي، بين العلم الشرعي والعلم المدني الدنيوي، وأنهم فرّقوا بينها فيما بعد كما حدث في كينيا، وكانت نتيجة ذلك التخلف الذي ألمّ بهم، وقعد بهم عن كلّ مجالات الحياة، ومنهم المسلمون في كينيا.

التعليم الغربي

2 - النظرة المتوجسة من التعليم الغربي للإرساليات التنصيرية والشروط القاسية لتعلّم أبناء المسلمين فيها، وعدم مواكبة المدارس الإسلامية لمتطلبات الحياة، قد أقعد أبناء المسلمين عن التطور المعرفي والمهني، وهو ما أوجد واقعاً جديداً ومغايراً للواقع التاريخي الذي استأثرت به الجماعة المسلمة على عهد الإمارات، وإلى قبيل دخول الاستعمار الغربي، ولاسيما أن أهداف العملية التربوية لهذه المدارس التصيرية ارتبطت بأهداف استعمارية، عملت بقصدٍ على إضعاف دور اللغة العربية في المجالات السياسية والإدارية.

اللغة العربية

3 - اللغة العربية التي كانت لغة الكتابة حتى منتصف القرن التاسع عشر، هي لغة مقدسةٌ لدى أبناء المسلمين، حتى إنّ الواحد منهم إذا وجد ورقةً مكتوبة بالعربية ملقاة على الأرض؛ فإنه يرفعها ويحفظها في مكان آمن، وأنّ دافعية تعلّمها ترتبط بمعرفة الإسلام وعلومه، وأنّ هناك ميولاً إيجابية عالية تجاه تعلّم اللغة العربية، ومن ثم تعرّف الإسلام وعلومه، وأنّ الخطب في المساجد ما تزال تُلقى بالعربية، وأنها تنتشر في مناطق واسعة من كينيا ولاسيما المناطق الساحلية.

الصلات العرقية

4 - هناك صلات عرقية، وتزاوج وتوالد بين المسلمين العرب والمسلمين من القبائل الكينية، وهناك ارتباط وجداني عميق ما بين أبناء الثقافة الأفروعربية، والثقافة العربية، والإسلامية، وقضاياها.

اللغة السواحلية

5- اللغة السواحلية كانت تُكتب بالعربية، وأنها ما تزال تحمل الكثير من مفرداتها، نحو 20% من لغة التخاطب، و30% من لغة الكتابة، و50% من لغة الشعر السواحلي القديم الذي يعدّ أجنبياً.

العملة المحلية

6 - العملة المحلية كانت تُسك بالعربية حتى عام 1971م، وأنها (اللغة العربية) كانت ذات تأثيرٍ واضح في الحياة الاجتماعية إلى عهد قريب، وأنّ غيابها عن الدور الاجتماعي، ارتبط بالسياسات الغربية في المنطقة.

سوق العمل في الخليج

7 - هناك شركات تقوم بإرسال العمالة بنظام مقنن إلى بلاد الخليج، منها: مؤسسة الخليج، ومؤسسة الفرسان، ومؤسسة الجواهر.

اهتمام الدولة باللغة العربية

8 - تعلم اللغة العربية قد لقي اهتماماً من الدولة؛ إذ أصبح مسموحاً به ضمناً في تعلم القرآن والعلوم الإسلامية بالمدارس الابتدائية، وهو متاحٌ بالثانوية وبالجامعة على أساس الاختيار، كما أن الدولة تكفلت برواتب المعلمين بدلاً عن مسلميها الذين كانوا يصرفون من مالهم الخاص على هذا الأمر.

مشروعات إسلامية

9 - قدمت الدولة تسهيلات وأراضي لإقامة مشروعات إسلامية، ولكن جملة من التحديات قلّصت من حجم النتائج الإيجابية».

السياسات التربوية

     السياسات التربوية الكينية وأثرها في العمل التربوي الإسلامي: يبدو أنه لا يوجد بكينيا قوانين أو لوائح تمنع قيام برامج تعليمية قائمة على الدعوة الإسلامية، ولكن المسألة يمكن إدراجها في إطار الصراع والمنافسة بين الثقافة الغربية الغالبة والمنهج الإسلامي المتطلع، ولكي تتبين محاور هذا الصراع علينا أن نستعرض بعض ملامحه.

      تشير دراسة (برالة) إلى أنّ السياسات الغربية، قد عملت على تنشئة المواطن الكيني بعيداً عن الثقافة الإسلامية، وعملت على إشاعة ثقافة العلمانية؛ فأصبح أبناء المسلمين الذين يتلقون تعليماً عالياً بعيدين عن المعرفة بالدين، إلا مَنْ تيّسر له ذلك من منابع أخرى، كما أنّ المستفيدين من المنح الحكومية هم من أبناء المسيحيين والوثنيين.

     وتُدرّس مادتا التربية الإسلامية والمسيحية إجبارياً في المرحلة الثانوية، ولكن بعض أبناء المسلمين يفضّلون امتحان مادة التربية المسيحية للحصول على الشهادات؛ لكونها مكتوبة باللغة الإنجليزية التي يفهمونها، ولصعوبة مناهج تعليم التربية الإسلامية، ولكونها مكتوبة باللغة العربية التي يعانون أمر تعلّمها، ولضعف القائمين على تدريس العربية وتدريس العلوم الإسلامية، ولضعف خريجي المدارس العربية والمتخصصين في تدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية بالإنجليزية لغة التواصل ولغة التدريس، علماً بأنّ الحكومة الكينية قد أدخلت مادة اللغة العربية في التعليم الثانوي والجامعي رسمياً، ولكنّ الأمر يحتاج إلى دعم عربي وإسلامي.

التجارب التربوية الإسلامية

     التعليم في كينيا حتى مجيء المستعمر البريطاني كان تعليماً إسلامياً، والمراحل العليا منه كانت في المساجد، وكانت تقوم على تدريس القرآن وعلومه، والحديث، والفقه، بجانب اللغة العربية، أما المرحلة الدنيا؛ فكانت تقوم على الكتاتيب التي تعلّم مبادئ الكتابة، والقراءة، وتلاوة القرآن وحفظه، والعبادات، إلا أن هذا النوع من التعليم لم يكن يؤهّل الدارسين إلى الوظائف الحكومية.

     وبمجيء الاستعمار البريطاني أصبح التعليم المدني محصوراً في مدارس البعثات التنصيرية، حين انغلق التعليم الإسلامي على تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية، وأهمل العلوم العصرية، وتُعد تجربة الشيخ الأمين المزروعي (1307هـ - 1369هـ / 1899م - 1949م) أول تجربة زاوجت بين العلمين وبين المعرفتين.

أنواع  المدارس الإسلامية

هناك ثلاثة أنواع من المدارس الإسلامية، وهي:

1 - المدارس العربية الإسلامية: هذه المدارس تُعنىَ بتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية, وقد تضيف بعض المقررات اليسيرة مثل اللغة الإنجليزية, ولا تدرّس العلوم العصرية، ومثال ذلك (مركز التوحيد).

 2 - المدارس المسائية: هذه المدارس تقوم بتدريس العلوم العربية، والشرعية في الفترة المسائية لطلابها الذين يلتحقون في الفترة الصباحية بالمدارس العامة، وذلك مثل: (المدرسة المنوَّرة الإسلامية), و(مدرسة الإنابة للبنات), و(مدرسة الصالحين), و(مدرسة معاذ).

     وهذان النوعان هما أكثر مؤسسات التعليم انتشاراً وأوسعها تأثيراً في نشر اللغة العربية والعلوم الشرعية؛  لتركيزِهما في هذا الجانب واعتنائهما به، ولكنْ لهما سلبياتٌ أيضاً؛ فالتلاميذ في المدارس العربية الإسلامية يعانون صعوبة مواصلة الدراسة في الجامعات؛ لعدم اعتراف كثير من مؤسسات التعليم الجامعي والقطاع العام والخاص بشهاداتهما.

     أما التلاميذ في المدارس المسائية؛ فيدرسون في المدارس المدنية حتى الخامسة مساءً، ثم يبدؤون الدراسة الدينية بعد ذلك، وبما كان الطلاب مرهقين جسمياً وعقلياً؛ فيَصْعُبُ عليهم استيعاب هذه الدروس، وهذا أمر يحتاج لمجهود كبير، وقد لا يتيسر لطلاب المرحلة الثانوية؛ فيتركون الدراسةَ، أو يرسبُون في امتحان الشهادة الوطنية.

ولأجل حلّ هذه المشكلات ظهر نوعٌ ثالثٌ من المدارس، وهي:

3 - المدارس المدمجة: هذه المدارس تقوم بتدريس المتعلمين المنهجين في آنٍ واحد؛ فيطبق فيها منهج وزارة التعليم الكيني للمرحلة الابتدائية، وتضيف إلى ذلك تدريس اللغة العربية والعلوم الشرعية.

وأول مدرسة طبقت هذا النظام في ممباسا (مدرسة أبي هريرة الإسلامية)، التي أُنشئت عام 1995م, ثم سارت على منوالها مدارس أخرى، مثل (مركز الشيخ زايد الخيري لرعاية الأطفال) وغيره, ويبلغ عددها حالياً 17 مدرسة(16).

     ولهذا النظام مزاياه بالرغم مما يواجهه من صعوبات، من أهمها التمويل؛ فتكاليفه تبلغ أضعاف تكلفة المدارس الإسلامية, كما أن الجمع فيها بين نظامي التعليم يضيف عبئاً زائداً على المتعلمين, وكثيراً ما يؤثر في تحصيلهم في التعليم النظامي، أو في التعليم الشرعي.

أما أهم مزاياه: فهي أن الخريجين في هذه المدارس يتمكنون من الالتحاق بالجامعات الكينية، أو الجامعات في العالم الإسلامي، ويسهل عليهم أن يلتحقوا بالدراسات الإسلامية أو المدنية.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة