أخبار سريعة
الخميس 13 ديسمبر 2018

الملفات » أيتها الفتاة.. احذري الإعجاب بالنفس

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

 

أيتها الفتاة.. احذري الإعجاب بالنفس

في مرحلة الصبا لا نخشى على أبنائنا وبناتنا من المؤثرات الخارجية الضارة فقط، وإنما ثمة آفاتٍ مهلكة قد تتولد داخل نفوسهم ولا ينتبه لها الوالدان، بينما تتفاقم وتلازم شخصية الأبناء فتفسدها، ومن هذه الآفات ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» - رواه البزار والطبراني - ..إنها آفة العجب المهلكة..!

 

     ففي هذا العمر يكون كل شيء في الفتاة جميلاً، فصورتها قد استدارت وبدت عليها علامات الأنوثة والجمال، ومع استمرارها في الدراسة وتزودها من الثقافة؛ تشعر الفتاة بتفتح عقلها أكثر وأكثر، وقد يتضخم إحساسها بما لديها من مميزات ومواهب، فتصاب بآفة العجب، وقد يشمل ذلك عبادتها أيضاً وتفوقها الدراسي، فالعُجْب مرض لا يصيب غالباً إلا أصحاب الإنجازات والمواهب..!

معنى العُجب

العُجب هو: الإحساس بالتمـيّز، والافتخار بالنفس، مع عدم ربط هذه المميزات بالمنعم -سبحانه وتعالى-، وعرفه ابن المبارك بعبارة موجزة فقال: «أنْ ترى أنّ عندك شيئاً ليس عند غيرك».

وقد يعتري الفتاة الشعور بالعجب عقب موسم من مواسم العبادة أبلت فيه بلاء حسناً – رمضان مثلاً-، أو إذا حازت التفوق العلمي، أو إذا كانت تفوق قريناتها جمالاً وثراء، كل ذلك مع افتقاد القدوة والتوجيه الديني داخل الأسرة.

مخاطر العجب وآثاره

للعجب مخاطر وآثار سيئة على الإنسان عموما وعلى الفتاة خصوصا من أهمها:

التعرض لسخط الله -تعالى.

     قال ابن المبارك: «لا أعلم في المصلين شيئاً شرٌ من العجب»؛ لأنه الخطوة الأولى على طريق الكبر والاستعلاء على الخلق، ونسيان الذنوب واستصغارها، والعمى عن التقصير في الطاعات، وإذا استولى داء العجب على النفس تعرضت لسخط الله -تعالى- وعقابه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعظّم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان».

الرضا عن الحال والقعود عن التقدم

     إذا كان المرء راضيًا عن نفسه، قعد عن التقدم إلى الأمام، والارتقاء بها نحو المعالي، وانقاد لما تحب وتهوى، فهو يراها مزكّاة عن النقائص، قد بلغت القمة وتربعت عليها! وهذا نقيض ما أمر الله -تعالى- به {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} - النجم: 32-، ويعلمنا الله -تعالى- أنّ الأصل في المسألة قوله -تعالى-: {ألم تَرَ إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا تظلمون فتيلا} – النساء:49-، والاستفهام في الآية استنكاري، بمعنى ألا ترى يا محمد إلى قبح شأنهم؛ إذ يمدحون أنفسهم، ويعبرون عن إعجابهم بها ورضاهم عنها؟!

دور الوالدين في وقاية الفتاة من داء (العُجْب)

     لا شك أن للوالدين -والأم خاصةً - دور كبير في نفي خلق العجب، وما قد يتبعه من كبر وغرورعن الفتاة؛ إذ تستطيع الأم الحاذقة من خلال الملاحظة الدقيقة أن تلتقط الداء في أول مراحله، فتحذّر ابنتها من هذا الخلق الذميم وتردها إلى التواضع، على طريقة أم طلق بن حبيب التابعي الجليل رحمهما الله -تعالى-، فعن سفيان بن عيينة قال: قالت أم طلق لطلقٍ: «ما أحسن صوتك بالقرآن! فليته لا يكون عليك وبالاً يوم القيامة! فبكى حتى غُشِي عليه».  

العلم الشرعي

- الحرص على أن تنال الفتاة قسطاً من العلم الشرعي إلى جانب فروع العلم الأخرى التي تتضمنها المناهج الدراسية، لأنه يهذب النفوس، ويصلح القلوب، ويزيد الإيمان؛ ومن العلم النافع في هذا المقام، تعلم معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه في التعظيم الـمورِث للخوف والتواضع، والذي يطرد العجب وما شابهه من الآفات.

ربط النعم بالمنعم

- توجيه الفتاة إلى ربط النعم بالمنعم -جلّ وعلا-: فالنعم التي ترفل فيها من ثراء، وجمال صورة، ونباهة وذكاء، وتناسق الأعضاء، وتمام الصحة، واكتمال الهيئة، تستوجب منها شكر المنعم -عز وجل-ّ، وأنها محض فضل من الله -تعالى-، قال -عز وجل-ّ: {وما بكم من نعمة فمن الله} (النحل:53).

مفسد ومضيّع للأجر

- تعليم الفتاة أن العجب والخيلاء والاستعلاء على الآخرين مفسد لها ومضيّع لأجرها، وإنما يدل انفعال المرء بالعجب على اضطراب الشخصية، ولا يدل أبداً على التميز الحقيقي عن باقي الأقران، وقد تلحقه العقوبة لقاء إعجابه بنفسه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بـيـنـمـا رجل يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».

الجوانب المادية

- تنبيه الفتاة إلى أنّ شخصيتها لن تستقيم وتتكامل بالجوانب المادية فقط، مثل جمال الصورة أو المال أو التفوق العلمي وحده، فلن تصل إلى التميز الحقيقي إلا عندما تكمل في نفسها جوانب أخرى نفسية واجتماعية ودينية، أما الاستغراق في الجانب المادي المحسوس وحده فيؤدي بها إلى شخصية ضعيفة هشة البنيان.

حقيقة الدنيا والآخـرة

- إبراز حقيقة الدنيا والآخـرة في ذهن الفتاة، وأن الدنيا دار للعمل ومزرعـة للبذر، والآخرة موسم الحصاد وتحصيل الجزاء من الله -تعالى-، وكذا تذكّر الموت وما يكون بعده من الأهوال التي لا ينفع فيها إلا صالح العمل، والعجب يجعله هباء منثوراً.

التدريب على التواضع

- تدريب الفتاة على الأعمال التي تغرس في نفسها التواضع، وتكبح جماح كبريائها، وإن نشأت في أسرة غنية مادياً، مثل القيام بخدمة نفسها، ومعاونة الأم في أعمال المنزل، وكذلك تقديم المعونة للفقراء والمساكين، والتعامل معهم عن قرب.

سير الناجحين

- مطالعة سير الناجحين والمجتهدين في كل زمان، والاطلاع على ما حققوه من نجاح مع تواضعهم وإزرائهم على أنفسهم.

استشارة: أثناء توجيهي لأبنائي يختلط عليّ الفرق بين (العُجْب) وفرح الأبناء بالطاعة والإنجاز، فكيف أفرّق بينهما؟

الإجابة: هناك فوارق دقيقة بين ذميمة (العُجْب) وفضيلة (الفرح بالطاعة)، مثل:

1- أما الفرح بالطاعة والاستياء من المعصية فهو من علامات الإيمان، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:«من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن» - رواه أحمد-، والسبب أن المؤمن يربط الطاعة التي صدرت منه بتوفيق الله -تعالى- له أن يفعلها، قال -تعالى-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل:53)، أما المعجب بعمله فيرد الفضل في تحقيق الإنجاز لنفسه ومهارته، قال -تعالى- عن قارون: {قالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} (القصص:78 ).

2- (الفرح بالطاعة) لابد أن يقترن به دائماً الاستياء من فعل السيئة والندم على فعلها، فالمؤمن يندم على خطيئته ويأخذه القلق كاللديغ؛ ليقينه بخبر الآخرة وأنه محاسَبٌ عليها، بخلاف الغافل، فإنه لا ينزعج إذا فعل المعصية،عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «المؤمن إذا أذنب فكأنه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه فتقتله والمنافق ذنبه كذباب مر على أنفه».

3 – العجب يأتي غالباً مقترناً بآفات أخرى، كالخيلاء والكبر، ويأتي عارياٍ من الحمد، أما الفرح بالطاعة وتحقيق الإنجاز فيأتي غالباً مقترناً بالتواضع والإخبات، ملازماً للحمد والامتنان لله -تعالى.

4- ثمة فارق هام أيضاً بين (العُجْب) والثقة بالنفس، فالثقة بالنفس هي معرفة ما حبانا الله -تعالى- به من الإمكانات والأسباب التي تؤهلنا لأداء رسالتنا في الحياة بنجاح، فهذه هي الثقة المحمودة، أما المعجب فلا يربط إمكاناته بالله -تعالى- ولكنه يراها ذاتية من تحصيله واجتهاده.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة