أخبار سريعة
الأحد 21 اكتوبر 2018

الملفات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب: ما يقال عند المصيبة

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 عن أُمِّ سَلَمَة -رضي الله عنها- قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ؛ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ؛ وأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ؛ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ: رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.

     الحديث أخرجه مسلم في الجنائز (2/633) وبوّب عليه النووي بمثل تبويب المنذري، وفد انفرد به مسلم عن أصْحاب الستة، وأم سلمة هي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها معروفة باسمها، وكان أبوها يلقب: زاد الركب؛ لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لم يحمل أحدٌ معه من رفقته زادًا؛ بل هو كان يكفيهم.

     وكانت تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو ابن عمها، وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة، فيقال: إنها أول ظعينة دخلت إلى المدينة مهاجرة، ولما مات زوجها خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل بها سنة أربع من الهجرة، وكانت من أجمل النساء وأشرفهن نسبًا، وكانت وفاتها -رضي الله عنها- سنة إحدى وستين للهجرة؛ قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من -مزيدة للتأكيد- عبدٍ تصيبه مصيبة» متناولة لقليل المصيبة وكثيرها، وعظيمها وحقيرها، لكونها نكرة في عموم النفي.

     قوله: «فيقول» زاد في رواية له «ما أمَره اللهُ: إنا لله...» أي: قال ما أثنى الله -تعالى- به على المؤمنين، وذلك في قوله -تعالى- (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة: 155-157.

بشر الصابرين

     يعني -تعالى- ذكره في هذه الآيات: وبشّر- يا محمد - الصابرين، الذين يعلمون أنَّ جميع ما بهم من نعمةٍ فمنّي, فيُقرون بعبوديتي, ويوحِّدونني بالربوبية, ويصدّقون بالمعاد والرجوع إليّ؛ فيستسلمون لقضائي, ويرجون ثَوابي، ويخافون عقابي , ويقولون عند امتحاني إياهم ببعض مِحَني, وابتلائي إياهم بما وعدتهم أنْ أبتليهم به؛ من الخوف والجوع؛ ونَقص الأموال والأنفس والثمرات، وغير ذلك من المصائب التي أنا مُمتحنهم بها: إنا لله، أي: نحن مماليك لربنا ومعبودنا أحياءً، ونحن عبيده؛ وإنا إليه بعد مَماتنا صائرون؛ تسليمًا لقضائه؛ ورضًا بأحكامه. (انظر الطبري).

وقوله: «فيقول: ما أمَره اللهُ» فيه دليل للمذهب المختار في الأصول: أن المندوب والمستحب مأمورٌ به، لكن ليس على سبيل الحتم والإلزام.

     فقوله: «إنا» أي: ذاتنا وجميع ما يُنسب إلينا «لله» مُلكاً وخَلْقاً،  فيتصرّف فينا كيف يشاء، فالكل عوار مُسْتردة؛ كما أشار إليه بقوله: «وإنَّا إليه راجعون» فعلينا الصبر على المصائب؛ وتدير حقائق هذه الآية؛ ليسهل علينا كل ما أصابنا ويهون، وقول هذا الذكر بمجرد لفظه؛ لا ينفع وحده، وإنما فائدته مع تدبره حقّ التدبر؛ فإنه الدواء النافع الناجع؛ الحامل على كمال الصبر؛ بل وعلى الرضا عن الله -تعالى.

قوله: «اللَّهُمَّ أجُرني» بِالقصرِ عنْد أَكثر أهل اللُّغَة؛ من آجره الله، أي: أثابه وأعطَاهُ أجره جزاء صبره على مصيبته، وآجره بالمدّ، لغة. وقال الأصمعي وأكثر أهل اللغة: هو مقصور لا يمد.

قوله: «في مصيبتي» حرف «في»  يحتمل كونها بمعنى مع، أو كونها للسببية، والثاني أظهر. والمصيبة كل مكروه ينزل بالإنسان. والمعنى: أثبني ثواباً مقارناً لها أو بسببها.

وأخلف لي خيراً منها

     قوله: «وأخلف لي خيراً منها» من الإخْلاف، قال أهل اللغة: يقال لمنْ ذهب له مالٌ أو ولدٌ أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله عليك، أي: ردَّ عليك مثله. فإن ذهب ما لا يتوقع مثله، بأن ذهب والدٌ أو عمٌّ أو أخٌ، لمنْ لا جدّ له، ولا والد له، قيل له: خلَّف الله عليك، بغير ألف، كأنّ الله خليفةٌ منه عليك؛ فما يُخْلف يقال فيه: أخلفَ عليك، وما لا يُخْلف كالأب إذا مات ونحوه، يقال: خلّف عليك.

إلا آجره الله -تعالى- في مصيبته

قوله: «إلا آجره الله -تعالى- في مصيبته؛ وأخلف له خيرًا منها» وذلك لاستكانته تحت أقضية مولاه؛ وصبره على ما أتاه؛ والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ومن جاء بالحسنة فله خير منها.

قوله: «قالت: فلما تُوفي أبو سلمة؛ قلت كما أمرني رسول الله» أي: امتثلت لما أمرني به، وقلت الدعاء المذكور.

وفي الرواية الأخرى لمسلم: «قالت: فلما ماتَ أبو سلمة؛ قلت: أيُّ المسلمينَ خيرٌ من أبي سلمة؟» استعظامٌ منها لشأن زوجها؛ وتعجبٌ منها أنْ يكونَ لها خلفٌ خيرٌ منه.

أولُ بيتٍ هاجر

وقولها: «أولُ بيتٍ هاجرَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» أي: أبوسلمة وهي أول بيتٍ هاجر مع عياله، فهو أولُ مَنْ هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وكان أبوسلمة أخاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، وابن عمته.

قالت: «ثم إنّي قلتها؛ فأخلف الله لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». واللفظ الآخر: «ثم إني قلتها؛ فأخلف الله -تعالى- لي خيراً منه؛ رسول الله» وهو عطف بيان أو بدل، من مفعول أخْلف.

وفي الرواية الأخرى لمسلم: قالت: أرْسل إليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له؛ فقلت: إنَّ لي بنتا؛ وأنا غَيور، فقال: «أما ابنتُها فندعُو الله أنْ يُغْنيها عنها، وأدْعو اللهَ أنْ يَذْهبَ بالغَيْرة».

وأنا غيور

قولها: «وأنا غيور» يقال: امرأة غَيْرى وغيور، ورجل غيور وغيران، قد جاء فعول في صفات المؤنث كثيرًا، كقولهم: امرأة عروس وعروب وضحوك؛ لكثيرة الضحك، وعقبة كئود، وأرض صعود وهبوط وحدود، وأشباهها.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأدْعو الله أنْ يَذهب بالغيرة» هي بفتح الغين، ويقال: أذهب الله الشيء، وذهب به، كقوله -تعالى-: {ذهب الله بنورهم} البقرة.

وروى مالك أنه: لما بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة، قال: «ليس بك على أهلك هَوَان، إنْ شئتِ سبَّعت لك، وسبَّعت عندهن - يعني نساءه - وإنْ شئت ثلاثا، ودرت؟» قالت: ثلاثا.

     وعن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه: أنّ أم سلمة لما انقضتْ عدّتها، خطبها أبو بكر فردَّته؛ ثم عمر  فردّته، فبعثَ إليها رسول الله، فقالت: مرحباً، أخبرْ رسول الله أني غيرى، وأني مُصبية وليس أحد من أوليائي شاهدًا. فبعث إليها: أما قولك: إني مُصْبِية؛ فإنَّ الله سيكفيك صبيانك. وأما قولك: إني غيرى، فسأدعو الله أنْ يذهب غيرتك... الحديث رواه ابن سعد والحاكم.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة