أخبار سريعة
الخميس 13 ديسمبر 2018

الملفات » التماثيل والتصاوير بين الممنوع والمشروع في ضوء القرآن والسنة

للكاتب: محمد أمين الحق

نسخة للطباعة

 

التماثيل والتصاوير بين الممنوع والمشروع في ضوء القرآن والسنة

هذه المقالة تتناول موقف الشريعة الإسلامية من التماثيل والتصاوير، وهذا الموضوع من القضايا التي أثير حولها جدل كبير في القديم والحديث، وتباينت فيه الآرإء؛ فذهب فريق إلى الحرمة وفريق آخر إلى الإباحة بل وعدّها من الفنون الإنسانية الرفيعة، التي تعبر عن العبقرية الإنسانية الخلاقة المبدعة. وقد عالجت المقالة هذا الموضوع في ثلائة محاور رئيسة:

الأول: مفهوم التماثيل والتصاوير من حيث الدلالة اللغوية والاصطلاحية.

الثاني: نبذة تاريخية عن أولية التمثال والتصوير في الحياة الإنسانية.

الثالث: موقف الشريعة الإسلامية من التماثيل والتصاوير.

مفهوم التمثال والتصوير:

- التمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله، وجمعه: التماثيل، وأصله من: مثلت الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به، واسم ذلك الممثل: تمثال.

-  قال ابن منظور(630-711هـ): والتمثال الصورة والجمع التماثيل ومثّل له الشيء صوّره حتى كأنه ينظر إليه.

والتمثيل لغة: التصوير، وقد مثل له الشيء تمثيلا: صوره كأنه ينظر إليه.

التصوير لغة: هو عمل شيء على صورة ما أي على صفة وشكل، والصورة هي الشكل والهيئة والحقيقة، وصور الشيء قطعه وفصله، ويطلق التصوير على فن تمثيل الأشخاص والأشياء، ويأتي التصوير بمعنى الصورة والجمع تصاوير.

التصاوير لغة: رسم الأشكال. واصطلاحا: صنع الصور، والصور تشمل ما لها ظل (التماثيل)، وليس لها ظل.

وخلاصة القول إن التمثال نوع من الصور فكل تمثال صورة، وليس كل صورة تمثالا، والمقصود بالصور والتماثيل هنا ما كان لإنسان أو حيوان، وتشمل ما كان مصنوعاً من الحجارة أو الخشب أو المعدن أو القطن أو البلاستيك.

التماثيل والتصاوير في التاريخ البشري:

     لو طالعنا كتب التاريخ للحياة البشرية وجدنا أن عمل التمثال والتصوير لم يكن موجودا بعد موت أبينا -آدم عليه الصلاة السلام- بألف سنة. لا شك أن نبي الله آدم كان مسلما لله متبعا لهداه، وكذلك أنه -عليه السلام- قد قام بنقل ما تلقاه من ربه إلى بنيه وتعريفهم بإسلامه وعقيدته، وتلقى بنوه هذه التعاليم بالقبول وتوارثوها جيلا بعد جيل، وظلت أجيال عدة بعد آدم -عليه السلام- لا تعرف إلا توحيد الله عقيدة وإسلام الوجه لله دينا؛ فعن ابن عباس-رضي الله تعالى عنهما- قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق فاختلفوا؛ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

     وأول من قاموا بعمل التمثال والتصوير في الحياة البشرية قوم نوح، ونرى سبب ذلك من رواية البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير قوله -تعالى-: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}.

قال كانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

     قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، وقال ابن جرير في تفسيره: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم؛ فقالوا لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصورهم؛ فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يستسقون المطر فعبدوهم.

     وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله.

     قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان محببا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه؛ فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله، قال وضعوه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه؛ فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله؛ ليكون له في بيته فتذكرونه، قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله (ود) الصنم الذي سموه ودا.

     مما سبق تبين لنا أن عمل التمثيل والتصوير بدأ أولا في قوم نوح؛ لأجل مغالاتهم في الصالحين؛ فأرسل الله -تعالى- إليهم نوحا -عليه الصلاة والسلام- لإنذارهم مما يفعلون من عمل الشياطين، ودعاهم لعبادة الله وتقواه وطاعته، فجاء في القرآن الكريم: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)} (نوح).

التماثيل والتصاوير في التشريع الإسلامي

بالتأمل في النصوص الواردة في حكم عمل التماثيل والتصاوير في الإسلام نجد أنه تارة يكون حراما، وتارة يكون مباحا، وإليكم تفصيل ذلك:

 أولا: التماثيل والتصاوير المحرمة:

فقد حرم الإسلام التماثيل والتصاوير التي فيها أرواح تحريما تاما، ووردت نصوص كثيرة من القرآن والسنة مبينة تحريم عمل التماثيل والتصاوير ذوات الأرواح، منها ما يلي:

1- إن قضية صنع التماثيل لا تتوقف على كونها قضية فقهية، بل تتعداها إلى أبواب الاعتقاد، وذلك أن الله -تعالى- اختص بتصوير خلقه وإبداعهم على أحسن صورة؛ فكان التصور مضاهاة لخلق الله -تعالى-، وكذا يتعلق الأمر في باب الاعتقاد من حيث اتخاذ هذه الأصنام آلهة تعبد من دون الله -عز وجل.

ومما يدل على أن التصوير من أفعاله -تعالى- ما يلي:

أ- قوله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (آل عمران:6).

وقوله -تعالى-: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} (الأعراف:11).

وقوله -تعالى-: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:24).

وقوله -تعالى-: {أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)} (الإنفطار).

فهذه الآيات تقرر عقيدة لا شك فيها أن تصوير الخلق هو من قبل ربهم وخالقهم ومصورهم، فلا يحل لأحد أن يتعدى على ربه -تعالى- فيضاهي الله في خلقه وتصويره.

ب- عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم  - فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»، قال الحافظ ابن حجر (773-852 هـ): وفي الحديث دليل على تحريم التصوير.

     وعن سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- إذ أتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعته يقول من صَوَّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا؛ فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، فقال: ويحك! إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح.

وعن عبدالله بن مسعود قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون».

وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

وعن أبي هريرة أنه دخل دارا بالمدينة فرأى أعلاها مصورا يصور، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة.

عن أبي جحيفة قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة وآكل الربا وموكله ولعن المصور.

توعد النبي - صلى الله عليه وسلم

وقد توعد النبي - صلى الله عليه وسلم - صاحب الصور أن يدخلها في بيته، ورتب على ذلك آثاما وحرمانا للخير، ومما يدل على ذلك:

عن عبيدالله بن عبدالله أنه سمع ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل.

     عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنهما- أنها أخبرته أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير؛ فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على الباب فلم يدخله؛ فعرفت في وجهه الكراهية؛ فقلت يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما بال هذه النمرقة؛ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أصحاب هذه الصور يوم القيام يعذبون فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة.

وسيلة للوقوع في الشرك

اتخاذ الصور وسيلة للوقوع في الشرك؛ لأن بداية الوقوع فيه التعظيم لصاحب الصورة، ولاسيما مع قلة العلم وانعدامه، ويدل على هذا:

     عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما (ود) فكانت لكلب بدومة الجندل وأما (سواع) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمدان، وأما (نسر) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح؛ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا، وسموها بأسمائهم؛ ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت.

صور ذوات الأرواح

ودلالة هذه الآيات والأحاديث ظاهرة جدا على تحريم صور ذوات الأرواح بكافة أشكالها؛ فإن فيها دلائل على الحرمة:

1- منها لعن المصور.

2- ومنها بيان أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة.

3- ومنها بيان أنه من أظلم الناس.

4- ومنها النهي عن ذلك

5- ومنها بيان أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال أو صورة.

وأيضا ما سبق من الآيات والأحاديث يدل على أن علة تحريم الصور ثلاثة أمور:

الأول: المضاهاة لخلق الله.

والثاني: أنه مشابهة للكفار.

والثالث: أنه وسيلة للتعظيم والوقوع في الشرك.

حرمة اقتنائها

اتفق العلماء على حرمة اقتنائها إذا كان الغرض منها العبادة أو التقديس؛ لأنها رجس، والله يقول: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} (الحج:30)، وإن لم يكن الغرض منها ما ذكر فهو حرام أيضا، إذا توافرت هذه الشروط:

1- أن تكون التماثيل تامة الأجزاء الظاهرية.

2- ألا تكون هناك مصلحة تدعو إلى اقتنائها.

3- أن تكون من مادة تبقى مدة طويلة كالخشب والمعدن والحجر.

وذلك للأحاديث السابقة، ولسد الذريعة إلى عبادة الأصنام وعدم التشبه بمن يحرصون على تقديسها، كما مزق النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبا فيه تصاليب؛ لأنها ترمز إلى عقيدة جعلها بعض الناس من أصول دينهم.

تبين لنا من خلال ما ذكرنا أن الإسلام قد حرم عمل التماثيل والتصاوير ذوات الأرواح، وبين أن فعل ذلك فقد ضاهى الله في خلقه، واستحق اللعنة، فنسأل الله السلامة والهداية، وصلى الله على نبينا محمد.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة