أخبار سريعة
الخميس 13 ديسمبر 2018

الملفات » «احفظ الله يحفظك» عاشوراء يوم عظيم من أيام الله

للكاتب: الشيخ: رائد الحزيمي

نسخة للطباعة

 

«احفظ الله يحفظك» عاشوراء يوم عظيم من أيام الله

يوم عاشوراء، وما أدراك ما يوم عاشوراء؟! عظمته اليهود، وسبب تعظيمهم له أن الله -عز وجل- نجى موسى -عليه الصلاة والسلام- ومن معه من فرعون ومن الغرق، وموسى -عليه الصلاة والسلام- من أكثر الأنبياء الذين ذُكرت قصتهم في كتاب الله العزيز، وما ذلك إلا الشدة ما لاقاه من جبروت فرعون وشدته، وفضلاً عن اللأواء، والمصائب، والقتل، وما شابه ذلك، جاء في زمن كان فرعون يقتل أبناء المسلمين -بني إسرائيل- كان يقتلهم لرؤية رآها بأن نهايته ستكون على يد رجل، وكان يستحيي النساء للخدمة، والقصة طويلة ونهايتها أن الله -عز وجل- أنجى - موسى -عليه الصلاة والسلام- ومن معه من المؤمنين من فرعون ومن الغرق، فعظمت اليهود ذلك اليوم.

 

قريش تعظم ذلك اليوم

وقريش قبل الإسلام كانت تعظم ذلك اليوم، وكانت تصوم عاشوراء، نعم، بعض الناس قد يستغرب، قريشً كانت تعبد الله -عز وجل-؟ نعم، كانت تصوم عاشوارء، وتعظم ذلك اليوم، وكانت تكسي الكعبة يوم في ذلك اليوم.

     وكانت العرب تحج البيت وتطوف به سبعًا، وكانوا يطوفون في بيت الله وهم على شركهم وكفرهم بالله -عز وجل- يعظمون البيت، هذا دين إبراهيم -عليه السلام-، وهم كانوا على دين إبراهيم ولكن حرّفوه، ودخل عليهم الشرك، وتركوا دين إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام.

مناسك الحج

     كانوا يسعون بين الصفا والمروة، ويذهبون إلى منى وإلى مزدلفة، ويقفون عند مزدلفة؛ لأنهم أهل الحرم، لا يتركون الحرم؛ لأن عرفات خارج الحرم، وكانت القرى والقبائل تقف في عرفات، أما هم لهم الأنفة، لا يخرجون، وكانوا يزكون، ويتصدقون، كانوا يكرمون الضيف، ويصلون صلاتهم، وكانت لهم أعمال عبادية، يعبدون الله -عز وجل-، فهم لم يشركوا بالله في ربوبيته؛ لأن الله قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (لقمان:25)، فهم يقرون أن الله هو الخالق الرازق البارئ المحيي المميت المتصرف: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُون * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون} (المؤمنون89:84).

     هكذا كانوا يقرون أن الله هو الخالق لكنهم أشركوا في العبادة؛ ولأجل ذلك أرسل الله الرسل، الأنبياء جميعهم بتوحيد الألوهية، وأن العبادة لله خالصة، {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (غافر:14)، لذلك أنكروا الأمر وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} (ص:5).

كلمة التوحيد

     ما قالوا كلمة التوحيد، لم ينطقوا بـ(لا إله إلا الله)؛ لأنهم علموا أن (لا إله إلا الله) تعني أنه لا معبود بحق إلا الله، وليس (لا خالق)، وهذا الضلال الذي ضل فيه كثير من الفرق عندما فسروا لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله، فلو كان معناها لا خالق إلا الله لأقر بها أبو جهل، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (لقمان:25) لما قاتلهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» لو كان معناه لا إله إلا الله، أي لا خالق إلا الله لقال أبو جهل: يا محمد لماذا تقاتلنا ونحن نقر أن الله هو الخالق؟

لا معبود بحق إلا الله

     لقد علموا أن كلمة الإله تعني المعبود، أي لا معبود بحق إلا الله، والعبادة هي الأعمال، وهي توحيد أفعال العبد لله، كل فعلك لله خالص، لو داخلت  نيتك شائبة رياء بطل هذا العمل، وهذا مما لايقبله الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-:والذي  يقول: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك بعمله معي غيري تركته وشركه» إذًا الألوهية، العبادة: صرف أفعال العباد وإفرادها لله، فكل أفعالك القلبية واللسانية، القولية والفعلية في الجوارح والبدن كلها لله -عز وجل-، هذا ما فقهوا وما فهموا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزُّمَر:3)، فكانوا يقربون القرابين لآلهتهم حتى ترضى عنهم آلهتهم فتقربهم إلى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

يعظمه المشركون

     ويوم عاشوراء كان يعظمه المشركون، ونبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- كان يصوم عاشوراء أيام الجاهلية، هذا ما جاء فيحديث أمنا عائشة في البخاري ومسلم، فكان محمد - صلى الله عليه وسلم - يصوم قبل الإسلام، جاء الإسلام وبقي تعظيم ذلك اليوم عند النبي -عليه الصلاة والسلام- وكان يصومه، هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبعد هجرته رأى اليهود يصومون ذلك اليوم، ويعظمون ذلك النبي، فاستغرب، سبحان الله! ما الخطب؟

وجد - صلى الله عليه وسلم - قريشا تعظم هذا اليوم، ووجد اليهود يعظمونه، فسألهم، فقيل له: إن ذاك يوم نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق ومن فرعون، قال: «نحن أحق بموسى منهم» فصامه وأمر بصيامه قبل أن يُفرض رمضان.

     فأصبح صيام يوم عاشوراء فرضًا بل عندما جاء يوم عاشوراء قال: «إن هذا يوم عاشوراء فمن أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن أفطر فليمسك» فكان المسلمون يجوّعون أبناءهم بالنهار، بل قيل: إن النساء أُمرت ألا ترضع وليدها في نهار عاشوراء، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع القرى حول المدينة أن أمسكوا في هذا اليوم؛ فأصبح ذلك اليوم في ذلك الزمن في أول سنة من الهجرة عاشوراء فرضًا، فرض عليهم، ثم في السنة الثانية أنزل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فرض رمضان.

تأليف القلوب

     كانت الدولة الإسلامية في بدايتها، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يؤلف القلوب؛ فمما فعله أن قال أمام اليهود: «نحن أحق منكم من موسى» ليؤلف قلوبهم بأنه تشابهنا في الصيام قبل أن يُؤمر بالمخالفة، -إلى الآن الدولة فتية- ثم بعد ذلك بعد أن فرض الله -عز وجل- صيام رمضان أذِن النبي بترك عاشوراء: «من شاء منكم فليصمه ومن شاء فليفطر» فترك الأمر: أي ترك أمر اللزوم والوجوب وبقي هو على صيام عاشوراء طيلة مدته في المدينة، وكذلك الصحابة الكرام كانوا يصومون عاشوراء تنفلًا وسنة وليس فرضًا، لماذا؟ لأن رمضان قد فُرض، فبعدما قويت شوكة الإسلام، وأصبح لهم منعة، وأُمر بالقتال، وتمايزت الصفوف، أمر بالمخالفة، خالفوا اليهود والنصارى، أمرنا أن نخالفهم، وليس فقط أمرنا ألا نشابههم، بل نتعمد المخالفة كما قلت أكثر من مرة: فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يَفْرُقُ يمينًا، ففرق اليهود على اليمين، فانتقل إلى الشمال، ففرقوا شمالًا شعورهم، ثم فرق في المنتصف، وهكذا -عليه الصلاة والسلام-، فلما جاءت السنة الأخيرة من حياته وقد استقر الأمر واستتب في المدينة قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع», لأنه أُمر بالمخالفة، ولكن الله -عز وجل- قضى أمره بأن يتوفاه صلوات ربي وسلامه عليه.

عدة الشهور

     قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين} (التوبة:36)، الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عندما خلق الأرض وخلق الزمان جعل الزمان اثنا عشر شهرا، تبدأ الشهور من محرم وتنتهي في ذي الحجة، واختار من الشهور أربعة حرم.

لماذا هذه الأربعة الحرم؟

     بعض الناس يقول: لماذا هذه الأربعة الحرم؟ وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ثم رجب، وقيل: رجب مضر، كان المشركون يقتتلون فيما بينهم، يستحلون الدم الحرام، يحسبونه شجاعة وبطولة، وكان القوي يأكل الضعيف، ولأجل أنهم يعظمون الحرم وعندهم في كل عام يحجون إلى بيت الله الكريم أرادوا الأمن والأمان.

     فالله -عز وجل- لكي يضع الأمن للمسافر حرم عليهم القتال، وجعل تلك الأشهر الحرم لمن أراد أن يحج آمنًا؛ لذلك من تعظيمهم لهذه الأشهر كان أبناء المقتول يرون قاتل أبيهم ولا يفعلون معه شيئًا؛ تعظيمًا لذلك الأمر، كان الدين عندهم قويا، أي التعظيم أقصد، كانوا يعظمون شعائر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فجعل (ذو القعدة) حراما عليهم القتال فيه لكي يسافر المسافر، ويقطع المفاوز، فإذا وصل ذو الحجة حج بيت الله، فإذا انتهى الحج استطاع أن يعود في محرم فله أشهر ثلاث -ذو القعدة وذو الحجة ومحرم- أما رجب لماذا انتقل مبتعدًا عن تلك الأشهر؟

لكي لا يهجر الحرم

     لكي لا يهجر الحرم، يبقى الحرم يتردد عليه الناس، فإذا انقطعوا بعد محرم فيأتي صفر ثم ربيع أول ثم ربيع ثاني ثم جمادي أول ثم جمادى ثان ثم رجب، فيأتي في رجب يعود الأمن بعد ذلك، ويذهب الناس إلى الحج فينسلخ رجب ويأتي شعبان ورمضان ثم شوال ثم يأتي مرة ثانية تلك الأشهر الحرم؛ فتلاعبوا في هذه الأشهر حتى يقتلوا من يريدون نقَّلوا الأشهر فاختلطت الأمور، فأصبح رجب في رمضان ورمضان في شوال، وهكذا، حتى استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ولذلك الله يقول -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {إِنَّمَا النَّسِيءُ} أي تلك الزيادة والتغيير: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} (التوبة:37).

هكذا كانوا يتلاعبون بالأشهر، فاستدار الزمان كهيئته فأصبح كما نراه اليوم منذ زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- منذ حجة الوداع استقر الأمر وهذا الذي ارتضاه الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ولماذا قال: «رجب مُضَر»؟

لأن مضر ما غيرت رجب، أما ربيعة نقَّلت رجب وجعلت رجب مكان رمضان، وهذه سيرة تاريخية لا تعنينا اليوم؛ فأفضل الصيام صيام شهر الله المحرم الذي نحن فيه، حرص عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة