أخبار سريعة
الأربعاء 21 نوفمبر 2018

الملفات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب : الميت يُعَذّب ببكاء الحيّ

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبْدِ الرَّحْمن أَنَّها أَخْبَرَتْه: أَنَّها سمِعَتْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، وذُكِرَ لها أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ- رضي الله عنهما- يقولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ»؛ فَقَالَتْ عائشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، ولَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم  عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عليْها؛ فَقال: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيها، وإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا»، هذا الحديث رواه مسلم في كتاب الجنائز (2/643) وبوب عليه النووي: باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ورواه البخاري في الجنائز (2/643) برقم (932).

 

     وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة بن عدس الأنصارية النجارية، المدنية الفقيهة، تابعية من تريبة أم المؤمنين عائشة وتلميذتها، قيل لأبيها صحبة، وجدها سعد من قدماء الصحابة، وهو أخو النقيب الكبير أسعد بن زرارة، قال الحافظ يحيى بن معين: عمرة بنت عبد الرحمن ثقة حجة. وقال الإمام المحدّث سفيان بن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير ، وعَمْرة بنت عبد الرحمن، وقال الإمام الذهبي: كانت عالمة، فقيهة، حُجّة، كثيرة العلم، وحديثها كثير في دواوين الإسلام .

     توفيت عمرة بنت عبد الرحـمن وهي ابنة سبع وسبعين سنة، وقد اختلفوا في وفاتها؛ فقيل: توفيت سنة ثمان وتسعين، وقيل: توفيت في سنة ست ومئة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

عذاب الميت ببكاء أهله

     قوله: «إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، وفي رواية: «ببعض بكاء أهله عليه»، وفي رواية: «ببكاء الحي»، وفي رواية: «يعذب في قبره بما نيح عليه»، وفي رواية: «مَنْ يبك عليه يعذب»، وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله -رضي الله عنهما-، أما عمر رضي الله عنه، فروى مسلم: عن نافع عن عبد الله: أنَّ حفصة بكت على عمر -رضي الله عنهما-؛ فقال: مهلاً يا بُنيّة، ألم تعلمي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الميتَ يعذب ببكاء أهله عليه».

ألا تنتهي عن البكاء ؟

     وروى مسلم (2/642) أيضاً: عن عبد الله بن أبي مليكة قال: تُوفيت ابنةٌ لعثمان بن عفان بمكة، قال: فجئنا لنشهدها، قال؛ فحضرها ابن عمر وابن عباس، قال: وإني لجالسٌ بينهما ، قال: جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي؛ فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان - وهو مواجهُهُ - : ألا تنتهى عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إنَّ الميت ليُعذب ببكاء أهله عليه»؛ فقال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدَّث فقال: صَدَرْت مع عمر من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو بركبٍ تحت ظل شجرة؛ فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ فنظرتُ فإذا هو صهيب، قال : فأخبرته فقال: ادعه لي، قال: فرجعت إلى صهيب؛ فقلت: ارتحلْ فالْحقْ أمير المؤمنين؛ فلما أنْ أُصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: واأخَاه واصَاحباه؛ فقال عمر: يا صهيبُ أتبكي عليّ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه!»، فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: يرحمُ اللهُ عمر؛ لا واللهِ ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يعذب المؤمن ببكاء أحد»، ولكن قال: «إنَّ الله يزيدُ الكافر عذاباً ببكاءِ أهله عليه»، قال: وقالت عائشة: حَسْبُكم القرآن: {ولا تَزِر وازرةٌ وزرَ أخْرى}، قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضْحكَ وأبْكى، قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء .

- قولها: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن»

- قولها: «يغفر الله لأبي عبد الرحمن»، هي كنية عبد الله بن عمر، قدّمته تمهيداً لما يستوحِش من نسبته إلى النسيان أو الخطأ، وهو من الآداب، كما قال الله -تعالى-: {عفَا اللهُ عنكَ لمَ أذنتَ لهم}(التوبة: 43)؛ فمن استغرب من غيره شيئًا، ينبغي أن يُمهد له بالدعاء أو الثناء عليه، إقامة لعذره فيما وقع منه، وأنه لم يتعمّده، ومِنْ ثم زادت على ذلك بياناً واعتذاراً بقولها: «أما» بفتح الهمزة، والتخفيف، وهي أداة تنبيه واستفتاح، يُلقى بها إلى المخاطب تنبيهاً له ، وإزالة لغفلته «إنه لم يكذب»، أي لم يُرِد الكذب، ولم يتعمّده، ولكنه نسي أو أخطأ.

     فقد أنكرتْ أم المؤمنين عائشة ذلك، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أنْ يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، واحتجت بقوله -تعالى-: {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وزْرَ أخْرى}(الإسراء: 15)، أي: كيف يُعَذّبُ الميت ببكاء غيره بعد أنْ مات، وانقطع عمله أصلاً؛ فاستبعدت -رضي الله عنها- الحديث؛ لكونها رأته مخالفاً للآية المذكورة، وقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها: تعذب وهم يبكون عليها، يعني: تُعذّب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. لكن الصواب: أن الحديث

اختلاف العلماء في الحديث

     واختلف العلماء في هذا الحديث: فتأوَّله الجمهور على مَن وصَّى بأنْ يُبكى عليه ويناح بعد موته فنفذّت وصيته؛ فهذا يُعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنه بسببه وبأمره لهم، ومنسوب إليه .

     قالوا: فأما مَن بكى عليه أهله وناحوا، مِن غير وصيةٍ منه؛ فلا يعذب لقول الله -تعالى-: {ولا تَزِرُ وازِرةٌ وزْرَ أخْرى}(الإسراء: 15)، قالوا: وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طَرْفة بن العبد:

إذا متُّ فانْعيني بما أنَا أهْله

                                وشُقّي عليَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعْبد

قالوا: فخرج الحديث مطلقاً، حَمْلا على ما كان معتاداً لهم .

     قال كاتبه: وهو ما قاله الإمام البخاري -رحمه الله- في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال -رحمه الله تعالى-: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»، إذا كان النوح من سُنّته؛ لقول الله -تعالى-: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}(التحريم: 6)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكمْ راعٌ ومسؤولٌ عنْ رعيته».

إهمال الوصية

     وقالت طائفةٌ: هو محمول على مَنْ أوْصى بالبكاء والنوح، وكذا إذا لم يوص بتركهما؛ فمن أوصى بهما، أو أهمل الوصية بتركهما  يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما؛ فأما من وصّى بتركهما؛ فلا يعذب بهما؛ إذْ لا صُنع له فيهما، ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما، ومَنْ أهملهما عذّب بهما .

معنى الأحاديث

     وقالت طائفة: معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع، يعذب بها ؛ كما كانوا يقولون : يا مُؤيّم النسوان، ومؤتّم الولدان، ومخرّب العمران، ومفرق الأخدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخراً، وهو حرام شرعا.

     وقالت طائفة: معناه: أنه يعذّب بسماعه بكاء أهله، ويتألم ويرقُّ لهم، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري، ورجحه ابن المرابط، وعياض، ونصره ابن تيمية. قال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم زَجَر امرأةً عن البكاء على أبيها وقال: «إنَّ أحدَكم إذا بَكَى اسْتعبر له صويحبه؛ فيا عباد الله لا تُعذّبوا إخوانكم» رواه ابن سعد في الطبقات (1/320)، والطبراني في الكبير (25/1) في حديث طويل، والبخاري في الأدب المفرد (1034)، وحسنه الألباني في الحاشية، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: معنى الحديث: أنّ الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب ؛ يُعذّب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم .

البكاء بصوتٍ ونياحة

والصحيح من هذه الأقوال: ما قدمناه عن الجمهور، وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم، أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوتٍ ونياحة، لا مجرد دمع العين.

 

 

تعليق الشيخ ابن باز -رحمه الله

      وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- تعليقا على الحديث : والرسول صلى الله عليه وسلم قصد بهذا منع الناس من النياحة على موتاهم، وأنْ يتحلَّوا بالصبر، ويكفوا عن النَّوْح، ولا بأس بدمع العين وحزن القلب، كما قال صلى الله عليه وسلم لما مات ابنه إبراهيم: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»؛ فالميت يُعذب بالنياحة عليه من أهله، والله أعلم بكيفية العذاب الذي يحصل له بهذه النياحة، وهذا مستثنى من قوله -تعالى-: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(الإسراء: 15)؛ فإنَّ القرآن والسنة لا يتعارضان، بل يُصَدّق أحدهما الآخر، ويفسر أحدهما الآخر؛ فالآية عامة والحديث خاص، والسنة تفسر القرآن، وتبين معناه؛ فيكون تعذيب الميت بنياحة أهله عليه مستثنى من الآية الكريمة، ولا تعارض بينها وبين الأحاديث.

     وأما قول عائشة -رضي الله عنها-؛ فهذا من اجتهادها، وحرصها على الخير، وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم مقدّم على قولها وقول غيرها؛ لقول الله -سبحانه-: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}(الشورى: 10)، وقوله -عز وجل-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء: 59)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله الموفق . انتهى

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة