أخبار سريعة
الإثنين 18 مارس 2019

الملفات » فصل الشتاء.. كيف يستغله المربي؟

للكاتب: سحر شعير

نسخة للطباعة

 

فصل الشتاء.. كيف يستغله المربي؟

   

إنّ من عظيم حكمة الله -تعالى- أن جعل الآيات الكونية تتكرر وتعود حتى نتمكن من التأمل فيها مرة بعد مرة لتكون لنا العبرة الإيمانية من خلقها، ويزكو الإيمان في قلوبنا من مطالعة قدرة الله -تعالى- العظيمة في إبداعها وما يترتب عليها من منافع العباد، قال -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} – سورة الروم:24.

كيف نعزز التربية الإيمانية في الشتاء؟

     إن عملية التربية ليس لها وقت محدد؛ فعمل المربي لا ينقطع، وإنما هو عمل مستمر متواصل على مدار اليوم والليلة؛ والتربية الإيمانية – على وجه الخصوص- يمارسها المربي على مدار اللحظة؛ حيث يكون في حالة تركيز دائم من أجل استغلال كل موقف أو حدث أو مناسبة لغرس مفردات الإيمان في نفس الطفل أو تطبيق القيم التي سبق أن تعلمها نظرياً، فيتناولها المربي بالشرح أو التعليق وبيان الحكمة عندما تحين مناسبتها العملية، ويلقنه ما يناسب كل موقف من الأذكار المشروعة فيه، إضافة إلى توجيهه إلى التفكر والاعتبار من تلك المواقف عن طريق الربط بين القيمة والمعرفة الإيمانية والحدث اليومي الذي يمر به، فإلى هذه السطور نتعرف على أهم القيم التربوية التي يهيئها لنا فصل الشتاء..هبةً ومعونةً من الله -تعالى- للمربين.

فصل الشتاء.. أفراحٌ وغنائم

     يمثل فصل الشتاء غنيمة تربوية بحق؛ نظراً لما يكون فيه من الآيات الكونية المتعلقة بمناخ فصل الشتاء كالرياح والمطر، والرعد والبرق وغيرها، وهي غنيمة للمربي؛ لأنها آيات محسوسة مُشاهدة يراها الأبناء، ويقع أثرها في نفوسهم؛ فعليه أن يلفت أنظارهم إليها، ويربطها بالمعاني الإيمانية وبأسماء الله -تعالى- وصفاته التي تناسب هذا المقام؛ مما يثمر استشعارهم لعظمة الله -سبحانه- وخشيته ومراقبته في السر والعلن وتعظيم أمره ونهيه، وهذه المعاني تحديداً تمثل الحصانة الإيمانية التي نبغيها جميعاً لأبنائنا، لتكون حاجزاً لهم عن الوقوع في المنكرات والرذائل، ودافعاً ذاتياً إلى ما يحبه الله -تعالى- ويرضاه.

وإليك – عزيزي المربي- أهم ما نلفت إليه انتباه الأبناء من آيات في فصل الشتاء:

التدرج

     التدرج في الانتقال من الحرّ إلى البرد: فلله الحكمة البالغة في دخول الشتاء على الصيف, والصيف على الشتاء، كيف يكون بالتدرُّج والمهلة، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأًةً لأضرَّ بالأبدان وأهلكها، يقول ابن القيم - رحمه الله -: «فكر في دخول أحدهما - أي البرد والحر - على الآخر بالتدريج والمهلة حتى يبلغ نهايته، ولو دخل عليه مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وبالنبات وأهلكهما، كما لو خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة إلى مكان مفرط في البرودة».

آية الله في المطر

- آية الله -تعالى- في إنزال المطر سبب لتنوع الثمار، ومثل لإحياء الموتى: قال -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}  (فاطر:27-28)، يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى-: «فلو كان نبات الصيف إنما يوافي في الشتاء لصادف من الناس كراهية واستثقالاً بوروده، مع ما كان فيه من المضرة للأبدان والأذى لها، وكذلك لو وافى ما في ربيعها في الخريف أو ما في خريفها في الربيع لم يقع من النفوس ذلك الموقع ولا استطابته ولا التذاذه ذلك الالتذاذ».

كيفية تكوّن المطر

- تبصير الأبناء بكيفية تكوّن المطر وأنه ينزل بقدر: يتحدث المربي مع أبنائه حول عظيم قدرة الله -عز وجل- في تكوين السحب الثقال بين السماء والأرض كالجبال، تحمل معها الماء الزلال، قال الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار} النور: 34، وهذا التأمل يُحدث مزيد خضوع وتذلل لله -تعالى-، قال ابن القيم -رحمه الله-: «فإذا تأملت السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه؟! وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء؟! وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربه وخالقه في إرسال ما معه من الماء حيث يشاء- سبحانه.

عقيدة القضاء والقدر

- ربط الأبناء بعقيدة القضاء والقدر: تعريف الأبناء أن نزول المطر وما يصاحبه من شدة البرودة، وخفة المطر أو كثافته لدرجة السيول، وما قد يترتب عليها من فوائد أو مصائب هو من أقدار الله -تعالى- وحده، هو الذي يصرّفه ويقدّره كيف يشاء، وأن رد الفعل الصحيح إزاء هذه الآيات الكونية – ولاسيما إذا اشتدت وتأذى بها العباد – هو التزام أدب العبودية وذلك بانضباط القلب واللسان، فواجب القلب الخضوع، والرضا بالقدر، والإنابة إلى الله -تعالى-، والاستغفار من الذنب رجاء ارتفاع البلاء، {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:43).

     وانضباط اللسان فلا تسخّط ولا اعتراض على أقدار الله -تعالى-، يقول الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: «وقد أصبح مِن المعتاد لدى الناس تتبّع تَقَلّبات الجو ومقياس درجاته: حرارة، وبرودة، وما أكثر لِهَجَهم بذلك، وإتباعه بالتأفف والتألُّم مِن شِدّة الحر وشِدّة البرد... ويَجْمُل بالمسلم التوقِّي عن متابعة مثل هذا واتِّخَاذِه حديثًا في المجالس». وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبّ الريح، وكان السلف يتأثمون من قولهم اليوم حار اليوم بارد.

الفرح بالشتاء

- الفرح بقدوم الشتاء لسهولة أداء العبادة: كان السلف -رضي الله عنهم- يفرحون بقدوم الشتاء التماسا لما يكون فيه من البركة، وتهيُؤ الظروف للعبادة، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام»؛ فهو فرصة يستغلها المربي في تدريب الأبناء على العبادات، مثل الصيام وقيام الليل بيسر وسهولة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» - رواه الإمام أحمد وحسنه الألباني-، قال الخطابي: «الغنيمة الباردة» أي السهلة؛ ولأنّ حرة العطش لا تنال الصائم فيه.

الدعاء

- ومن أهم هذه العبادات أيضاً: الدعاء؛ لأن وقت نزول المطر من أوقات إجابة الدعاء، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ثنتان ما تردان:الدعاء عند النداء وتحت المطر» - صحيح الجامع الصغير.

الأذكار الخاصة

- ومنها أيضاً الأذكار الخاصة بفصل الشتاء، مثل الذكر عند هبوب الرياح، وعند سماع صوت الرعد، عند نزول المطر: عن عائشة -رضي الله- عنها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل المطر قال: «اللّهم صيبا (المطر الذي يجري ماؤه) هنيئا» - رواه أبو داود بسند قوي-، وعند اشتداد المطر والخوف من تبعاته: «اللّهم حواليْنا لا علينا» - رواه البخاري.

يسر الدين وسماحته

- ومما يتعلق بالعبادات تعريف الأبناء يسر الدين وسماحة الشريعة من خلال الرخص التي شرعها الله -تعالى- كالمسح على الخفين، والجمع عند المطر وجواز تسخين الماء للوضوء والغسل، فالحمد لله على تخفيفه وتيسيره.

التكافل

- تربية الأبناء وتدريبهم عمليا على التكافل: وذلك من خلال الإحساس بالفقراء الذين لا يجدون ما يدفعون به عن أنفسهم برد الشتاء، فيدعو المربي أبناءه إلى التصدق بما زاد عن احتياجاتهم من الملابس الثقيلة، والأحذية، والأغطية، ويدربهم على إعداد هذه الأشياء وتجميعها وتوصيلها إلى مستحقيها عملياً، وأثناء ذلك يحدثهم بما ورد في الحث على التكافل بين المسلمين، قال -تعالى-: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}.

وهكذا.. أعزائي المربين

مع كل مرة ينزل فيها المطر يكون للمربي فيها مشهد تربوي متجدد مع أبنائه، ومختلف وثري بقدر اختلاف تفصيل فصل الشتاء وثرائه؛ فيثمر ذلك في قلوب الأبناء مع آبائهم عبودية بعد عبودية وصلةَ بالله -تعالى- لا تنقطع..

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة