أخبار سريعة
الأربعاء 26 يونيو 2019

الملفات » قراءةُ.. ريحُها طيبٌ وطعمها حلو - 2

للكاتب: د. سعيد أبو العلا حمزة

نسخة للطباعة

 

قراءةُ.. ريحُها طيبٌ وطعمها حلو - 2

استكمالاً لما بدأنا الحديث عنه في المقال السابق عن الصورة المشرقة لمجتمعٍ يختلط ليلَ نهارَ مع القرآن الكريم، قراءة واستماعا وحفظًا واختبارات ومسابقات، وقلنا: إن في ذلك محاكاة لما كان عليه صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقلنا: إن الاعتناء بالقرآن تلاوة، وحفظًا، وتدبرًا، مفتاح المفاتيح التي تبني النفس الإنسانية؛ حيث كانت تلاوة القرآن – وما زالت- أهم مكوِّن من مكونات الفرد المسلم، وغذاء روحه، ودعامة ثباته أمام ما يلقاه من فتنٍ.

     من هنا؛ فإن القراءة الدقيقة الواعية التي تُنبت في بساتين القلوب أزهار الإخبات، وتشق أخاديد تجري فيها أنهارُ الحكمة، وتضيء مشكاة البصيرة حين تظلمُ العقول، وتختل الموازين، هي تلك القراءة التي تتنزل على القلب؛ فتغسله من أدرانه، وتطهره من الآثام، وتزكيه وتزيده إيمانا، وهذا أمر لا يوافق كل أحدٍ توفَّر على القراءة، وإنما يحتاج إلى دُربة واستشعار بعظمة الرب -سبحانه وتعالى-؛ فتغشاه السكينة ويمتلك قلبه الخشوع والإخبات والوجل، وينعكس ذلك على جميع بدنه وجوارحه فتراه خاشعا متذللا.

السمو الإيماني

     وثمة أمر مهم ينبغي الإشارة إليه، وهو أن هذه الحالة من السمو الإيماني أثناء القراءة، ترتكز على ما قصد إليه القارئ من قراءته، وأن تكون غايته واضحة وليس للغموض فيها مكان؛ فيسأل نفسه: هل قصد إلى مناجاة ربه؟ أم هل قصد التعبد والثواب؟ أم هل قصد إلى تحسين لفظه وتجويد أدائه؟ أم هل منتهى همه وغاية أمله الوصول إلى آخر السورة؟ هل قصد إلى طلب الآخرة أم طلب الدنيا؟

تحديد الوجهة

     لابد للمرء من تحديد وجهته بدقة، متى قصد إلى كتاب الله قارئا فهذا هو المحور الذي يتحدد به علاقته القلبية بكتاب ربه، ومعيار ربحه وخسارته، وزيادة إيمانه ونقصانه، وهذه الوجهة هي التي ينقسم بها القارئون لكتاب الله إلى أصناف ثلاثة: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات -بإذن الله.

صناعة القراءة المؤثرة

     وينبغي الالتفات إلى أن صحة القراءة وتجويد اللفظ وتحسين التلاوة محور رئيس في صناعة القراءة المؤثرة، وحصول التدبر، وإيصال المعاني للقلب والتفاعل معها؛ فكلما كانت الحروف واضحة والمخارج دقيقة، كانت القراءة أكثر تأثيرا ونفاذا إلى القلب.وقد كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نعتتها أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- مفسرة حرفا حرفا، وقال البراء بن عازب رضي الله عنه : «كان - صلى الله عليه وسلم- يقرأ في العشاء: {والتين والزيتون}؛ فما سمعت أحدا أحسن صوتا ولا قراءة منه»

     ويُلخِّص الإمام الغزالي -رحمه الله- ما ينبغي اجتماعه في القراءة الصحيحة الخاشعة؛ فيقول: «وتلاوة القرآن حق تلاوته، هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب؛ فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزعاج والائتمار؛ فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ».

وقال الألوسي في تفسير قوله -تعالى- {يتلونه حق تلاوته}«أي: يقرؤونه حق قراءته، وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب؛ فيراعى فيها ضبط اللفظ، والتأمل في المعنى، وحق الأمر والنهي».

الانشغال بالقوالب

     والمذموم في هذا الشأن هو الانشغال بالقوالب أعني الحروف دون المعاني، وتنعقد همة القارئ على مجرد تحسين اللفظ؛ فيدعوه ذلك إلى التكلف والتعسف في إخراجها والوسوسة فيها، ويكون ذلك مجالا للتفاخر بين القراء؛ فينصرفوا عن المقصود الأعظم للتلاوة، وهو التدبر للمعاني والعمل بالقرآن، وهذا الشأن ليس جديدا، وإنما هو قديم والتحذير منه مبثوث منتشر في كلام الأئمة، من الصحابة والتابعين، وما ذلك إلا لخطره الشديد؛ فإنه يحول بين القلب وكلام ربه؛ فلا ينتفع بهداياته، ولا ينزجر بمواعظه.

عبيد وصبيان

     يقول الحسن البصرى -رحمه الله-: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان، لا علم لهم بتأويله، ولم يتأولوا الأمر من أوله، قال -تعالى-: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته}، وما تدبّر آياته إلا باتباعه، والله يعلم، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى القرآن له فى خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إنى لأقرأ السورة فى نَفَسٍ واحد! والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء مثل هذا؟ لا كثر الله فى الناس مثل هؤلاء».

     ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: «ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك؛ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه».

      وللإمام الذهبي -رحمه الله- كلام نفيس: «فالقراء المجودة: فيهم تنطع وتحرير زائد يؤدي إلى أن المجود القارىء يبقى مصروف الهمة إلى مراعاة الحروف، والتنطع في تجويدها؛ بحيث يشغله ذلك عن تدبر معاني كتاب الله -تعالى-، ويصرفه عن الخشوع في التلاوة لله».

القراءة التي نريد

      نعم، هذه القراءة التي نريد لكتاب الله -عز وجل- التي ينبغي للمتصدرين لتعليم الناس كتابَ الله -عز وجل- في دور التحفيظ والمؤسسات القرآنية، ألا يبغوا عنها حِوَلا، ولابد لهم من منهج شامل قوامه القراءة على النحو الذي ألمحت إليه، وهاكَ اللبنةَ الأخيرة التي أتمم بها بنائي، وهي منهج مقترح لتفعيل دور القراءة في الحلقة القرآنية:

- توجيه عناية المتعلمين إلى خطورة الاقتصار على حفظ الألفاظ وضرورة الاعتناء بفهم المعاني وتدبر الآيات، وأنها المقصود الأول من الحفظ والتنبيه على أهمية العمل بالقرآن، وبناء الشخصية الفكرية والسلوكية الجديدة من خلال ما يحفظه في الحلقة القرآنية.

- أن يكون للقراءة من المصحف بتفكر وتدبر الحظ الأوفر في برنامج التحفيظ؛ لما لها من دور بالغ الأهمية في تيسير الحفظ وتوطيد العلاقات بالسور القرآنية، من خلال مداومة النظر وطبع صورة الصفحات في الذاكرة وكسر الحواجز النفسية بين الطالب وبين بعض السور، التي غالبا ما يكون نصيبه الهجران أثناء مرحلة الحفظ؛ وذلك بمطالبة المتعلمين بختمة دورية للمصحف، وأقترح أن تكون بواقع جزأين يوميا، وهذا ما أقرره في برنامجي الخاص في التحفيظ والموسوم بـ (الحصون الخمسة في حفظ القرآن الكريم).

- تذكير المتعلمين دوريًا بأهمية القراءة، وما ينبغي لها من آداب واستعدادت علمية

     وعملية، وبيان هدي السلف في قراءة كتاب الله -عز وجل-؛ وذلك بذكر أخبارهم وأحوالهم، التي تعلو بها الهمم، ويحسن كذلك ذكر أخبار المعاصرين وعلو همتهم في القراءة والتدبر، وأثر ذلك في حياتهم وسلوكهم وأخلاقهم، وقد جمعت الدكتورة أسماء الرويشد -كتب الله أجرها- جزءًا لطيفا في هذا الباب (هكذا عاشوا مع القرآن.. قصص ومواقف).

- دلالة المتعلمين إلى الكتب المتخصصة في هذا الباب، والتفاسير التي عنيت بتدبر المعاني، وتخصيص وقتٍ في الحلقة القرآنية، لمدارسة الآيات التي يطالب المتعلمين بحفظها؛ وذلك من خلال مناقشتهم والاستماع إليهم؛ وذلك بتحضير مسبق بقراءة واعية من كتبٍ مقرر من جهة إدارة المعهد أو المؤسسة، وأرشح هنا كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، إعداد لجنة من المختصين بمركز تفسير للدراسات القرآنية، وتفسير الإمام السعدي -رحمه الله-، وغيرهما من التفاسير المعتمدة لدى أهل العلم.

- عقد اختبارات دروية ونقاشات موضوعية لقياس مدى تقدم المتعلمين وثرائهم الفكري.

- التأكيد الدوري على معلمي القرآن الكريم من قِبل الموجهين والإداريين خلال الاجتماعات الدورية لمجلس الإدارة، على ضرورة أن يقرأ الطلاب الآيات في سلوك معلميهم وأخلاقهم في الحلقة القرآنية قبل أن يقرؤوها في مصاحفهم؛ فما زالت التربية بالنموذج العملي هي أعلى أنواع التربية وأعمقها أثرا في نفوس المتعلمين.

     ولن أبالغ إن قلت: متى كانت دور التحفيظ والمؤسسات القرآنية تحتفل بالقراءة على هذا النحو؛ فإني يوما سأقرأ في طليعة صحفنا السيارة في صباح يومٍ ما قريب: «عادت الأرواح في البيئة المسلمة تستنشق الحياة بمعناها السماوي من جديد»، أليس الصبح بقريب؟!

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة