أخبار سريعة
الأحد 17 فبراير 2019

الملفات » السلفية بين الإقصاء والادّعاء(13) السلفية والعمل بفقه الترجيح دون فقه التوافق

للكاتب: د. خالد آل رحيم

نسخة للطباعة

 

السلفية بين  الإقصاء والادّعاء(13) السلفية والعمل بفقه الترجيح دون فقه التوافق

ما زلنا نواصل حلقاتنا في الرد على الشبهات التي قيلت في حق السلفية في المؤتمر المذكور، وشبهة اليوم وإن شئت فقل فرية، هي أن السلفية تعمل بفقه الترجيح دون فقه التوافق، وهذه الشبهة إنما المقصد منها تمييع الدين واتهام السلفية بالتهاون فيه، وللرد على هذه الشبهة لابد من تعريف لفقه الترجيح، وفقه التوافق والتفريق بينهما، ثم توضيح الأسباب التي جعلتهم يقولون هذه الشبهة.

أولاً: تعريف الترجيح لغة واصطلاحًا

- الترجيح لغة: ترجيح مصدر رجح، ترجيح رأي على آخر: تغليب رأي على آخر، رجح كفة الميزان: جعلها تثقل، رجح أحد الرأيين على الآخر: فضله عليه وقواه ومال إليه، رجحه: أرجحه وفضله وقواه.  

- الترجيح اصطلاحًا: قال ابن النجار: والترجيح فعل المرجح الناظر في الدليل، وهو تقديم إحدى الأمارتين الصالحتين للإفضاء إلى معرفة الحكم لاختصاص تلك الأمارة بقوة في الدلالة. (شرح الكوكب المنير ص618ج4)، وذهب بعض الأصوليين من الأحناف أنه لا فرق بين معنى الترجيح لغة وشرعاً. (ضوابط الترجيح ص50).

- ثانيًا: طرق الترجيح، من المعلوم أن الأدلة الشرعية لا تتعارض أبدًا، وإنما يقع التعارض بينهما في نظر المجتهد؛ ولذلك إذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين، لجأ المجتهد إلى ترجيح أحد النصين على الآخر بطريق من طرق الترجيح الآتية:

الترجيح على الظاهر

     (1) يرجح النص على الظاهر: مثال: قوله -تعالى-: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذلِكُمْ) (النساء: 24)، ظاهر الآية يدل على إباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات من غير المحرمات من النساء، ولكن الظاهر عارضه قوله -تعالى-: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}(النساء: 3)؛ فهذه الآية نص في تحريم نكاح ما زاد على الأربع؛ فيرجح على ظاهر الآية الأولى، ويحرم نكاح ما زاد على أربع زوجات.

ترجيح المفسر على النص

     (2) يرجح المفسر على النص: ومثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم : «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة»، نص في إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، ولو في وقت واحد، وقد عارضه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة». أي ليس عليها إلا وضوء واحد، وهذا المعنى لا يحتمل التأويل؛ فهو المفسر؛ فيرجح على الأول ويكون العمل بمقتضاه.

ترجيح المحكم على ما سواه

     (3) يرجح المحكم على ما سواه من ظاهر أو نص أو مفسر: ومثاله قوله -تعالى-: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (النساء: 24)، نص في إباحة النكاح بغير المحرمات المذكورات قبله؛ فيشمل بعمومه إباحة الزواج بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، ولكن قوله -تعالى-: {ولَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّـهِ عَظِيمًا} (الأحزاب: 53)، محكم في تحريم الزواج بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم  بعد وفاته؛ فيقدم نص الآية الأولى، ويترجح عليها؛ فيكون الحكم حرمة نكاح زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.

ترجيح الحكم الثابت بعبارة النص

     (4) يرجح الحكم الثابت بعبارة النص على الحكم الثابت بإشارته: ومثاله قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى}(البقرة: 178) وقوله: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (النساء: 93)، الآية الأولى دلت بطريقة العبارة على وجوب القصاص من القاتل، والآية الثانية دلت بطريق الإشارة على عدم الاقتصاص من القاتل العمد؛ لأنها جعلت جزاؤه الخلود في جهنم، وقصرت هذا الجزاء على القتل العمد، وهي تبين عقوبته، وهذا يدل بطريق الإشارة على أنه لا تجب عليه  عقوبة أخرى بناء على قاعدة معروفة، وهي أن الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر، ولكن رجح المفهوم بالعبارة عن المفهوم بالإشارة ووجب القصاص من القاتل العمد.

ترجيح الحكم الثابت بإشارة النص

     (5) يرجح الحكم الثابت بإشارة النص على الثابت بدلالته: مثالة قوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّـهِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 92)، {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}(النساء: 93).

     يفهم من الآية الأولى بطريق العبارة، وجوب الكفارة على القاتل الخطأ، ويفهم أيضًا  بطريق الدلالة وجود الكفارة على القاتل العمد  أيضًا؛ لأنه أولى من القاتل الخطأ في وجوب الكفارة عليه؛ لأن سبب الكفارة جناية القتل وهي في  العمد أشد وأفظع منها في الخطأ؛ فكان وجوبها على العامد أولى من وجوبها على المخطئ، ويفهم من الآية الثانية بطريق الإشارة على أن القاتل خطأ لا كفارة عليه في الدنيا؛ لأن الآية قصرت جزاءه على الخلود في جهنم، وهذا القصر في مقام البيان يفيد نفي أي جزاء آخر عنه، وهذا المعني المستفاد بالإشارة يتعارض مع المعنى المستفاد من الآية الأولى بطريق الدلالة؛ فيكون المفهوم بالإشارة أرجح من المفهوم بالدلالة، ويكون الحكم عدم وجوب الكفارة على القاتل عمدًا.

ترجيح دلالة المنطوق

     (6) ترجح دلالة المنطوق على دلالة المفهوم عند التعارض: ومثاله قوله -تعالى-: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}؛ فإذا اعتبرنا فيها مفهوم المخالفة؛ فإنه يعارض قوله -تعالى-: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة: 279)؛ لأنه يفيد بمنطوقة حرمة الربا وإن قل؛ فيقدم على الأول (ص311 الوجيز)، وباب الترجيح باب عظيم وفيه كلام كثير، والقصد من الحديث الموجز عنه هو تعريفه بنبذة سريعة  قبل الحديث عن فقه التوافق ليعرف القارئ الفارق بينهما ولماذا ألقيت هذه الشبهة وألصقت بالسلفية؟

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة