أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

الملفات » إدارة الكلمة الطيبة تقيم ندوة: اعرف الحق تعرف أهله (3)

للكاتب: المحرر المحلي

نسخة للطباعة

 ما زلنا في استعراض ما جاء في ندوة (إدارة الكلمة الطيبة) بجمعية إحياء التراث الإسلامي التي كانت بعنوان: (اعرف الحق تعرف أهله)، وقد استضافت فيها الإدارة كلاً من: الشيخ د. عثمان الخميس، والشيخ د. حسين القحطاني، وها نحن أولاء اليوم مع كلمة الشيخ د. عثمان الخميس، الذي تكلم عن معايير قياس الحق والباطل.

     في البداية شكر الشيخ جمعية إحياء التراث على إتاحة الفرصة لهذه المواضيع التي يحتاج إليها الناس كثيرًا؛ فقد اختلط الحق بالباطل عند بعض الناس، وشوهت صورة الحق ولم يعرف كثير من الناس السبل التي من خلالها يميزون بين الحق والباطل، ولا يفرق بعضهم بين الحق وقائل الحق، وهذه المسائل كلها تؤخذ من عنوان هذه الندوة، وهو عنوان شيق اختير بعناية.

أصل الكلمة

     وعن عنوان المحاضرة وأصل هذا العنوان قال الشيخ: أصل هذه العبارة: (اعرف الحق تعرف أهله) جاءت عن بعض السلف، وقال بعضهم: يعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، وقال آخرون: لا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال، كله هذه تدور حول هذه النقطة ألا وهي أن اتباع الحق حق، والله -جل وعلا- أمرنا باتباع الحق، وأن يكون اتباعنا هذا على بصيرة: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف:108).

الأصل اتباع الحق

     ثم أضاف، أن الأصل أن يتبع الحق، لا أن يتبع صاحب الحق، إلا إذا كان صاحب الحق معصوما؛ ولذا قال الله -تَبَارَكَ وتَعَالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران:103)، وقد ذهب كثير من المفسرين بل أكثر المفسرين إلى أن المقصود بحبل الله هنا هو القرآن الكريم، وذهب بعضهم إلى أنه الإسلام، وقال آخرون: إنه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأيا كان هذا فهو معصوم، أما غير المعصوم فلا تؤمن عليه الفتنة كما قيل: إذا كنت مقتديا فاقتدِ بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

     ثم إن غير المعصوم قد يخطئ، وغير المعصوم قد يضعف عن إظهار الحق وقوله، وغير المعصوم قد يزيغ عن الحق ويتبع الباطل؛ ولذا نسمع بين الفينة والأخرى فلان ارتد، فلان ضل، فلان زاغ، وغير ذلك من الأمور كثير، فإذا كان الأمر كذلك فلابد إذاً من اعتماد هذا العنوان: اعرف الحق تعرف أهله، لا تنظر إلى من قال، ولكن انظر إلى ما قال.

حال الصحابة -رضي الله عنهم

     وبين الشيخ الخميس حال الصحابة قائلاً: والصحابة على جلالة قدرهم إنما تعلقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ذاتا ومعنى ليس فقط لذاته - صلى الله عليه وسلم - وإنما لما جاء به من الحق، صلوات ربي وسلامه عليه، أما غير أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعضهم إنما تعلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بذاته فقط؛ ولذا كانت الردة بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، وقال بعضهم: إنما هي أموال كنا نؤديها لرسول الله؛ فلما مات رسول الله انتهى الأمر، فقالوا: إن الشرع إنما هو بوجود محمد - صلى الله عليه وسلم - فإذا ذهب محمد انتهى كل شيء؛ ولذا قال الله -تَبَارَكَ وتَعَالى-: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران:144).

فصار تعلق الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، لا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فقط، بل إن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - تأثر بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعف لولا أن ثبت الله هذه الأمة -جل في علاه- بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الذي قام بين الناس فقال: «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

     وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغرس هذا في نفوس أصحابه -رضي الله عنهم-؛ فلذا نجده أنه يستشيرهم - صلى الله عليه وسلم - ويقبل اعتراضاتهم في بعض الأحيان، وينبههم إلى ما عندهم من الأخطاء، ويبين في هذا كله أن المقصود هو اتباع الحق لا غير.

استشارة الصحابة

     وذكر بعض الأمثلة فقال: في بدر يستشير النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في الأسرى، وفي أحد يستشير النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه هل يخرجون إلى قتال المشركين أو يقاتلونهم من داخل المدينة، في الحديبية لما اعترض عمر وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف نرضى الدنية من ديننا فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجيبه بهدوء -صلوات ربي وسلامه عليه، ولم يقل له فقط: إني رسول الله، انتهى الموضوع، لا تناقش، بل كان يبين له- صلوات ربي وسلامه عليه.

هدي النبي - صلى الله عليه وسلم 

     ولما جاء سعد بن أبي وقاص إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس بعض الغنائم وترك رجلا لم يعطه، فقال: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا والله إني لأراه مؤمنا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أو مسلما»، فسكت سعد، فقال: والله إني لأراه مؤمنا، فقال: «أو مسلما»، فردها عليه ثلاثا -صلوات ربي وسلامه عليه، ويكفينا من هذا كله قول الله -تَبَارَكَ وتَعَالى-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران:159)، وهكذا كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فما كان يعلقهم في ذاته مع عصمته- صلوات ربي وسلامه عليه، وإنما يعلقهم بالحق الذي جاء به، ومن ذلك قوله في حديث العرباض الذي يحفظه الكل فيما أظن، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، ولم يقل: عليكم بي ولا بأصحابي، وإنما قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، فعلقهم بالمعاني، بالمواضيع، لا بالأشخاص -صلوات ربي وسلامه عليه.

     وقد قال بعض أهل العلم: ولعل هذه هي الحكمة التي من أجلها لم يبق الله جل في علاه- لنبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ولدا ذكرا، حتى لا يتعلق الناس بالذوات، حتى لا يتعلق الناس بنسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بل على الناس أن يتعلقوا بما جاء به النبي- صلوات ربي وسلامه عليه.

التعلق بالحق

     ثم أكد الشيخ الخميس على أن القصد هو أن الإنسان يتعلق بالحق لا أن يتعلق بالرجال؛ فإن الرجال لا تؤمن عليهم الفتنة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح في مسلم، يقول: «النجومُ أَمَنَةٌ للسّماء، فإذا ذهبتِ النّجومُ أتَى السَماءَ ما تُوعَد، وأنا أمَنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون».

عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم 

     وما كان هذا إلا لأن الله -تعالى- جعل العصمة في النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل العصمة في أصحابه إذا اجتمعوا عليها؛ ولذلك قال الله -تَبَارَكَ وتَعَالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}(النساء:115).

قالوا: هو إجماع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الإجماع المتفق عليه بين أهل العلم أنه الذي يمكن أن يقع، وأما غيره من الإجماعات ففيها شك كثير، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».

تعلق الناس بالذوات

     ثم بين الشيخ أسباب تعلق الناس بالذوات والأشخاص لا بما جاؤوا به، وذكر منها: إعجاب الناس بهم وتعظيمهم، وذلك أن الناس إذا أعجبوا بشخص قالوا: إنه لا يُخطئ أبدا، وقلدوه في كل شيء، وقبلوا منه الحق والباطل، ولا شك أن الناس يأتون بالحق ويأتون بالباطل، أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يأتي إلا بالحق؛ لأنه المعصوم - صلى الله عليه وسلم .

     أما في زماننا هذا خاصة فإنه لا يجوز التعلق بالبشر أبدا، وجزى الله -تَبَارَكَ وتَعَالى- أخي الدكتور حسين -حفظه الله تَبَارَكَ وتَعَالى- لما ذكر كلمة الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لما قال له رجل: إلى ماذا أقرأ في الرأي؟ قال: اقرأ في الكتاب والسنة، قال: فإن عبد الله بن المبارك ينظر في الرأي، قال: عبد الله بن المبارك ما نزل من السماء.

مخالطة العلماء

     ثم بين الشيخ أن مخالطة العلماء والقدوات تبين للإنسان حقيقتهم وأنهم بشر، وأنهم يتبسطون مع الناس؛ ولذا الصحابة الذين خالطوا النبي مخالطة العلماء ليسوا كالذين لم يخالطوه؛ فالذين خالطوه عرفوا منه -صلوات ربي وسلامه عليه- السماحة وحسن الخلق والاستشارة، وما أجمل تلك المقالة من النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» -صلوات ربي وسلامه عليه، ليبين لهم -صلوات ربي وسلامه عليه- ألا يتعلقوا بشخصه كشخص، وإنما بوصفه رسولا - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك المرتدون عندما ننظر إلى حالهم وإلى المنافقين كذلك سنجد أنهم قلت خلطتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك لم يتأثروا كما تأثر به أصحابه الذين لازموه.

اتبع القول لا القائل

     ثم أشار الشيخ إلى كلمة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قالها لأبي هريرة - رضي الله عنه - عندما علم الشيطان أبا هريرة - رضي الله عنه - ما يعصمه منه وهي آية الكرسي؛ فقال النبي اتبع القول لا القائل: «صدقك وهو الكذوب»، إشارة وتنبيه من النبي اتبع القول لا القائل، المهم القول وليس المهم القائل، حتى لو كان القائل هو الشيطان الرجيم، ومع هذا النبي اتبع القول لا القائل قال: «صدقك وهو الكذوب»، ولم يحمله بغضه للشيطان الرجيم أن يقول له: هذا كذب، هذا غير صحيح، هذا خطأ، أبدا، وإنما قبل الحق؛ لأن المراد هو الحق وليس قائل الحق.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة