أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

الملفات » محطات رمضانية - وقفات تربوية.. ونفحات إيمانية..وثمار عملية

للكاتب: أيمن الشعبان

نسخة للطباعة

 محطات رمضانية - وقفات تربوية.. ونفحات إيمانية..وثمار عملية

شهر رمضان موسم للطاعات، أفاض الله على الصائمين فيه من الخيرات، وشرّف أوقاته على سائر الأوقات؛ لذلك نسوق هذه النفحات والوقفات وهي محطات إيمانية وتربوية نستنشق فيها نسائم الرحمات، وننهل من بستان رمضان شهر الخيرات، نقطف الثمار والأزهار، ليتجلى ما فيها من فوائد وعبر وأسرار، علنا ننال رضا العزيز الغفار، ونكون فيه من المرحومين الفائزين الرابحين المأجورين المعتوقين من النار.

     إنَّ أنفعَ وأفضلَ ما يُستَقبلُ به هذا الشهرُ العظيم التوبةُ الصادقةُ إلى الله -سبحانه- من الذنوب والمعاصي، وتطهيرُ القلب من الأدران، وتنظيفُه من المعاصي، وتنقيتُه من الآثام، وتصفيتُه من الآفات والأمراض التي عَلِقت به، من الغِلِّ والحسدِ والبغضاءِ والشحناءِ والتقاطعِ والتدابر، قال -تعالى-: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور:31).. فلنُطهِّر قلوبنا قبل موسم الحصاد، ولنغسلها بماء التوبة وثلج الإنابة وبَرَدِ الاستغفار، اللهمَّ بَاعِدْ بيننا وبينَ خطايَانا، كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ، اللهمَّ نَقِّنِا من الخطايَا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، اللهمَّ اغْسِلْ خطايَانا بالماءِ والثلجِ والبَرَدِ.

قُوَّةُ الْقلب وإراداتُه

     قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: فَإِذا تَابَ – أي القلبُ - من الذُّنُوب تخلصت قُوَّةُ الْقلب وإراداتُه للأعمال الصَّالِحَة واستراح الْقلبُ من تِلْكَ الْحَوَادِث الْفَاسِدَة الَّتِي كَانَت فِيهِ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: فإذا عَزَمتَ التوبةَ وصحَّت ونَشَأَت من صميم القلب أحرقت ما مرت عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائبَ من الذنب لا ذنب له.

السعيد الموفق

     فالسعيدُ الموفقُ من وُفِّقَ فيهِ لِلُزومِ الطاعات وهَجرِ المُحرماتِ، والحرصِ على تحقيقِ مرضاةِ ربِّ الأرضِ والسموات، إن الله -سبحانه وتعالى- ميز هذا الشهرُ الفضيل بخصائصَ جَمَّةٍ, وفوائدَ عظيمة، تعكسُ حقيقةَ وأهميةَ هذا الموسم، تتجلى من خلالها وتجتمعُ الأجور الكثيرة، مع مضاعفة الحسنات وتنوع الطاعات؛ إذ تجتمع فيه أركان الإسلام الخمسة.

شهرُ التوحيد

فرمضانُ شهرُ التوحيد؛ إذ يظهرُ فيه التسليمُ التام لأحكام الله -عز وجل-، والانقيادُ الكامل والخضوع، مع ما فيها من مشقةٍ على النفس وتغييرٍ لنظام الحياة اليومي، واجتنابِ أصناف الحلال المباح في أوقات معينة.

     وإخلاص الأعمال لله هو أصلُ الدين وعليه مدارُه، وهو التوحيد الذي أرسل اللهُ به الرسل وأنزل من أجله الكتب، (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، والصوم لا يقع فيه الرياء (بمجرد العمل) الناقض للإخلاص؛ لأنه لا يطَّلِع عليه إلا الله بخلاف سائر الأعمال، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلّ أن يسلم ما يظهر من شَوبٍ بخلاف الصوم.

الصلاة عمود الدين

     الصلاة عمود الدين والركن الثاني من أركان الإسلام؛ حيث يجتمع المسلمون في صلاة قيام الليل من رمضان، لتقوية الصلة بالله -عز وجل-، لكن لابد من التصديق بوعد الله وثوابه وتحقيق هذه العبادة، بما فيها من قراءة وخشوع ودعاء وتضرع وحُسنِ التجاء، مع ضرورة إخلاص النية وصدق الطوية، طلبا للأجر والثواب بعيداً عن مدحِ وثناءِ الناس؛ إذ يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم : «مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحتِساباً؛ غُفِرَ لهُ ما تَقدَّمَ من ذنبه»، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَة»، وقيل لأحمدَ بنِ حنبل -رحمه الله-: يعجبك أن يصليَ الرجلُ مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال: يصلي مع الناس، وكان يقول: يعجبني أن يصليَ مع الإمام ويوترَ معه.

مِصْبَاحَ الْعَام

     يقول ابن الجوزي -رحمه الله- عن رمضان: شهرٌ جعله اللهُ مِصْبَاحَ الْعَام وواسطةَ النظام وأشرفَ قَوَاعِد الْإِسْلَام المشرفَ بِنور الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِيَام، ورمضان شهر الإنفاق والجود؛ من حيثُ الصدقاتُ أو زكاةُ المال المفروض؛ إذِ اعتاد كثيرٌ من المسلمين إخراجُها في هذا الشهر المبارك؛ لتوافقَ شرفَ الزمان وتتضاعفَ الأجورَ ويحصلَ التآلفُ والتكافلُ بين المسلمين، كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.

شهر البذل والعطاء

     فنحن في شهر البذل والعطاء والجود والنفقات، في شهر النفوس السخية والأكف الندية، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، وذكر أبو بكر بن أبي مريم -رحمه الله- عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهرُ رمضان فانبَسِطوا فيه بالنفقة؛ فإن النفقةَ فيه مضاعفةٌ كالنفقة في سبيل الله، قال الشافعي -رحمه الله-: أُحِبُّ للرَّجُلِ الزيادةَ في الجودِ في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجةِ الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغلِ كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، أما ركن الحج يقول صلى الله عليه وسلم: «فَإنَّ عُمرةً في رمضان تَقضي حَجةً معي»، قال ابن العربي -رحمه الله-: هو فضلٌ من الله ونعمةٌ؛ فقد أدركتِ العمرةُ منزلةَ الحج بانضمامِ رمضانَ إليها، وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: فيه أنَّ ثوابَ العملِ يزيدُ بزيادةِ شرفِ الوقتِ، كما يزيدُ بحضورِ القلبِ وبخلوص القلب.

الصيام عبادة وليس عادة

     هذه محطةٌ مهمةٌ ووقفة ضرورية، ينبغي استحضارُها واستذكارُها طيلةَ هذا الشهر الفضيل، بل وفي جميع الطاعات والصالحات؛ لأنها الفيصلُ في قبول الطاعة أو ردِّها، صوم رمضان ركنٌ من أركان الإسلام، وفريضةٌ من فرائضه العظام، وعبادةٌ جليلة عظيمة، وقربةٌ وطاعة تختلف عن سائر العبادات والأعمال اختصها ذو الجلال والإكرام لنفسه.

عبادةٌ جليلة

     فالصيامُ عبادةٌ جليلة لها آثارٌ عظيمة ينبغي استشعارُها، وليس مجردَ الامتناعِ عن الطعام والشراب وبعضِ المباحات، بل هو سرٌ بين العبد وربه؛ إذ فيه تزكيةٌ للنفس وتنقيتُها من الأخلاق الرذيلة، وطمأنينةٌ للقلب وانشراحٌ للصدر، ينبغي استشعارُ حقيقةٍ مهمةٍ جدا، هي أنَّ الامتناعَ عن الطعام، والشراب، والنكاح، عبادةٌ عظيمةٌ يحققها العبد في سره وعلانيته، خوفاً من الله ومراقبةً له وابتغاءَ مرضاته؛ لذلك يقول الله في الحديث القدسي: «يَترُكُ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ منْ أجْلِي»، قال عمر رضي الله عنه : لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْبَاطِلِ، وَاللَّغْوِ، وَالْحَلِفِ، إنَّ تركَ الطعامِ والشرابِ وبعضِ المباحات في نهار رمضان، هو جزءٌ من الصيام لا الصومَ كلَّه، يقول ميمون بن مهران -رحمه الله-: أهونُ الصيامِ الصيامُ عن الطعام، أخرج البخاري ومسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

الإيمانِ والاحتسابِ

     وحتى يحققَ الصائمُ الأجرَ العظيمَ والثوابَ الجزيلَ والنفعَ العميم؛ فلابد من الإيمانِ والاحتسابِ، وهما مدارُ الفرقِ بين العادة والعبادة؛ «فإنما الأعمال بالنيات» ومن الأهمية بمكان استحضارُ النيةِ الصالحة لهذه الفريضة المباركة، وبخلافه يكون الصيامُ إرثاً وتقليداً ومحاكاةً وعادة؛ فلننتبه رعاكم الله.قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-: رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ، وقال محمد بن الحسين -رحمه الله-: ينبغي للرجل أن تكون نيتُه بينَ يدي عَمَله، وقال ثابت البناني -رحمه الله-: نيةُ المؤمنِ أبلغُ من عَمَلِه.

منحةٌ ربانيةٌ

     شهرُ رمضان منحةٌ ربانيةٌ للأمة الإسلامية، ومحطةٌ من محطات مراجعة النفس والخَلوةِ مع كتاب الله -عز وجل-، وحسنِ الالتجاءِ لله -سبحانه- وصدقِ التضرع؛ فشتّانَ بين من يصومُ عن الطعام والشراب فحسب، ومن يحققُ تقوى الله ويبذلُ وُسعَه وجهدَه ويستغلُّ وقتَه ويجتهدُ في طاعة الله بعيداً عن الملهيات ومضيعة الأوقات؛ فلا تجعل من رمضان شهرَ نومٍ وكسلٍ وخمول!

     لنعقدَ العزمَ من الآن؛ ولنُحدِّث أنفسَنا بأن نصومَ صيامَ مودِّعٍ؛ فلنُخلِص النيات ولنتجرد في أعمالنا وطاعاتنا لرب الأرض والسموات، عَلَّنا ننالُ الأجرَ والمثوبات ودخولَ الجنات؛ فالتاجر الرابح الحاذق الذي يستثمر موسم التجارة، بأفضل الأرباح وأعظمها، بل ويستعد لذلك أتم الاستعداد، لعلمه ويقينه بالعائد الكبير والربح الوفير في ذلكم الموسم.

تحفيز النبي صلى الله عليه وسلم

ولنتأمل عِظَمَ وأهمية هذا الموسم الكبير، من خلال تحفيز نبينا -عليه الصلاة والسلام- لصحابته الكرام في بداية رمضان، مخاطبا لهم مستنفرا جميع قواهم مستنهضا هِممهم محفزا إياهم، للاستكثار من بركاته وخيراته التي لا تعد ولا تحصى.

     أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ».

     فرمضان موسم قد لا يعوض، وفرصةٌ قد لا تتكرر، وشهر للاستزادة من جميع أنواع الخير والبر؛ لأن النفوس مقبلة، والأجواء إيمانية أكثر من غيرها، قال -تعالى-: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(الحديد:21).

     يقول -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ؛ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ؛ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة