أخبار سريعة
الإثنين 15 يوليو 2019

الملفات » معالم التـأديب التربـوي في الحلقات القرآنية (7) الحفظ الدائم لا يتحقق إلا بالتأديب التربوي

للكاتب: د. علي الزهراني

نسخة للطباعة

 معالم التـأديب التربـوي في الحلقات القرآنية (7) الحفظ الدائم لا يتحقق إلا بالتأديب التربوي


ما زلنا نتحدث عن بعض معالم التأديب التربوي للحلقات القرآنية؛ حيث ذكرنا أنه من الوسائل المساعدة على حفظ القرآن الكريم والتخلق بأخلاقه، والحصول على السعادة التي تنال بتزكية النفس وتكميلها، وإن تكميلها يكون باكتساب الفضائل؛ ولذلك لابد من معرفة الفضائل جملة وتفصيلا، وقياسًا على ذلك؛ فإن الحفظ المتين الدائم لن يتحقق إلّا بالتأديب التربوي.

11- تعريف التلاميذ بدعائم الحفظ المتين

يستطيع التلميذ الحفظ والتقدم فيه بيسر وسهولة إذا عَرَف بعض العوامل المساعدة على الحفظ، حتى يراعيها في حفظه ومراجعته لكتاب الله -عز وجل- في الحلقة القرآنية.

إن معرفة هذه الدعائم، سوف تجعل عملية الحفظ عند التلميذ تسير بيسر وسهولة، ويبقى ماحفطه التلميذ من آيات مدة طويلة يتمكن من تذكرها في المواقف المختلفة، أو إذا طلب إليه استرجاعها.

دعائم الحفظ

- وفي ظني أن أحد الأساليب المهمة هو أن يعرف التلميذ هذه الدعائم كما يعرف اسمه، ولايبدأ في الحفظ إلاّبعد إدراكها، والباحث لن يتحدث عن بيان هذه الدعائم بالتفصيل؛ لأن المجال لايتسع لذلك، ولكن يرغب التأكيد عليها ومراعاتها في الحلقات القرآنية والإشارة إلى أهمها، ومن هذه الدعائم مايلي:

الإخلاص

1- الإخلاص في النية؛ لأن نية الطالب تثمر التوجه الكامل إلى الحفظ والفهم والعمل بما يهدي إليه القرآن.

فهم المعاني

2- فهم معاني النصوص المحفوظة إجمالاً؛ لأن ذلك يساعد على الحفظ وبقاء المحفوظ، كما دلت الدراسات والبحوث التربوية في ذلك.

الثقة

3- ثقة التلميذ بقدراته؛ لأنه يساعده على الحفظ سوف تساعده على الحفظ؛ لأن الحفظ وسيلة عقلية يقوى ويضعف حسب هذه الثقة؛ لذا ينبغي على معلم الحلقات أن يوجه التلاميذ إلى العوامل المساعدة على الحفظ الجيد، ويحذرهم من العوامل التي تحول دون الحفظ المتين، مثل ضعف الثقة بالنفس، والإضطرابات النفسية؛ فهذه ممن معاول هدم الحفظ.

     وقد دلت الدراسات والبحوث، أن التلميذ إذا بدأ في تعلم مادة وهو لايثق بنفسه وبقدرته على الحفظ؛ فهذه أول ضربة قاصمة لعملية التعلم ومايتقبلها من حفظ وتذكر، ولابد أن يثق الطالب بنفسه ليقوم بالتعلم والحفظ، والثقة بالنفس تولد الاستعداد الذهني والتحفز البدني، ودونها تفتر الهمة ويتبلد الذهن».

التمرن

4- التعود والتمرن على حصر الانتباه وقصد الحفظ؛ يؤكد التربويون هذا الدعم للحفظ، لكون الاعتياد والقصد يعملان على سرعة الحفظ وثباته، وذلك بتكرار الآيات المرغوب حفظها، لتثمر الاستظهار الفاعل مالم يصاحبها حصر الانتباه، وقصد الحفظ المتمثل في الرغبة والعزم عليه؛ لذلك يحتاج التلاميذ إلى تذكيرهم بهذا الأمر، وتعويدهم عليه، وسوف يجدون ثمرته عاجلاً؛ مما يجعلهم يستحضرونه بعدئذ ذاتياً؛ فيقوى حفظهم ويزيد، ويقل الجهد المبذول في الحفظ؛ فلا يصاب التلميذ بالسآمة والملل والإرهاق، وقد أكدت دراسة تجريبية «إننا نتعلم بسرعة أعظم إذا ماعقدنا العزم على أن نتعلم؛ ولهذا ينبغي أن يعقد التلاميذ العزم إذا أرادوا أن يتعلموا، وأن يشعروا بأن تعلمهم وحفظهم يستحق الجهد المبذول»، وقد كان السلف يراعون هذا الجانب في تعليمهم القرآن الكريم بالتكرار والفهم، وجاءت الدراسات والبحوث والتجارب الحديثة في علم النفس تؤكد ذلك، بمعنى أن الحفظ مع الفهم أسرع وأثبت وأدعى إلى عدم النسيان، وأقوى على الاسترجاع».

12- تقوية الصلة بين التلاميذ والقرآن الكريم

إن هذا المَعْلَم يتحقق من خلال قيام الطلاب بالحفظ، والتلاوة، والترتيل، والمراجعة المستمرة، مع التدبر في معاني الآيات القرآنية المتلوة، والوقوف على الأحكام التي تتضمنها الآيات.

     إن إشعار التلميذ بهذا الجانب، سوف يدفعه إلى الرجوع إلى أحكام القرآن الكريم وهدايته؛ الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق السعادة النفسية والطمأنينة القلبية، وهذا بدوره يدفع المتعلم إلى التقرب إلى الله -عز وجل- بقراءته وجلوسه في حلقة القرآن وتسميعه لما حفظ وتعمله مع العلم، والتخلق بأخلاق القرآن، ومراعاة آداب المسجد؛ وبهذا يصبح تعلم القرآن من العبادات التي يتقرب بها التلميذ إلى ربه -عز وجل- وهذا الأمر لن يتحقق دون التأديب التربوي على أخلاق القرآن في الحلقات القرآنية.

13- بالتربية يُتَعلم القرآن

     إن تعلم القرآن كلمة مطلقة، لا تقتصر على الحفظ وتعلم أحكام التلاوة فحسب، بل تشمل الحفظ وأحكام التلاوة، وتعلم تفسيره أو تعلم أسباب النزول، أو أي علم من علوم القرآن» وعلى هذا ليس صحيحاً أن نقتصر على الحفظ، بل يجب أن نسمح للمعلمين في الحلقات القرآنية بالعناية ببعض الأمور التي تساعد على الحفظ، وعلى التحلي بالخلق الحسن، وحسن التعامل مع التلاميذ، والمعلم داخل بيئة الحلقة القرآنية.

تغيير صحيح

     إن التعليم في الحلقة القرآنية، يجب أن يثمر تغييراً صحيحاً في شخصية المتعلم في مفرداته العلمية وفي ميوله، واتجاهاته وأخلاقه؛ حتى يصبح الطفل شخصية متوازنة، لديه خبرات علمية في الحفظ والقراءة والتجويد، والسلوك، والأخلاق، ويصبح لتلك الخبرات التعليمية التي اكتسبها في الحلقات القرآنية قيمة تربوية تؤثر في سلوك المتعلم في الحلقة أو خارجها؛ لأن مهمة المدرسة والحلقة مهمة تربوية، وليست مهمة تعليمية فقط.

تربية ناقصة

     إن التلميذ الذي يكتسب معلومات فقط كالحفظ دون العناية بتوجيه سلوكه؛ فهذه تربية ناقصة، بل وقليلة القيمة من الناحية التربوية وحاله يشبه من يستمع إلى خطيب المسجد الذي ينهى عن الغش والخداع والكذب، لكنه يمارس هذه السلوكات عملياً وعليه؛ فإن المعلومات كالحفظ مثلاً، لاتكون مؤثرة في حياة التلميذ، إلّا إذا استطاع أن يحولها إلى سلوك يمارسه في حياته، وعليه فالواجب الالتفات إلى التربية في الحلقات ليصبح التلميذ قادراً على التمييز بين الفضائل التي تليق بطلاب حلقات حفظ القرآن على وجه الخصوص، وبين الرذائل التي لايحسن ظهورها عليهم.

الحماية من الانحراف

     إن الكثير من الآباء يرومون من وراء إرسال أولادهم إلى الحلقة القرآنية إلى حفظ القرآن، ومعرفة آدابه وأخلاقه؛ حتى يسلموا من مظاهر الانحراف المنتشرة في المجتمع، والقليل منهم يرغب في الحفظ فقط، ولاسيما أولئك الآباء الذين يقيسون نجاح الحلقة بالحفظ، وهذا لاشك هدف نبيل ومطلوب العمل على تحقيقه؛ لأن حفظ القرآن ميزة هذه الأمة، وعليه قامت حضارتها وسيادتها، ولاينبغي التفريط فيه، ولكننا مع ذلك لانستطيع أن نجعل هذا الغرض الأسمى هو الغرض الوحيد للحلقات القرآنية؛ لأن حفظ القرآن في ظني لايؤثر في سلوك التلميذ إذا لم يتربَ على أخلاقه، بل أصبحنا نرى بعض الحفاظ الذين تخرجوا من الحلقات القرآنية، لا يقيم لهم المجتمع وزناً لما عرف عنهم من النقائص الخلُقية.

البدء بالمعوذتين

     ولقد رخص العلماء في تعليم القرآن أن يبدأ من المعوذتين، ثم يرتفع إلى سورة البقرة لتسهيل الحفظ عليهم؛ لأنه يصعب على بعض الناس البداية من السور الطوال على التأليف المعهود، بكون ترتيب السور القرآنية توقيفي؛ فلا ينبغي مخالفته، ولكن مراعاة لمبدأ التدرج مع الطفل، من الأسهل إلى الأصعب رخص العلماء ذلك.

الأنشطة المصاحبة

     وفي ضوء ماسبق؛ فإنني أرى أن نسمح بتقديم بعض الآداب والبرامج، والأنشطة المصاحبة في تعليم القرآن في الحلقات القرآنية؛ حيث إن تعليم القرآن للأجيال صورة شمولية يجب أن يتضمن التلاوة والتزكية والتعليم، ولاسيما في المراحل المبكرة من أعمارهم، حتي يصبح التلميذ متوافقاً نفسياً واجتماعياً، بل ومنضبطاً بأخلاقه وأحكامه، ويتقن العمل به؛ فلا يلحن في سلوكه؛ حيث إن تعليم الصغار أشد رسوخاً، وهو أصل لما بعده؛ لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات وعلى حسب الأساس وأساليبه، يكون حال مايبنى عليه.

15- تحديد الطريقة التي يفضلها التلميذ

     ينبغي أن يقوم المعلم بإجراء مقابلة للتلميذ الذي سوف ينظم إلى حلقته، ليتعرف على قدرات التلميذ، ومدى رغبته في الحفظ وجديته، ونوع الطريقة التي يرغب الحفظ بها، وإنني أعتقد أن تنويع طرائق الحفظ بين التلاميذ حسب ميولهم ورغباتهم في نوع الطريقة، سوف يساعد على الحفظ في زمن يسير، فضلا عن جودة الحفظ وإتقانه.

      وقد أرشد السلف إلى أهمية هذا المبدأ، وضرورة مراعاته بين المتعلمين في الحلقات حتى يتحقق الهدف التربوي والتعليمي؛ حيث إن التكليف مع أحوال المتعلمين ومسايرة قدراتهم في الحفظ والتحصيل، وهذه بعض التوصيات للسلف في هذا الباب، يقول صاحب منهاج التعلم: «يجب على المعلم أن يشخص طبيعة المبتدئ من الذكاء والغباوة ويعلمه مع مقدار وسعه، ولايكلف الزيادة عن مقداره؛ فإنه إذا كلف يئس عن تحصيل العلم ويتبع الهوى ويشكل تعليمه».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة