أخبار سريعة
الإثنين 23 سبتمبر 2019

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ » الإسلاموفوبيا والاستلاب الثقافي (1)

للكاتب: د. محمد احمد لوح

نسخة للطباعة

 الإسلاموفوبيا والاستلاب الثقافي (1)

مما لاشك فيه أن مهمة الحفاظ على قيم الأمة وهويتها موكولة إلى علمائها؛فاجتماعهم وتعاونهم على الحفاظ على دين الأمة، وكتابها وسنة نبيها صمام أمان يحمي الأمة من التشتت والانشقاق، وذهاب الريح، وتسلط العداء، وفقدان الهوية.

     وكلمة (إسلاموفوبيا)Islamophobia المنقولة عن اللفظ اللاتيني مكتوبا بحروف عربية، تنطوي على معنى أنها ظاهرة مرضية، تعني الخوف من الإسلام، نتيجة عملية تخويف صنعت صنعا لتكون أداة تحقق أغراضا محددة، ويستمد هذا المفهوم من (الفوبيا) إحدى أعراض الأمراض النفسية، وهي حالة من حالات الوسواس القهري حين لا يستطيع المريض التحكم في ردود أفعاله عند تعرضه للمثير الذي يسبب له الخوف والرهاب النفسي.

وقد لوحظ استخدام هذا المصطلح منذ عام 1976، لكن استعماله بقي نادرا في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، ثم انتشر المصطلح انتشارا سريعا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

وظاهرة الإسلاموفوبيا ترتبط بتنامي المشاعر السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في المجتمعات الغربية، وانطلاق سلوكيات غربية مجحفة بحقوق الأطراف المسلمة.

المستوى الفكري

     وعلى المستوى الفكري ترتبط هذه الظاهرة بنظرة اختزالية للإسلام، بوصفه مجموعة محدودة وجامدة من العقائد التي تحض على العنف والرجعية والنظرة السلبية للآخر، وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان، وهي معتقدات يؤكد المصابون بالإسلاموفوبيا أنها انعكاس مباشر لرسالة الإسلام نفسها.

وانطلاقا من الرؤى السابقة يرى المصابون بالإسلاموفوبيا أن العداء للإسلام والمسلمين والتحيز ضدهم أمر طبيعي، ورد فعل تلقائي على طبيعة المسلمين الشريرة؛ لذا فهم يساندون التمييز ضد المسلمين وحشد قوى الغرب في حرب ضد الإسلام وأتباعه.

مصطلح الإسلاموفوبيا

وعلى هذا نستطيع أن نقرر أن مصطلح (الإسلاموفوبيا) يعني:

ممارسة التخويف من الإسلام والمنسوبين إليه، بوصفها أداة لتحقيق أغراض محددة أبرزها الحد من انتشار الإسلام في المجتمعات الغربية.

زخم كبير

     ومن الجدير بالذكر أن هذا المصطلح قد اكتسب زخما كبيراً في الأوساط العلمية، والبحثية، والإعلامية، على نحو لم يعهد لكثير من المصطلحات المعبرة عن علاقات الأمم ببعضها؛ فمن خلال مراجعة سريعة لتكرار ظهور مصطلح الإسلاموفوبيا في بعض أشهر الصحف الغربية، تنكشف الزيادة المطردة في استخدامه خلال السنوات الأخيرة عموما، وفي عام 2010 خصوصا.

ظواهر عدة

مع العلم بأن استخدام وسائل الإعلام الغربية لمصطلح الإسلاموفوبيا يرتبط عادة بظواهر عدة مثل:

1- وقوع أو إحباط عمليات إرهابية تستهدف المجتمعات الغربية؛ مما يثير تساؤل الغربيين حول وجود توجهات معادية للغرب وسط الأقليات المسلمة بالبلدان الغربية.

2- ويرتبط ظهور المصطلح في آونة أخرى بالجدل الدائر داخل المجتمعات الغربية ذاتها حول طبيعة تلك المجتمعات وهوياتها ومواقف النخب السياسية الغربية من تلك القضايا، وما إذا كانت مشاريع النخب الغربية اليسارية المنادية بالتعددية والانفتاح الثقافي على المهاجرين والأقليات هي مشاريع مفيدة للغرب، أم إنها أضرت به، كما يرى أصحاب التوجهات اليمينية المنادية بالعودة إلى التراث الثقافي التقليدي للغرب؟

3- كما ارتبط استخدام المصطلح بردود أفعال العالم الإسلامي تجاه بعض الإساءات التي تعرض لها الإسلام من قبل شخصيات ومؤسسات غربية مختلفة، كما حدث ردا على الرسومات الدانمركية المسيئة إلى الرسول[ في أوائل 2006، وردا على تصريحات بابا الفاتيكان في حق الإسلام آنذاك.

قراءات في أسباب ظهور الإسلاموفوبيا

هناك قراءات متعددة لأسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في الآونة الأخيرة منها:

قراءة ثقافية

1- منها قراءة ثقافية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا هو انعكاس لمشاعر سلبية عميقة مدفونة في وعي المواطن الغربي ضد الإسلام والمسلمين، وتعبير عن تحيز تاريخي وثقافي ضد الإسلام، وضد المسلمين وحضارتهم.

الأحداث الدولية

2- وقراءة ترى أن ظاهرة الإسلاموفوبيا نتاج لبعض الأحداث الدولية التي أثرت بقوة على العلاقات بين العالم الإسلامي والمجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة، وعلى رأس هذه الأحداث، هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وما تبعها من هجمات إرهابية -رفع مرتكبوها شعارات إسلامية- ضربت مجتمعات غربية مختلفة مثل إسبانيا وبريطانيا.

أصحاب المصالح

 3- وهناك قراءة تحمل أصحاب المصالح المسؤولية الكبرى، في انفصام عرى السلم بين الغرب والعالم الإسلامي، وفي تأجيج نيران العداء بين الطرفين، مستخدمين وسائل الإعلام بنهج يثير الاشمئزاز؛ حيث يتلقفون الدعوات المتطرفة -حتى وإن كانت صادرة عن فرد أو مجموعة هزيلة مجهولة- ويعملون على تضخيمها وإبرازها إعلاميا.

تصريحات متواترة

     فنجد تصريحات متواترة: هذه من مسؤول التنظيم في بلاد الشام، وتلك منسوبة لزعيم تنظيم آخر في بلاد المغرب العربي، وأخرى على لسان أمير الجماعة في شرق أوربا، وهكذا باستمرار حتى يتسرب الفزع إلى قلوب كل أسرة غربية من الخطر القادم من العالم الإسلامي لسحقهم؛ فيسارعوا بالارتماء في أحضان حكوماتهم ليفوضوها بالتصدي لهذا الخطر الداهم!

مناهج دراسة الإسلام

4- وقراءة أخرى تؤكد أن مناهج دراسة الإسلام في الغرب بدأت متأثرة بالتراث التنصيري الاستشراقي، ومحملة بتحيزاته وأهدافه في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وما تزال هذه المناهج تحمل قدرا كبيرا من تلك الآثار.

إشكاليات التجاذب

5- وقراءة أخرى تركز على إشكاليات التجاذب بين التهميش والاندماج التي يواجهها مهاجرو الجيل الثاني من مسلمي أوروبا، وترى أن قضية الاندماج صارت تشغل مساحة كبيرة في أجندة اهتمامات رجال السياسة والاجتماع، ولاسيما بعدما تبين أن هناك شعورا سائدا بين الأوروبيين بأن جوهر هويتهم وثقافتهم وتقاليدهم يواجه تهديدا من قبل المهاجرين وثقافتهم المغايرة، غير أن المهاجرين، من جهة أخرى، يشعرون بأنهم بقعة من الزيت غير قابلة للذوبان في المحيط الاجتماعي من حولهم.

قراءة سياسية اجتماعية

6- وهناك قراءة سياسية اجتماعية ترى أن صعود الإسلاموفوبيا خلال السنوات الأخيرة انعكاس لبعض التغيرات المجتمعية الكبرى التي لحقت

     بالمجتمعات الغربية والإسلامية على حد سواء خلال العقود الأخيرة، وعلى رأس هذه التحولات تراجع قوى اليسار الغربي التقليدية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وصعود قوى اليمين الثقافي والدين في الغرب، في مواجهة صحوة إسلامية كبرى، عمت العالم الإسلامي خلال الفترة ذاتها، فضلا عن تنامي عدد المسلمين في الغرب؛ فقد رصد مركز (بيو) الأمريكي المتخصص في أبحاث الدين والسكان في العالم أن الإسلام هو الدين الأسرع نموا في أوربا؛ حيث تضاعف عدد المسلمين في القارة الأوربية ثلاث مرات خلال السنوات ال 30 الماضية، وأرجع المركز ذلك إلى ارتفاع معدلات الهجرة، فضلا عن زيادة أعداد المواليد في الأسر المسلمة المهاجرة، وأغفل ذكر نسبة كبيرة من الأوروبيين اعتنقوا الإسلام في السنوات الأخيرة.

المجتمع الأوروبي

     والحق أن المجتمع الأوروبي - في معظمه - لما وجد أن نسبة لا بأس بها من الشعب الأمريكي والأوروبي بدأ يكتشف حقيقة الإسلام، بوصفه دینا سماويا، وأخذ يدخل الإسلام جماعات ووحدانا، شعر بالخطر من أن يصل هذا الدين إلى أبوابه الداخلية؛ فكان عليه أن يجد أي وسيلة توقف زحفه على أراضيه؛ فلم يجد وسيلة أنجع من وصف الإسلام بالإرهاب، بوصفها وسيلة دفاعية وقائية لوقف انتشار هذا الدين.

     وهذه القراءة الأخيرة والتي قبلها رغم دقة القراءات الأخرى تمثلان أسلوبا أكثر ديناميكية لفهم أسباب صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية خلال العقود الأخيرة، وتؤكد أن لكل من المسلمين والغرب دورا في التأثير على تفاقم تلك الظاهرة الخطيرة، وهي حالة أقرب ما تكون إلى مفهوم صراع الحضارات الذي عززه وروج له (هانتنغتون)، وتلقفته دعايات الميديا الغربية من السينما والتلفزيون والصحافة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة