أخبار سريعة
الخميس 24 اكتوبر 2019

الملفات » بمناسبة اليوم العالمي للمسنين - الإسلام يسبق العالم في البر بالوالدين

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

 بمناسبة اليوم العالمي للمسنين - الإسلام يسبق العالم  في البر بالوالدين

 

 

 

احتفل العالم بداية هذا الشهر بذكرى اليوم العالمي للمسنين، وهو يوم يُعتنى فيه بكبار السن من الجنسين، لكن الحقيقة التي يجب ألا يغفل عنها أحد أن الإسلام كان أول من نادى ببر الوالدين ورعايتهما ومصاحبتهما في الدنيا بالحسنى، قال الله -تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} (الإسراء: 23)

     والمعروف أن اليوم العالمي للمسنين أو اليوم العالمي لكبار السن، هو أحد المناسبات السنوية التي تحييها الأمم المتحدة في الأول من أكتوبر من كل سنة، وتستهدف هذه الاحتفالية لفت الانتباه إلى هذه الفئة العمرية التي ساهمت في تنمية المجتمعات وقدرتها على مواصلة المساهمة، كذلك التوعية بأهمية الرعاية الوقائية والعلاجية لهم، وتعزيز الخدمات الصحية والوقاية من الأمراض، وتوفير التكنولوجيا الملائمة والتأهيل، وكذلك توفير المرافق اللازمة لتلبية احتياجات كبار السن، وحث المنظمات غير الحكومية والأسر على تقديم الدعم للمسنين لاتباع أسلوب صحي جيد، والتعاون بين المؤسسات الحكومية والأسر والأفراد لتوفير بيئة جيدة لصحة المسنين ورفاهيتهم.

رعاية المسنين في الشريعة الإسلامية

     حفظ الله -تعالى- دينه وذلك بحفظ القرآن الكريم، وهذا يستلزم أيضا حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم -، والشريعة الإسلامية صالحة مصلحة لكل زمان ومكان، وهي شريعة تعنى بأمور الخاصة والعامة، ومن الأمور التي بينتها ما يتعلق بأحكام المسنين؛ حيث بينتها أيما بيان وهذا ما يدفع إلى بيان تلك الأحكام.

المسن في القرآن الكريم

     وصف الله -عز وجل- مرحلة الكبر في القرآن الكريم بأنها عودة إلى أرذل العمر في قوله: {واللهُ خَلَقَكُم ثمَّ يَتَوَفَّاكُم ومِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (النحل: 70)، قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير الآية: بيّن -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة: أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر، وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة؛ لأنه حال لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد، بخلاف حال الطفولة، فإنها حال ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخرى من كتابه الكريم.

وعن علي - رضي الله عنه -: أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة وعن قتادة: تسعون سنة، والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص؛ فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدناً وعقلاً، وأشد خرفاً من آخر ابن تسعين سنة.

المسن في السنة النبوية

     تعوّذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من كبر السن وهو أرذل العمر، حيث جاء عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بقوله: «أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات»، كما عدّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه المرحلة آخر مرحلة قبل الموت، روى مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: «مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية، إن أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت».

رعاية الإسلام للمسنِّين

الإسلام دين قائم على الرحمة والمودة والإخاء وحب الخير للآخر، وقد حرص تمام الحرص على العناية بفئة المسنين مهما كانت درجة قرابتهم ومهما كانت جهتهم.

أسس رعاية المسنِّين

تقوم رعاية المسنين في الإسلام على أسس مهمة تنبع من ربانية المصدر ومن أهمها:

مخلوق مكرم

     الإنسان مخلوق مكرم له مكانته: قال -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} (الحجر: 28 - 30) ومعنى الآيتين {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} (الحجر: 28) على وجه الإخبار {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} (ص: 71) أي: مادته من طين {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} (ص: 72) أي: سويت جسمه وتم، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (ص: 72) فوطَّن الملائكة الكرام أنفسهم على ذلك، حين يتم خلقه ونفخ الروح فيه، امتثالا لربهم، وإكراما لآدم -عليه السلام-، فلما تم خلقه في بدنه وروحه، وامتحن اللّه آدم والملائكة في العلم، وظهر فضله عليهم، أمرهم اللّه بالسجود»، وهو سجود إكرام وإعظام واحترام والمسنُّ له مكانة خاصة في ديننا ستظهر في هذه المقالة إن شاء الله -تعالى.

مجتمع متراحم

     المجتمع الإسلامي مجتمع متراحم محب للخير: عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، فالمؤمنون متحدون يشد بعضهم بعضا، وكل واحد منهم قوي بأخيه وقد قال أنس بن مالك: جاء شيخ يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».

المسنون من الأقربين

     قال -تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء:23 - 24)، الوالدان هما مفتاح الجنة للابن؛ فببرهما يدخل الجنة ولاسيما من أدرك أبويه عند الكبر، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:  «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه». قيل من يا رسول الله؟ قال «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة»، فالوالدان يحتاجان إلى الرعاية والحنان عند كبرهما، وفي ذلك سعادة للابن في الدنيا والآخرة وقليل من الناس من يعمل بهذه الأمور؛ لأننا اليوم نشاهد أشياء غريبة في مجتمعاتنا من حيث عدم البر بالوالدين وعقوقهم إلى درجة إيداعهم في دور العجزة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

من مظاهر رعاية المسنِّين

     وبر الوالدين يعد مظهراً من مظاهر رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم؛ إذ الغالب الأعم أن الوالدين كبيران في السن، فإلى جانب البر الذي أمر الله به للوالدين نجد هناك رعاية للمسن في المجتمع القريب للفرد سواء كانوا من العائلة أم من أصدقاء الوالدين فلا بد من الإحسان إليهم؛ لأن في ذلك برا للوالدين في حد ذاته فعن ابن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه، فبينا هو يوما على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي فقال ألست ابن فلان بن فلان؟ قال بلى. فأعطاه الحمار وقال اركب هذا والعمامة - قال - اشدد بها رأسك. فقال له بعض أصحابه غفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك! فقال إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي وإن أباه كان صديقا لعمر، وهذا النوع من أظهر أنواع رعاية المسنِّين في المجتمع المسلم لوجوده في غالب أُسره.

المسنون من عامة المسلمين

حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على إكرام المسنين ورغب في ذلك ومما ورد في ذلك:

من إجلال الله -تعالى

إكرام المسنين من إجلال الله -تعالى-، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط».

توقير المسنين

عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: أن رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا».

تسليم الصغير على الكبير

عن أبي هريرة: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير».

تقديم المسن في وجوه الإكرام عامة

      عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرني جبريل أن أقدم الأكابر»، فيقدم المسن عمومًا في كثير من أبواب الخير وحتى في إمامة المصلين إن كان أحفظ لكتاب الله -تعالى-؛ فعن أبي قلابة قال حدثنا مالك: أتينا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيما رفيقا؛ فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه قال: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم» وذكر أشياء أحفظها: أو لا أحفظها «وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».

التخفيف عن المسنين

     التخفيف عن المسنين في بعض الأحكام الشرعية الخاصة: دين الله -تعالى- جاء لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، والأحكام التي شرعها الله -تعالى- تراعي مبدأ التخفيف؛ بحيث لا تكليف إلا بمقدور ومستطاع ولاسيما المسنين منهم، ونرى ذلك بوضوح في جل التشريعات الإسلامية؛ فقد خفف الشرع عن المسن في الكفارات والفرائض والواجبات، وفي الفرائض: أجاز للمسن أن يفطر في نهار رمضان -ويطعم- إذا شق عليه الصيام، وأن يصلي جالسًا إذا شق عليه القيام، وأن يصلي راقدًا إذا شق عليه الجلوس.. وهكذا.. وقد عنّف الرسول - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل لما صلى بالناس فأطال ذات يوم فعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أقبل رجل بنا ضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء؛ فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه؛ فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه معاذا؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:«يا معاذ، أفتان أنت» أو «فاتن» ثلاث مرات «فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة»، ورخص للمسن أن يحج عنه غيره إذا لم يستطع الذهاب بنفسه إلى الحج؛ فعن ابن عباس عن الفضل أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «فحجي عنه».

  

توصيات ومقترحات

      إن الأسرة - بأصولها وفروعها - هي عماد المجتمع، والركيزة الأولى من ركائز بنائه، ومن سنن الله أن الصغير يكبر، والكبير يهرم، وهكذا تدور الحياة دورتها. لكن مع هذه التبدلات تبقى القيمة الإنسانية ثابتة لا تتغير، لذلك أوصى الإسلام باحترام الإنسان في كل أحواله، وبالغ في التأكيد عليها في مرحلة الشيخوخة؛ لذلك نجد من الواجب أن نقترح بعض التوصيات للعناية بالشيخوخة.

- التأكيد على دور الإعلام في التوعية والحث على رعاية المسنين.

- التأكيد على دور علماء الدين والاجتماع على غرس فكرة (وجوب رعاية المسنين) وتنمية الوازع الذاتي الإنساني والديني تجاههم وعواقب إهمالهم أو إيداعهم في دور المسنين.

- إيجاد برنامج تربوي للناشئة، يقوم ببث الوعي الديني والاجتماعي للعناية بالمسنين وتقديم المعونة لهم.

- على الجهات المعنية إيجاد وسائل وضمانات تكفل للمسنين حقوقهم كاملة - المادية والمعنوية - وتقوم برعاية مصالحهم.

- الانتباه إلى اتجاه النظم الاجتماعية نحو تفكيك الأسرة بنمط تقليدي، واستحداث أنماط جديدة، لا يكون فيها أبوة أو نبوة، أو عمومة، أو أرحام وأن هذا من الإفساد في الأرض نحو شيخوخة سعيدة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة