أخبار سريعة
الأحد 17 نوفمبر 2019

الملفات » شرح كتاب الزكاة من صحيح مسلم - باب: فيمن لا يُؤدي الزَّكاة (2)

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 استكمالاً لما بدأناه في العدد الماضي من شرحٍ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - حيث قال: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ ولَا فِضَّةٍ؛ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ؛ فَأُحْمِيَ عَليها فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ؛ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ؛ في يوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ؛ وإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيل: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَالْإِبِلُ؟ قَال: «ولَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا - ومِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا - إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ؛ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا؛ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِها وتعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا؛ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها؛ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قال: «ولَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ؛ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنها شَيْئًا؛ لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ ولَا جَلْحَاءُ ولَا عَضْبَاءُ؛ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا؛ وتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا؛ كُلَّمَا مَرَّ علَيه أُولَاهَا رُدَّ عليه أُخْرَاهَا؛ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ؛ وإِمَّا إِلَى النَّارِ». قِيل: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَالْخَيْلُ؟ قَال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ؛ وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ؛ وهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ؛ فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَها رِيَاءً وَفَخْرًا؛ وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ فهِيَ لَهُ وِزْرٌ؛ وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِها؛ فَهِيَ لهُ سِتْرٌ؛ وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ في مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ؛ فَما أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ؛ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ؛ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ ما أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ؛ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ؛ ولَا تَقْطَعُ طِوَلَها؛ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ آثَارِها وأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ؛ ولَا مَرَّ بِها صَاحِبُهَا علَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ منْهُ؛ ولَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ». قِيل: يا رسُولَ اللَّهِ؛ فَالْحُمُرُ؟ قَال: «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} الزلزلة: 7-8، وقلنا أن الحديث رواه مسلم في الزكاة (2/680-683) باب: إثم مانع الزكاة، ورواه البخاري في الصحيح، وقلنا أن هذا الحديث ذكر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجوب زكاة الذّهب والفضّة؛ والإبل والبقر والغنم؛ وذكر حكم كل منها؛ وحكم الخيل والحمر.

زكاة الإبل

     قوله: «قِيل: يا رسُولَ اللَّهِ؛ فالْإِبِلُ؟ قال: «ولَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ ومِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا» يعني: يحلبها ويعطي الفقراء الذين حوله، ويتصدّق عليهم؛ هذا من الحق عليها؛ وعلى صاحبها؛ فإنّ الإبل إذا وردت الماء وارتوت درّت وصار فيها فضل لبنٍ كثير؛ فإذا جاء الفقراء يُوزع عليهم.

قوله: بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ

     قوله: «إِلَّا إِذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ؛ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ؛ أَوْفَرَ ما كانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا؛ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِها؛ وتعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا؛ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا؛ رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها؛ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ؛ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» بُطح لها: أي: أُلْقي على وجهه؛ وقيل: على ظهره. والقاع: هو المستوي من الأرض، وكذا القرقر: هو المستوي من الأرض والواسع، وقوله: «كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا؛ رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاها» أي: تكرّر عليه ولا تنقطع.

زكاة البَقَر والغَنَم

     وقوله: «ولَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ؛ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا؛ إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنها شَيْئًا؛ لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ ولَا جَلْحَاءُ ولَا عَضْبَاءُ» أي: وكذلك الأمر في البقر والغنم هي كالإبل في وجوب زكاتها. والعقصاء: ملتوية القرنين. والجلحاء: التي لا قرون لها. والعضباء: التي انكسر قرنها. وقوله: «وتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِها» الأظْلاف: جمع ظلف، وهو في البقر والغنم كالحافر للفرس.

الخيل

     ثم ذكر -عليه الصلاة والسلام- الخيل، وأنها ثلاثة أنواع: أجرٌ، وسِترٌ، ووِزْر. فقال: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ» فيه: أنّ الذي يقتني الخيل إما أنْ يقتنيها للركوب أو للتجارة، وكل منهما إما أن يقترن به فعل طاعة الله، وهو الأول، أو معصيته وهو الأخير، أو يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني، وقوله: «فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَها رِيَاءً وَفَخْرًا؛ وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ فهِيَ لَهُ وِزْرٌ».

قوله «رياء» أي: إظهارا للطاعة، والباطن بخلاف ذلك. ووقع في رواية: «وأما الذي هي عليه وزر؛ فالذي يتخذها أشراً وبطراً وبذخا، ورياء للناس». قوله: «فَخْرا» أي: تعاظما.

قوله: ونِواء لأهل الإسلام

     قوله: «ونِواء لأهل الإسلام» بكسر النون والمد؛ هو مصدر تقول: ناوأت العدو مناوأة ونواء، وأصله من ناء إذا نهض؛ ويستعمل في المعاداة، قال الخليل: ناوأت الرجل ناهضته بالعداوة، والظاهر أن الواو في قوله «ورياء ونواء» بمعنى «أو» لأنّ هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكل واحد منها مذموم على حدته.

في نواصيها الخير

وفي هذا الحديث: بيان أنّ الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة، إذا كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة وصاحبها آثم.

قوله: وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ

     قوله: «وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِها؛ فَهِيَ لهُ سِتْرٌ» وفي رواية البخاري: «تَغَنيّا» أي: استغناء عن الناس، تقول تغنيت بما رزقني الله تغنيا وتغانيت تغانيا واستغنيت استغناء كلها بمعنى، وقوله في رواية «تعففا» أي: عن السؤال، والمعنى: أنه يطلب بنتاجها أو بما يحصل من أجرتها ممن يركبها أو نحو ذلك الغنى عن الناس، والتعفف عن مسألتهم.

حقّ الله

     قوله: ولم ينسَ حقّ الله في رقابه» «قيل: المراد حسن ملكها؛ وتعهد شبعها وريها؛ والشفقة عليها في الركوب، وإنما خصّ رقابها بالذكر؛ لأنها تستعار كثيرا في الحُقوق اللازمة، ومنه قوله -تعالى-: {فتحرير رقبة} وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل؛ وهو قول الجمهور، وقيل: المراد بالحق: إطْراق فحلها، والحمل عليها في سبيل الله. وهو قول الحسن والشعبي ومجاهد وقيل: المراد بالحق: الزكاة، وهو قول حماد وأبي حنيفة، وخالفه صاحباه وفقهاء الأمصار، قال أبو عمر: لا أعلم أحدا سبقه إلى ذلك. ( الفتح).

هِيَ لَهُ أَجْرٌ

     قوله: «وأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ؛ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ في مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ؛ فَما أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ؛ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ؛ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ ما أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ؛ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ؛ ولَا تَقْطَعُ طِوَلَها؛ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ له عَدَدَ آثَارِها وأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ؛ ولَا مَرَّ بِها صَاحِبُهَا علَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ منْهُ؛ ولَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ «قوله في مرج أو روضة» شك من الراوي، والمرج: موضع الكلأ، وأكثر ما يطلق على الموضع المطمئن، والروضة: أكثر ما يطلق على الموضع المرتفع.

قوله: ولَا تَقْطَعُ طِوَلَها

قوله: «ولَا تَقْطَعُ طِوَلَها؛ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ» بكسر الطاء المهملة وفتح التحتانية بعدها لام، هو الحبل الذي تربط به، ويطوّل لها لترعى، ويقال له طول بالواو المفتوحة أيضا، والاستنان هو الركض.

وقوله: ولم يُرد أنْ يسقيها

وقوله: «ولم يُرد أنْ يسقيها».فيه أنّ الإنسان يُؤجر على التفاصيل التي تقع في فعل الطاعة إذا قَصَد أصلها بل وإنْ لم يقصد تلك التفاصيل.

المقصود بالثلاثة

     فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث المقصود بالثلاثة، فمَنْ ربط خيله للجهاد كانت هي وجميع آثارها وأعمالها في ميزان حسناته؛ حتى لعابها وروثها تكون حسنات له وأجرًا، ومَنْ ربطها للتعفف والتزين بها ولم يعص الله فيها كانت له ستراً، ومن ربطها للرياء ومناوأة المسلمين؛ فهي وزر عليه.

فَالْحُمُرُ؟

     قوله: «قِيل: يا رسولَ اللَّهِ؛ فَالْحُمُرُ؟؛ أما الحمر فإنه قال: «لم ينزل علي فيها شيء»، فقال: «ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة» بالفاء وتشديد المعجمة؛ سماها فاذة: لانفرادها في معناها، وسمّاها جامعة: لشمولها أنواعا من طاعةٍ ومعصية، أي: إنْ استعملت الحمير في خير فهو خير، وإنْ استعملتها في شر فهي شر، قال ابن التين: والمراد أن الآية دلت على أنّ من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإنْ عمل معصية رأى عقاب ذلك.

تعليم الاستنباط والقياس

     وقال ابن بطال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه ما لم يَذْكر الله حكمه في كتابه وهو الحمر بما ذكره من عمل مثقال ذرة من خير أو شر؛ إذْ كان معناهما واحداً، قال: وهذا القياس نفسه الذي ينكره من لا فهم عنده، وتعقبه ابن المنير بأنّ هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلالٌ بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافا لمن أنكر أو وقف، وفيه: تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم، وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص، وفيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاص المنصوص والعام الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة.

حكم مانع الزكاة

     أما حكم تاركها: فإنْ كان منعه إنكاراً لوجوبها بعد العلم بنصوص الكتاب والسنة فكافر بالإجماع، وإنْ كان مقرّا بوجوبها فلا يكفر على الصحيح؛ لما روى عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة، فإن كان الممتنع عن أداء الزكاة فردا من الأفراد؛ فأجمعوا على أنها تؤخذ منه قهرا.

إن كانوا جماعة

     وأما إن كانوا جماعة ولهم شوكة؛ قاتلهم الإمام حتى يعطوا الزكاة؛ لما في الصحيحين: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر - رضي الله عنه - الخليفة، وكفر من كفر من العرب؛ فقال عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله؛ فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله -عز وجل-»؟ فقال: والله لأقاتلن مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنّ الزكاة حق المال، ولو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم على منعها. قال عمر - رضي الله عنه -: فوالله ما هو إلا أنْ رأيت الله؛ قد شرح صدر أبي بكر للقتال؛ فعلمت أنه الحق.

أبو بكر - رضي الله عنه

     وهذا الذي استنبطه أبو بكر - رضي الله عنه - مصرّح به في الأحاديث الصحيحة المرفوعة، كحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله؛ وأنّ محمد رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله -عز وجل-». وغيره من الأحاديث، وقد جهّز النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد لغزو بني المصطلق، حين بلغه أنهم منعوا الزكاة ولم يكن ما بلغه عنهم حقاً.

زكاة الذهب والفضة

     وتجب الزكاة في الذهب والفضة في أعيانهما في كل حال، سواء أعدّها الإنسان للنفقة أم للزواج؛ أم لشراء بيتٍ يحتاج إلى سكناه، أم شراء سيارة يحتاج إلى ركوبها، أم ادّخرهما ليستكثر بهما المال؛ أم غير ذلك من المقاصد؛ ففيهما الزكاة لعموم الأدلة، وهو قول جمهور العلماء.

ذهب المرأة

     تجب الزكاة في الذهب والفضة، حتى ذهب المرأة الذي تلبسه، والفضة التي تلبسها عند بلوغ النصاب، وهو في الذهب خمسة وثمانون جراما، وفي الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جراما، فإذا كان عند المرأة من الذهب والفضة هذا المقدار وجبت عليها الزكاة على كل حال.

الأوراق النقدية

والأوراق النقدية: تقوم مقام الذهب والفضة؛ لأنها جعلت بدلا عنها في التعامل بين الناس؛ فإذا ملك الإنسان أوراقا نقدية تساوي هذا النصاب من الذهب؛ فعليه زكاتها، فيقدر قيمتها إذا وجبت عليه الزكاة، ومقدار الزكاة: ربع العشر (2٫5) في المائة.

وفي الحديث: بيان كيف كان - صلى الله عليه وسلم - يبين للناس بيانا شافيا كافيا؛ حتى ترك أمته وقد أكمل بها لله الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة