أخبار سريعة
الأحد 17 نوفمبر 2019

الملفات » د.علاء بكر للفرقان: المنهج السلفي يمزج بين الأصالة والمعاصرة دائما ويحقق التوازن بينهما- الحلقة الثالثة

للكاتب: محمود عبد الحفيظ البرتاوي

نسخة للطباعة

 د.علاء بكر للفرقان:  المنهج السلفي يمزج بين الأصالة والمعاصرة دائما ويحقق التوازن بينهما- الحلقة الثالثة

 

هذا هو الجزء الثالث مِن حوار (مجلة الفرقان) الكويتية مع د. (علاء بكر) حول المنهج السلفي والتحديات المعاصرة، وأسباب انتشار هذا المنهج واعتناق الكثيرين له رغم التحديات الكثيرة المتتابعة التي تواجهه، وتعوق طريق انتشاره، من أفكارٍ ومناهجَ مناوئة له، ومدارس فكرية قديمة ومعاصرة وافدة مِن الشرق والغرب، وغزو فكري حديث وسط زخم إعلامي وجهود جبارة تسعى لتشويه هذا المنهج وتقويضه، والحد مِن انتشاره بكل وسيلة وسبيل، ود. علاء بكر أحد المتخصصين في هذا المجال بمصنفاته الكثيرة النافعة التي امتازت بكشف الستار عن طرق الأعداء، وفضح كيدهم ومكرهم بالمسلمين عمومًا، وأتباع المنهج السلفي منهم خصوصًا.

- هل يستطيع المنهج السلفي أن يحقق الموازنة بين الأصالة والمعاصرة؟

- يمتاز المنهج السلفي بالقدرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة في كل زمان، وتحقيق التوازن بينهما، ويقصد بالأصالة: المحافظة على جوهر الدعوة ونقائها بتمسكها بعقائدها وأصولها وثوابتها، فلا تتميع في مواقفها، ولا تذوب شخصيتها؛ إذ ليس غايتها إرضاء الأهواء والرغبات، بل غايتها المحافظة في زمانها على ما كان عليه أهل السنة والجماعة من أصول، ونقلها لعصرها كاملًا بلا زيادة فيها أو نقصان منها.

المقصود بالمعاصرة

     ويقصد بالمعاصرة: التوافق مع العصر الذي نعيش فيه، وتلبية متطلباته؛ فدعوة الناس للمنهج السلفي وعقائده يكون بلغتهم وموافقة لأحوالهم، واختيار الأسلوب المناسب واستخدام الوسائل المشروعة المتوفرة في هذا العصر، وعدم الزهد فيها؛ فالسلفية تتميز في كل عصر بأنها تجمع بين سلفية المنهج وسلفية المعاصرة، من العهد النبوي وجيل الصحابة، وسيرته - صلى الله عليه وسلم- في تمسكه بدعوته لا يحيد عنها ولا يساوم عليها، ومعالجته لواقع عصره باختيار الأساليب النافعة لنشر دعوته، واستخدام الوسائل الممكنة في عصره لتبليغ الدعوة لا تخفى على مَن يطلع على سيرته، وعلى ذلك كان الصحابة والتابعون، وهم ينتقلون من نشر الدعوة في الجزيرة العربية والمجتمع الجاهلي فيها إلى نشرها في بلاد الشام وشمال إفريقيا، ونشرها في بلاد العراق وفارس، بالقوة والسرعة نفسها، على اختلاف الحضارات وطبيعة الناس هنا وهناك، بل والاختلاف الكبير بين طبيعة الحياة في الجزيرة العربية وبين هذه المناطق في ذلك الوقت.

تحجر العقول

     فليست الأصالة في تبليغ المنهج السلفي وعقائده مدعاة لتحجر العقول، وترك مخالطة الناس واعتزالهم وهجرهم، أو رفض أساليب الحياة وأدواتها ووسائلها العصرية التي لا تخالف أحكام الإسلام، وهي ليست زرعًا للماضي بمظاهره وأدواته ووسائله القديمة في العصر الحاضر، لكنها الثبات على العقائد والأصول والمبادئ والقواعد والثوابت وعدم التفريط فيها أو التهاون، فلابد أن ينقل الدين الذي ارتضاه الله -تعالى- لنا لمَن بعدنا كاملًا كما نُقل إلينا مِن سَلَفِنا الصالح كاملًا.

وليست المعاصرة مدعاة للركون لأصحاب المنكرات والبدع، والمداهنة في الدين، والتنازل عن الثوابت، والتفريط في أصول المنهج وقواعده المأخوذة عن السلف.

ضوابط الأصالة والمعاصرة

ونظرًا لكثرة الحديث عن الأصالة والمعاصرة، والتشكيك في قدرة السلفيين على تحقيق التوازن بينهما، ونظرًا لما يقع مِن بعض المنتسبين للسلفية من أخطاء، أو ما يقع من بعض أدعياء السلفية من تشويه.

نشير إلى أهم ضوابط الأصالة والمعاصرة:

1- التمسك بعقائد أهل السنة والجماعة وأصولهم وثوابت الدين، وهي أمور لا تقبل المساومة أو المداهنة على حسابها.

2- اجتناب الابتداع في الدين، والحذر من البدع ومجاراة المبتدعين في بدعهم، ففي الحديث المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه مسلم)، وفي الصحيح مرفوعا: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (متفق عليه).

3- التمييز الواضح بين الثوابت والمتغيرات، فقواعد المنهج وأصوله ثوابت لا تتغير، والأساليب والوسائل من المتغيرات قابلة للتطور والتحول في غير مخالفة للشرع.

4- مراعاة موافقة الشرع وعدم مخالفته في المنهج وفي الوسائل والأساليب، أي تجنب مبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة)؛ فعلى المسلم تجنب النواهي والمحرمات ولو توهم بعضهم أن في اقترافها الخير، والالتزام بالأوامر والواجبات الشرعية وإن توهم بعضهم أن في تركها جلب خير أو دفع شر.

5- اجتناب الغلو والتشدد، وكذلك اجتناب التقصير والتفريط والتساهل، أي: الاعتدال والوسطية في التمسك بالدين، وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا (رواه مسلم)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا» (رواه البخاري)، والعبادات توقيفية، والأصل في المعاملات الإباحة ما لم تصطدم بنصوص الشريعة.

6- الحرص على العلم الشرعي وطلبه، والرجوع إلى أهل العلم في أمور الدين عامة، والرجوع إلى الراسخين في العلم منهم، الموثوق فيهم في الحوادث المستجدة والفتن خاصة.

7- إن الاختلاف منه ما هو سائغ؛ فيكون فيه النصح والتذاكر لا الإنكار والتغيير، ومنه ما هو غير سائغ فينكر على صاحبه فيه بالدليل، وفقًا لضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشرعية.

منزلة الأصول الثابتة

     وعلى تلك الضوابط: فلا يجوز إنزال بعضهم لأقوال أو آراء رئيس تنظيم أو مؤسس جماعة منزلة الأصول الثابتة، ولاسيما بعد ظهور مخالفتها للشرع أو عدم صلاحيتها للتمسك بها، ولا يعد الشيء مقبولًا أو مرفوضًا لكونه قديمًا أو حديثًا، ولكن بمقدار موافقته للحق والصواب، والميزان في ذلك كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز مخالفة أحكام الشرع وتوهم مصلحة الدعوة في ذلك: كحلق اللحية، ومصافحة الأجنبيات، والتساهل في ضوابط الحجاب للمرأة، أو الاستماع للأغاني والموسيقى، كما لا يجوز التشدد والغلو المنفر للناس: كمنع المرأة من الخروج من بيتها لزيارة صلة للرحم أو طلبًا لعلاج أو تعلمًا لا غنى لها عنه، في ظل تأدبها بالآداب الشرعية، ووجود الحاجة لذلك، ولا يجوز منع لباس دون آخر مع اتفاقهما في المواصفات الشرعية ولاسيما إذا دعت لذلك مصلحة أو حاجة.

-  ما أبرز التحديات المعاصرة التي تواجه المذهب السلفي؟

- في الجملة التحديات التي تواجه المنهج السلفي هي التحديات التي تقابل الدعاة إلى الإسلام الحق والعمل به في كل زمان، مِن انتشار الشبهات التي تؤثِّر على عقائد جموع المسلمين، وتتسبب في رواج الأمور الكفرية والشركية والخرافات والخزعبلات، والتشويش بها على العقائد الصحيحة أو تشويهها والافتراء عليها، إلى جانب مادية مفرطة تجنح إلى الإلحاد، ولاسيما في ظل رواج النظم العلمانية المعاصرة.

     ومن انتشار الشهوات وانغماس الكثيرين فيها، ولاسيما الشباب، مع كونها متاحة يسهل الوصول إليها بأساليب قد تكون غير مسبوقة في الأزمان السابقة في ظل النظم الليبرالية المعاصرة، ناهيك عن ضخامة الأعداد من البشر وضخامة الإعلام المثير لهذه الشبهات ولهذه الشهوات، في مقابل قلة أعداد الدعاة وقلة إمكانياتهم، والتشويه المتعمد لهم ولدعوتهم، والتضييق الشديد الذي يتعرضون له ليل نهار في كل مكان، وتتصاعد وتيرة ذلك من آنٍ لآخر، لكن -بفضل الله تعالى- الحصاد الدعوي مبشر، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  وما زال الدخول في الإسلام والإقبال على الالتزام به في الدول الإسلامية وخارجها في تزايدٍ مستمرٍ لا ينقطع، ولله الحمد والمنة.

-  كيف يمكن تجاوز التحديات والعقبات التي تعوق انتشار المنهج السلفي؟

- هذا يحتاج لفهم جيد للشرع وأحكامه، وعلى حسن تنزيله على الواقع، وهذا يتطلب الإحاطة أيضًا بواقع الأمة والناس، وهذا يحتاج لهمة عالية وصبر ومثابرة، وقبل ذلك وبعده لا بد من الإخلاص لله -تعالى- والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب ومراعاة السنن الإلهية، ويحتاج إلى إيجاد إمكانيات، ولاسيما الإمكانيات الإعلامية ذات الانتشار الكبير، ويحتاج إلى تكاتف الجهود من خلال عمل جماعي منظم يقوم على الشورى.

-  ما أسباب انتشار المنهج السلفي رغم ما يتعرض له من حملات تشويه وتنفير؟

- هو توفيق من الله -تعالى- لهذا المنهج الرباني، ومن أسبابه:

1- أن هذا المنهج منهج رباني، يستجيب له أصحاب الفطر والنفوس السليمة؛ لأنه يوافق فطرتهم السوية.

2- أن دعاة المنهج وعلماءه لا تنقطع جهودهم الدؤوبة في كل زمان، يحرثون ويبثون في الأمة بذور الخير، من نشر العلم النافع والدلالة على العمل الصالح، والأمة لا تنقطع فيها الخيرية، فدائمًا تقابل بذور الدعاة أرضًا طيبة تثمر ثمارًا طيبة، ولله الحمد والمنة.

3 - إن المنهج السلفي منهج ميسر، يسهل تعلمه والعمل به؛ فالسائر على المنهج السلفي مرتبط مباشرة بالكتاب والسنة؛ لذا يحصِّل مِن العلم النافع، ويرتقي في العبادات وفي العمل الصالح في فترة وجيزة ما لا يصل إليه أصحاب المناهج الأخرى في سنوات طويلة.

4 - إن الله -تعالى- كتب الخيرية في هذه الأمة، في أولها وفي آخرها، ولن تقوم الساعة إن شاء الله إلا بعد عودة خلافة راشدة على منهاج النبوة، كما جاء في الحديث، ومن خلال سنن الله -تعالى- والأخذ بها، شاء مَن شاء وأبى مَن أبى، وقد ظهرت بشائر ذلك بعودة ظهور المنهج السلفي وانتشاره الملحوظ بعد طول اندثار.

-  كيف يسهم المسلم في تحقيق المزيد من الانتشار للمنهج السلفي؟

- جاء في حديث الطائفة المنصورة -وهي أهل السنة والجماعة- أنها على الحق إلى قيام الساعة، وأنها لا يضرها مَن خالفها أو خذلها؛ فليحرص كل مسلم على البحث عن علماء أهل السنة ودعاتهم، فإذا وجدهم فيلزمهم، ولا يخرج عما هم عليهم؛ لئلا يصير مِن مخالفيهم، ولا ينأى بنفسه عنهم، بل يشاركهم عملهم الجماعي، ويتحمل مثل ما يتحملون في حدود إمكاناته، ويدعمهم بما يقدر عليه؛ لئلا يكون ممَن يخذلهم في مواقفهم وإن لم يخالفهم؛ فمَن خذلهم وإن وافقهم فهو محروم.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة