أخبار سريعة
السبت 14 ديسمبر 2019

الملفات » د. أبو بكر القاضي لـ(لفرقان): عندما غاب التحصن بالعلم الشرعي عصفت موجات العولمة والحداثة والتحريف بعقول الشباب (الحلقة الثانية)

للكاتب: محمود عبد الحفيظ البرتاوي

نسخة للطباعة

د. أبو بكر القاضي لـ(لفرقان): عندما غاب التحصن بالعلم الشرعي عصفت موجات العولمة والحداثة والتحريف بعقول الشباب       (الحلقة الثانية)

 

                               

 ما زال الحديث مستمرًا مع ضيف الفرقان د. أبو بكر القاضي عن الشباب وآماله وآلامه، وقد ذكرنا في مقدمة الحلقة الماضية أن قوة الأمة لا تكتمل إلا بوجود جيل من الشباب الناضج الذي يسهم في بناء الأمة ونهضتها؛ فالشباب هم عماد الأمة وقلبها النابض، وهم المنوط بهم لا بغيرهم الارتقاء بالأمة والمضي بها قدمًا نحو الرقي والتقدم.

- ما أسباب انصراف قطاع من الشباب عن التدين في وقتنا الحاضر؟

- كنا قد تكلمنا عن أسباب انحسار التدين والفراغ الإيماني والفكري والتوعوي الذي يعيشه كثيرٌ مِن شبابنا؛ بسبب غياب التربية المباشرة، وتشويه الرموز والرؤوس وكتب التراث مِن خلال الإعلام، وتزييف التاريخ، ونشر الأيدولوجيات المنحرفة والإجرام، والعنف، والمظلومية، والتسويغ التراجيدي للإجرام والانحراف! وفي حقيقة الأمر غاب التحصن بالعلم الشرعي النافع، والثقافة الإسلامية الأصيلة؛ فعصفت موجات العولمة والحداثة والتحريف بعقول الشباب العربي.

زمن الغربة الثانية

     ونحن الآن في زمن الغربة الثانية والقابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؛ فالاستقامة تحدٍ كبير يتوارد على كل نفس، وكل سكنة وحركة في اتجاه من اتجاهات الحياة الدعوية والعملية؛ فالفتن تعرض الآن كعرض الحصير عودًا عودًا، ومع ذلك أنا لا أحب التعميم؛ فليس العزوف الحاصل الآن عامًّا، بل كما يوجد عزوف في بعض الأماكن والأزمان، يوجد إقبال في مشارق الأرض ومغاربها على دين الله -تعالى-؛ فإن الله -عز وجل- هو القابض الباسط، يداول الأيام، كل يوم هو في شأن، يستعمل أقوامًا ويستبدل آخرين، ويغرس في هذا الدين غرسًا ينشئهم على طاعته، ولله أوس آخرون وخزرج. هذه النفسية لابد مِن توافرها ونحن نعالِج واقعنا، ونفتش في أنفسنا، وفيمن حولنا عن أسباب الاستقامة وموانعها، وأسباب التمكين وموانعه، وهما جناحان لطائر واحد؛ فالعبودية هي الوسيلة والغاية في هذه الحياة في الاستضعاف والتمكين، وكل منهما له عبودية؛ فليس التمكين غاية، بل وسيلة لتحقيق العبودية.

فقه السنن الكونية

     هذه المبادئ يجب ترسيخها في عقولنا وعقول الشباب حتى لا يحدث التعجل الذي يفضي دومًا إلى الحرمان واصطلام الطائفة المؤمنة وتأخر الدعوات سنين؛ لعدم فقه السنن الكونية والشرعية والاصطدام بها، بدلًا مِن فقهها والتعامل معها؛ فنحن في زمن الغربة مأمورون بدفع القدر بالقدر، ندفع أقدار الله من التضييق والفتن وتسلط الظالمين بأقدار الله المحبوبة من الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحلمٍ وعلمٍ، ورفق وصبر، وعدم يأس أو بؤس أو تباؤس.

قابلية واستعداد

     نعم هنالك انقطاع من بعض الشباب، ولكن هنالك إقبال من شباب كثر، وهنالك قابلية واستعداد وتعطش من آخرين ينتظرون، والتوجيه والتقويم والتربية، وهنالك مَن يقبل، ولكن على التيارات التي تتمسح باسم الدين، وهي منحرفة صدامية تكفيرية ألا يستغلوا حمية الشباب وحماسهم ويدخلوهم في آتون معارك صفرية لا يكون وقودها إلا دماؤهم، وهذا من المخططات لحرق ثمرة فؤاد هذه الأمة، وأملها النابض بتدمير هؤلاء الشباب المحب للدين.

- ما معوقات تدين الشباب؟

- أعظم المعوقات الجهل؛ لأنه أصل كل خطيئة، وما عصي الله إلا بالجهل، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} (النساء:17)، قال قتادة -رحمه الله-: «أجمعوا أن كل مَن عصى الله جاهل، وكل معصية جهالة»، فلا أخطر على الإنسان من الجهل بالله وبأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته، والجهل بالشريعة من الأوامر والنواهي الخبرية والعملية، والجهل بعقوبات المعاصي والذنوب، وثواب الطاعات وفضائلها؛ فالجهل أعظم الموانع عن الله -تبارك وتعالى- والسير في طريقه، وما سقط مَن سقط في الفتن -إن كانت شبهة أم شهوة- إلا من الجهل، وإن ادعى العلم، وتشبع بما لم يعطَ، وقرأ القرآن، ولا يجاوز حنجرته، ولم يفهمه، ولم يطبقه، كالمنافقين والخوارج.

الكسل والفتور

     ومِن أعظم الموانع عن الالتزام أيضًا: عواقب هذا الجهل من الكسل والفتور، والتماهي مع العادات السيئة وإدمانها حتى يصل العبد إلى حال العجز والإحباط، واليأس من التغيير والتطوير لشخصيته وأخلاقه، وعاداته وسلوكاته، وهذا راجع إلى الاستسلام لحبائل الشيطان، وعدم فقه كيفية إغوائه، وتثبيطه للإنسان حتى يفقد ثقته بربه ونفسه ومواهبه في المجاهدة والصبر، والمصابرة والمقاومة.

الصحبة السيئة

     ومن موانع الالتزام أيضًا: البيئة المحيطة والصحبة السيئة، وما لها مِن أثر فعَّال في توجيه الوعي والهمم، والدوافع والأولويات والسلوكيات؛ فالصاحب أخطر من البيت -وإن كان لا غبار على أهمية تربية البيت-؛ لأنه يصبح عند الشاب مصدر التلقي دون والديه، ومصدر الإلهام والجرأة والتقليد، والمؤانسة، والمسارة بأسراره، ومصدر الاستشارة؛ فقد تدله هذه الصحبة على الغفلات والشهوات، وقد تدله على التشكك والشبهات.

ضياع القدوات

     ومن موانع الالتزام أيضًا -مِن توابع البيئة المحيطة وخطرها-: غياب القدوات، وكسر الرؤوس والرموز، وتلميع الرقص واللعب واللهو، والعهر والفساد فيما يسمون بالنجوم والكواكب، وهم في الحقيقة رويبضات يتكلمون في أمر العامة، ويحكون قصص كفاحهم في سبيل المال والشهرة، ولو بالمعاصي، ويسمون ذلك نجاحًا، بل ويصل الأمر أنهم يُشرِفون على أكاديميات لاصطياد الشباب بسحر النجومية: كستار أكاديمي، وعرب أيدول، وغيرها من المؤسسات والاختبارات التي تتكون لجانها من هؤلاء الرويبضات!

- ما أهم المؤثرات الفكرية في واقع الشباب اليوم؟

- طبعًا قد أُشير إلى ذلك مِن مؤثرات الفكر والسلوك من الأيدولوجيات المنحرفة العالمية، كالعلمانية، والماسونية، والليبرالية، والفرويدية، والداروينية، والوجودية، والاشتراكية والرأسمالية، والصهيونية،  وزمالة الأديان ومساواتها، وغيرها من مذاهب فكرية، تستهدف تدمير الأمر الفكري، والسياسي، والاقتصادي، لإيجاد بديل عن منهج الإسلام، المنهج الوحيد القادر على إقامة حضارة تناهض تلك الحضارة الغربية، هذه التيارات تؤثر ولاشك في وسائل التواصل، وثورة المعلومات والأدبيات، والروايات والمسلسلات والأفلام، والمواقع غير الأخلاقية، وإدارة المباريات، واللهو واللعب، والبرامج، ودفة الإعلام والتعليم، وسياسة الشعوب، ومؤتمرات الطفل والأسرة، والسعي لتغيير بنية المجتمعات الإسلامية النفسية والاجتماعية، إلى مجتمعاتٍ منحلةٍ مِن الحيثيات والاتجاهات جميعها، وهذه المؤثرات الخارجية من خارج دائرة الإسلام والإسلاميين.

مؤثرات داخلية

     وهنالك مؤثرات داخلية من داخل الصحوة في تعدد فكر الإصلاح وتباينه على حسب بُعده وقربه من الكتاب والسُّنة، وأنواع الفِرَق، والابتداع العقدي والعملي من التصوف، والتمشعر والاعتزال والعقلانية، والتكفير، والتغريب والحداثة، وأسهمت في ذلك المسلسلات التركية التي سعت -باسم الإسلام وتاريخ الدولة العثمانية- إلى إحياء القومية التركية، والنزعة الصوفية، وترميز ابن عربي الأندلسي، وجلال الدين الرومي، وصدر الدِّين القونوي، وغيرهم من أساطين فكر التصوف الفلسفي المنحرف من الحلولية والاتحادية والقبورية، والاستغاثة بالأولياء والصالحين! وفي وسط ذلك أين يذهب الشباب؟ وبمَن يتأثرون؟ ومِن أين يعرفون الحقيقة وهم في وادٍ، وكتب التراث وتاريخ الأمة الحقيقي في وادٍ آخر؟!

     وكذلك في العقائد بموجة الإلحاد والتشكيك والعقلانية، والخوض في علم الكلام والفلسفة والمنطق مِن أجل الفهم، وفي الحقيقة مِن أجل مزيدٍ مِن الحيرة والتخبط. وأيضا فوضى الإفتاء بالأقوال الشاذة في المذاهب، والاحتجاج بخلاف العلماء، دون تحرير الأدلة، وما هو أقرب إليها حتى نصل لمرحلة الترجيح بالتشهي والانتقاء، والترقيع بين الأقوال والوقائع.  وكما في فوضى النقد والثقافة، وتَسمي اللقطاء علميًّا بالمثقفين ممَن يخرجون يقدحون في القرآن والسُّنة، والصحابة والأئمة، ويسبونهم ويشوهون كتب التراث، ويزعمون قراءة جديدة حداثية لها.

فمَن لهذا الجيل رغم كل هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن؟!

- ما النتائج والآثار المترتبة على انصراف الشباب عن الالتزام بدين الله -تعالى-؟

- الإعراض عن شرع الله -سبحانه وتعالى- يعقبه الخراب والضنك، والآلام والعذاب والعقوبات، على مستوى الفرد والجماعة، والمجتمع والأمة، قال الله -تعالى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} (طه:124-126).

سبب لإعراض الله

     والانصراف عن التدين الصحيح، وتعلُّم العلم النافع سبب لإعراض الله عن العبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الشاب الذي أعرض عن حلقته في المسجد: «وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ؛ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (متفق عليه)، وهذا يتعدى الفرد للمجتمع بظهور الفسقة وعلوهم، وتوليتهم أمر الجميع حين يغيب العلم ويكثر الجهل والفسق، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء:16)؛ ولذلك فإن الإقبال على الالتزام والشرع على المستويات كافة، سبب للخروج من ظلمات التيه والخراب، والجهل والخرافة، والتأخر والتخلف إلى نور المعرفة والتوحيد، والتقدم والحضارة، وسبب نزول البركات من السماء، قال الله -عز وجل-: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}(الأعراف:96)؛ ولذلك فرْق بين الشاب الذي نشأ في طاعة الله، وذاك التائه المدخن المدمن الساقط في الفواحش والمنكرات، المتشكك في دينه، أي النموذجين برأيك يقدِّمه لنا الإعلام ويلمعه لنا، ويرمزه ويجعله للشباب قدوة؟

الثقافة المزيفة

     نحتاج إلى التأمل لنعلم إلى أين يسوقنا ذلك الإعلام وتلك الثقافة المزيفة، ونعرات التقدم والتحضر المصطنع؟؛ فما تقدَّم مَن تقدم إلا بطاعة الله، وما تأخر مَن تأخر إلا بمعصية الله، وهم لا يقدرون شريعة رب العالمين، ويصورونها للشعوب على أنها حجر للحريات، وأنها حدود تقام بوحشية؛ ملبسين عليهم -وفي ضمنهم الشباب- حقيقة الدمار الذي يقودونهم إليه، ويسمون الدعوة إلى الالتزام وتطبيق الشريعة: رجعية وتخلفًا، وإرهابًا وتطرفًا، وسيكوباتية! إلى غير ذلك، أما الفسق والفجور؛ فيسمونه تطورًا وتقدمًا، وهم دعاة على أبواب جهنم مَن أجابهم إليها قذفوه فيها، ونظرة واحدة على واقع الشعوب الإسلامية، تظهر لنا تلك الفجوة التي بينهم وبين الشريعة، وهي نتيجةٍ حتميةٍ، الفجوة التي بينهم وبين العز والنصر والتمكين، والتصدر في مقدمة الأمم واستجماع ثرواتها وحفظ حرماتها وأعراضها وأراضيها، ولكن الواقع يترجم لنا الضنك والعقوبة؛ بسبب ذلك الانحراف والبُعد والانصراف، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض} (الأعراف:96).

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة