أخبار سريعة
الأحد 05 يوليو 2020

الملفات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - مسائل فقهية في ابتلاء الله تعالى لإبراهيم عليه السلام

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

 الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - مسائل فقهية في ابتلاء الله تعالى لإبراهيم عليه السلام

 
ما نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، واليوم مع المسألة الخامسة في حكم الاستحداد، الاستحداد: مشتق من الحديدة، يقال: استحد: إذا استعمل الحديدة في حلق العانة. 
 
     ذكر النووي أن العانة هي الشعر النابت حول ذكر الرجل وقبل المرأة وفوقهما، وقال: ولا مانع من حلق شعر الدبر، أما استحبابه فلم أر فيه شيئا لمن يعتمد؛ فإن قصد به التنظف وسهولة الاستنجاء فهو حسن، والاستحداد مستحب بالاتفاق للرجال والنساء، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب».
 
الفطرة هي السنة
     والفطرة في الحديث عند أكثر العلماء هي (السنة) ومعناها أنها من سنن الأنبياء، وقيل: هي (الدين)، ونقل ابن حجر عن أبي شامة أن المراد بالفطرة في الحديث: أن هذه الأشياء إذا فعلت، اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، قال النووي: ثم إن معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء، وفي بعضها خلاف في وجوبه. 
 
المقصود الإزالة
     ويتحقق الاستحداد بأي وسيلة تزيل الشعر؛ لأن المقصود إزالته، والحلق أفضل لموافقة الخبر، والأصل أن يستحد الإنسان بنفسه؛ فلا يجوز له الاستعانة في ذلك بمن يحرم عليه النظر إلى عورته؛ فعن نافع قال: كنت أطلي ابن عمر؛ فإذا بلغت عانته نورها هو بيده. 
 
وقت الحلق
     وأما وقت حلقه فيضبط بالحاجة وطوله؛ فإذا طال حلق، ويكره ترك الاستحداد بعد أربعين ليلة؛ لحديث أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة»، قال النووي: «معناه: لا يترك تركا يتجاوز به أربعين، لا أنهم وقت لهم الترك أربعين». 
 
إلزام الزوجة
وهل يلزم الزوج زوجته بالاستحداد ونحوه من أمور النظافة؟ ينبغي للزوجة أن تطيع زوجها فيما يطلبه منها من أمور النظافة، وقد اختلف الفقهاء في حكم إلزامها بذلك إذا امتنعت من طاعة زوجها على مذهبين:
 
المذهب الأول
تلزم الزوجة بإزالة ما ينفر الزوج، وهو مذهب الجمهور، ودليلهم: أن كمال الاستمتاع متوقف على إزالة ما ينفر من كل ما طال من الشعر والأظفار، وكل ما له رائحة خبيثة كالثوم ونحوه؛ إذ النفس تعاف الاستمتاع مع وجوده؛ فتكون إزالته لازمة.
 
المذهب الثاني
     لا تلزم الزوجة بإزالة ما ينفر الزوج، وهو وجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة؛ لأن عدم إزالة هذه الأشياء، لا يمنع من الوطء؛ فلا يحق للزوج إلزامها بإزالتها، ونوقش هذا بأن وجود هذه الأشياء، وإن كان لا يمنع الوطء، إلا أنه سبب لنفور الزوج كالموانع الحسية التي تلزم الزوجة بإزالتها إن أمكن، وهذه مثلها؛ وبهذا يترجح المذهب الأول لقوة أدلته، ولما في تلك الإزالة من حسن العشرة، واجتناب سبب النفرة، وهو مطلوب شرعا.
 
المسألة السادسة
ما حكم نتف الإبط؟
     النتف: نزع الشعر والريش ونحوهما، والإبط: باطن المنكب، والمقصود به هنا هو إزالة شعر الإبط عن طريق النتف، ونتف الإبط سنة بالاتفاق للأحاديث المتقدمة، قال النووي: والأفضل فيه النتف لمن قوي عليه، ويحصل بالحلق والنُّورَة، قال يونس: دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه؛ فقال: علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. 
 
النتف سنة
     قال ابن قدامة: النتف سنة؛ لأنه من الفطرة، ويفحش بتركه، ويجوز إزالته بالحلق والنورة، غير أن نتفه أفضل لموافقته الخبر، والمستحب البداءة فيه باليمنى، لحديث عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعجِبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره، وفي شأنه كلِّه».
 
المسألة السابعة
ما حكم تقليم الأظفار؟
- التقليم: تفعيل من القلم -بإسكان اللام- وهو القطع، والأظفار: جمع ظفر: وهو مادة قرنية في أطراف الأصابع، وتقليم الأظفار: إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر، ويستحب تقليم الأظفار للرجال والنساء، وسواء فيه اليدان والرجلان؛ لما تقدم من الأحاديث، ولأنه من الفطرة، ويتفاحش بتركه، ويجتمع فيه الوسخ فيستقذر، واستحب الإمام أحمد للمسافر أن يبقي شيئا من أظفاره لحاجته إلى ذلك غالبا، ووقت التقليم مرتبط بطول الأظفار؛ فمتى طالت قُلِّمت، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وأما كيفية التقليم فلم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، وأما حديث: «من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا»؛ فقد قال عنه ابن القيم: إنه من أقبح الموضوعات، ويستحب غسل رؤوس الأصابع بعد قص الأظفار. 
 
المسألة الثامنة
ما حكم قص الشارب؟
- القص: مصدر الفعل (قص) إذا قطع، يقال: قص الثوب وغيره: إذا قطعه بالمقص، والشارب: ما ينبت على الشفة العليا من الشعر، وجمعه شوارب، والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، والأخذ من الشارب سنة من سنن الفطرة بالاتفاق لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من الفطرة قص الشارب»، وعن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا». 
 
حد الأخذ من الشارب
واختلف الفقهاء في حد الأخذ من الشارب على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول
 القص حسن، والحلق أحسن، والحلق هو الإزالة، وهو مذهب الحنفية، لتفضيله صلى الله عليه وسلم الحلق على التقصير في النسك، وعقب عليه ابن حجر بأنه احتجاج بالخبر في غير ما ورد فيه. 
 
المذهب الثاني
     السنة في الشارب القص لا الحلق ولا الإحفاء.والقص هو أخذ ما زاد على الشفة، وهو مذهب المالكية والشافعية؛ ومما استدلوا به حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عشر من الفطرة»، وذكر منها: «قص الشارب»، وعن المغيرة قال: جئت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شاربي وفـى، فقصه على سواك. 
 
المذهب الثالث
     الإحفاء أفضل، والإحفاء هو المبالغة في التخفيف، وهو مذهب الحنابلة؛ ومما استدلوا به عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»، وعنه مرفوعا: «انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»، قال ابن حجر: فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة، وذكر البخاري أن ابن عمر يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد، ويأخذ هذين -يعني بين الشارب واللحية-، وعن عبد الله بن رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، ينهكون شواربهم كالحلق. 
 
جواز الأمرين
الذي يظهر هو جواز الأمرين، وإن كان القص أولى من الإحفاء لأمور منها: 
     ما ذكره ابن عبد البر وهو أن قوله: «أحفوا» لفظ محتمل، وقوله: «قص الشارب» لفظ مفسر، والمفسر مقدم على المحتمل، وما قاله ابن حجر من أن المعنى المقصود من هذا الأمر هو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل وبقاء زهومة المأكول على الشارب، وكل ذلك يحصل بالقص، وهو الذي تجتمع به الأحاديث، وهو ما دل عليه تصرف البخاري؛ حيث أورد أثر ابن عمر المتقدم، ثم أورد بعده حديث أبي هريرة في قص الشارب؛ فكأنه يشير إلى أن هذا هو المراد من الحديث. 
 
     وأما ما نقل عن الصحابة، فهو محتمل لأن يراد به استئصال الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيتها، وقد روى مالك عن زيد بن أسلم، أن عمر كان إذا غضب فتل شاربه؛ مما يدل على أنه كان يوفره.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة