أخبار سريعة
الأحد 09 اغسطس 2020

الملفات » ولاية المرأة للقضاء في الشريعة الإسلامية (2)

للكاتب: د. فهد عبدالمحسن الحسيني

نسخة للطباعة

ولاية المرأة للقضاء في الشريعة الإسلامية     (2)

 

 

ما زالنا نستكمل عرض الدراسة التي قدمها الباحث فهد عبدالمحسن الحسيني - رحمه الله- إلى معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية، التي تتناول ولاية المرأة للقضاء في الشريعة الإسلامية، وقد تناولنا في المقال السابق شروط تولي القضاء في الشريعة الإسلامية، ثم ذكرنا آراء الفقهاء في تولي المرأة للقضاء، وقلنا: إنهم انقسموا إلى ثلاثة مذاهب: عدم الجواز مطلقًا، والجواز فيما تصح شهادتها فيه، وأخيرًا الجواز مطلقًا، وقد تناولنا بالتفصيل المذهب الأول وهو عدم الجواز مطلقًا، واليوم نتناول بيان أدلة القائلين بالجواز في حال دون حال.

القائلين بالجواز في حال دون حال

     وافق الحنفية الجمهور في عدم جواز تولي المرأة القضاء فيما لا تصح شهادتها فيه كالقصاص والحدود، واتفقوا على إثم موليها، وأما فيما تصح شهادتها فيه وهو ما عدا الحدود والقصاص؛ فذهب الحنفية إلى صحة قضائها ونفاذ حكمها إذا وليت مع إثم من ولاها، فالحنفية يتفقون مع الجمهور في عدم جواز تولي المرأة للقضاء وإثم من ولاها، ولكن اختلفوا مع الجمهور في صحة قضائها إذا وليت فيما تصح شهادتها فيه في غير الحدود والقصاص.

أدلة الجمهور

     واستدل الحنفية على عدم جواز تولي المرأة القضاء وإثم من ولاها بالأدلة التي استدل بها جمهور الفقهاء، واستدلوا على صحة قضاء المرأة فيما تصح شهادتها فيه بالقياس، وقالوا كما أن المرأة تصح شهادتها في غير الحدود والقصاص، فيصح قضاؤها في غير الحدود والقصاص، والقاعدة عندهم (كل من صلح شاهدا يصلح قاضيا؛ لأن القضاء ينبني على الشهادة)، وأما في الحدود والقصاص فإنه لا يصح شهادتها، فكذلك لا يصح قضاؤها، وعلل الإمام أبو حنيفة جواز تولي المرأة القضاء بأن: «قبول قولها في الشهادة على غيرها كقبول حكمها على غيرها، لأن في الشهادة معنى الولاية».

ونوقش هذا الاستدلال بأمور:

ا- أن قياس القضاء على الشهادة قياس مع الفارق؛ لأن الشهادة أقل رتبة من القضاء، فالشهادة خاصة والقضاء عام، ولا يقاس العام على الخاص. قال الماوردي: «وأما جواز شهادتها فلأنه لا ولاية فيها فلم تمنع منها الأنوثة، وإنما منعت من الولايات»، والشهادة تقبل من الجاهل وغيره بخلاف القضاء؛ فلا يجوز تولية إلا من توافرت فيه الشروط.

2- أن قبول شهادة المرأة في أحوال الضرورة والحاجة، وأما تولي المرأة القضاء فأمر لا تدعو إليه الحاجة ولا الضرورة.

أدلة القائلين بالجواز مطلقًا مع مناقشتها

ذهب الإمام ابن حزم الظاهري إلى جواز تولي المرأة القضاء مطلقا، سواء كان في الحدود والقصاص أم في غيرهما، ونقل هذا القول عن ابن القاسم من المالكية وابن جرير الطبري، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة عدة:

كلكم راع

١- ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبي -[- «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس فهو راع عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على أهل بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالشارع أعطى للمرأة حق الولاية في بيت زوجها وجعلها مسؤولة عن القيام بإدارته وتدبيره، فدل هذا على جواز تولي المرأة القضاء قياسا على ولايتها في بيت زوجها.

ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن القضاء ولاية عامة بخلاف رعاية الزوجة لبيت زوجها فهو ولاية خاصة، ولا يلزم من ثبوت الولاية الخاصة ثبوت الولاية العامة للمرأة.

القياس على الإفتاء

٢- القياس على الإفتاء؛ فكما أن المرأة يجوز لها تولي الإفتاء فتكون مفتية، وإذا أفتت صحت فتواها، فكذلك القضاء؛ حيث إن كلا منهما فيه إظهار الحكم الشرع.

ونوقش هذا الاستدلال، بأن هناك فروقا بين القضاء والإفتاء، فالقضاء ولاية عامة بخلاف الإفتاء، والقضاء فيه إلزام بخلاف الإفتاء، فحكم القاضي ملزم نافذ، أما حكم المفتي فغير ملزم وغير نافذ، فقياس القضاء على الإفتاء قیاس مع الفارق فلا يصح.

القياس على الحسبة

٣- القياس على الحسبة، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه ولى امرأة من قومه تدعى الشفاء الحسبة على السوق، فيقاس القضاء على الحسبة؛ حيث أن كلا منهما من الولايات العامة، فكما جاز للمرأة تولي الحسبة جاز لها تولي القضاء.

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه عدة:

أ) أن هذا الأثر لم يصح عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقد قال أبو بكر بن العربي عنه: «وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث»، وقال الدكتور محمد أبو فارس: «ما ذكره ابن حزم -رحمه الله- من أن عمر ولي الشفاء فلا يصلح حجة في هذا المقام، فالخبر لم يثبت، فقد ساقه غير مسند وبصيغة التمريض، وهذه الصيغة لا تؤهل النص ليحتج به».

ب) يستبعد أن يكون هذا الأثر صدر من عمر؛ لأن عمر - رضي الله عنه - كان معروفا بالغيرة على النساء وهو صاحب فكرة الحجاب، حيث أشار بها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل الوحي موافقا و مؤيدا لرأيه، فبعد هذا يستحيل أن يعارض عمر ما انتهجه وسار عليه، ويولي امرأة الحسبة على السوق، ويجعلها تختلط بالرجال، وتمكث أكثر وقتها خارج البيت.

ج) لو فرضنا صحة هذا الأثر، فهو فعل صحابي، وفعل الصحابي ليس بحجة عند علماء الأصول، ولا سيما إذا خالف الأحاديث الصحاح، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»؛ فهذا الحديث متفق على صحته، حتى عند من أجازوا تولي المرأة للقضاء، فلذلك لا يلتفت لهذا الأثر لمخالفته للأحاديث الصحيحة».

القياس على أن المرأة وصية أو وكيلة

4- أن المرأة يجوز لها أن تكون وصية أو وكيلة، فكما جاز لها تولي هذه الأمور فيجوز لها أن تكون قاضية.

ونوقش هذا القياس: بأنه لا يلزم من كون المرأة وصية أو وكيلة أن تكون لها ولاية عامة على القضاء؛ لأن الوصاية والوكالة هي من قبيل الولايات الخاصة بخلاف القضاء فهو من الولايات العامة، فلا يصح قياس القضاء عليهما.

القدرة على الفصل في الخصومات

هـ- أن الأصل هو أن كل من عنده القدرة على الفصل في الخصومات والمنازعات بين الناس فحكمه صحيح وجائز، إلا ما استثني وخصص بالدليل كالإمامة العظمى، فهي مخصصة بإجماع العلماء؛ حيث أجمعوا على عدم جواز تولي المرأة لرئاسة الدولة، وعلى هذا فقضاء المرأة جائز وصحيح؛ لأنها قادرة على الفصل بين الناس.

ونوقش هذا الاستدلال بأمور:

أ) أن هذا الكلام منقوض برئاسة الدولة؛ حيث إن المرأة قد تكون لها القدرة على تحمل أعباء هذا المنصب، ومع ذلك فإن الفقهاء أجمعوا على عدم جواز تولي المرأة المنصب رئاسة الدولة.

ب) أن المرأة غير قادرة على الفصل في الخصومات على وجه الكمال، وذلك النقصان الطبيعي الذي يعتريها؛ حيث إنها كثيرا ما تنساق وراء العاطفة، وأيضا ما تمر به المرأة من أمور طبيعية كالحيض والحمل والولادة والرضاع و غيرها؛ مما يؤثر في قدرتها على فهم القضايا وتكوين الحكم الكامل والصحيح فيها.

القول الراجح مع أسباب الترجيح

بعد عرض الأقوال السابقة وأدلة كل قول والتأمل فيها، نجد أن أقرب الأقوال إلى الصواب وأرجحها هو قول جمهور الفقهاء، وهو اشتراط الذكورة لتولي القضاء وعدم جواز تولي المرأة للقضاء، وذلك للأسباب التالية:

قوة أدلة الجمهور

١- قوة الأدلة التي استدل بها الجمهور وكثرتها؛ حيث استدلوا بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما أدلة المذاهب

الأخرى فهي ضعيفة الدلالة، وتعتمد على الاستدلال بالقياس، ونصوص الكتاب والسنة مقدمة على القياس بالاستدلال.

اتفاق الحنفية مع الجمهور

2- أن فقهاء الحنفية يتفقون مع الجمهور في عدم جواز تولية المرأة للقضاء وأن من ولاها القضاء يأثم، ولكنهم خالفوا الجمهور فيما إذا وليت القضاء فهل ينفذ حكمها أم لا؟ فالحنفية يرون أن حكمها نافذ صحيح في غير الحدود والقصاص مع إثم من ولاها، إذًا فالمذاهب الأربعة متفقون على عدم جواز تولية المرأة للقضاء.

شهادة المرأة نصف شهادة الرجل

3- أن الله -عز وجل- جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في الأموال، ولا تقبل شهادتها مفردة إلا إذا انضم إليها الرجل، قال -تعالى-: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} (البقرة:282)، فكيف تتولى المرأة القضاء ولم يقبل الله -عز وجل- شهادتها مفردة في الأموال- وجعل شهادتها نصف شهادة الرجل، وأما في الحدود والقصاص فإن الفقهاء متفقون على عدم قبول شهادتها وإن انضم إليها الرجل، فمن باب أولى عدم قبول قضائها فيما لا تقبل شهادتها فيه.

لم يؤثر أن امرأة تولت القضاء

4- منذ بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤثر أن امرأة تولت القضاء، و لاحتی بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم  -، فلم يرد عن أحد من الخلفاء الراشدين أن ولى القضاء امرأة، واستمر العمل على هذا حتى في العصور التي بعدهم كعصر الدولة الأموية والدولة العباسية وغيرهما، بل حتى عندما ساد العمل بالمذهب الحنفي وتولوا القضاء لم يؤثر عنهم أنهم ولوا القضاء امرأة، فدل هذا على عدم جواز تولية المرأة القضاء، ولو جاز ذلك لما منعت المرأة من تولية القضاء ولا سيما أنه لم يخل ذلك الزمان من نساء أكفاء شهد لهن التاريخ بالفضل والكفاءة.

إجماع العلماء

5- العلماء مجمعون على عدم جواز تولي المرأة للقضاء، وما نقل عن الإمام ابن حزم من جواز تولي المرأة للقضاء مخالف للإجماع، وأما ما نقل عن ابن جرير وابن القاسم فلم يثبت فلهذا لا يصح الجزم به.

كمال العقل والرأي

6- أن القضاء يحتاج إلى كمال عقل ورأي، والمرأة غالبا ما تنساق وراء العاطفة، وأيضا فإن المرأة تتأثر بما يعتريها من عوامل طبيعية دورية كالحيض والنفاس والحمل والولادة وغيرها، فهذه الأمور تعيق المرأة عن اتخاذ الرأي السديد وإصدار الحكم الصحيح.

الاختلاط بالرجال ومجالستهم

7- أن تولي المرأة للقضاء يقتضي خروج المرأة إلى الرجال والاختلاط بهم ومجالستهم، ومناقشة الخصوم والشهود وغيرهم، وهذه الأمور تؤثر على مكانة المرأة وسمعتها، والشريعة الإسلامية أقرت كل ما فيه محافظة على كرامة المرأة وسمعتها، وحذرت من كل ما يسيء أو يؤثر على مكانة المرأة.

القضاء يحتاج إلى التفرغ

8- أن القضاء يحتاج إلى التفرغ والوقت الكافي حتى يتسنى للقاضي النظر في القضايا والتفكر فيها والتوصل إلى معرفة الحق وإقامة العدل، والمرأة عليها مسؤولية عظيمة في الاهتمام ببيت زوجها وتربية أولادها ورعايتهم، فتولي المرأة للقضاء يعيقها عن أداء هذه المسؤولية العظيمة على وجه الكمال.

فتوى الأزهر

     وهذا القول هو الذي رجحته فتوى الأزهر الصادرة في مايو 1997م؛ حيث جاء فيها -بعد ذكر أقوال العلماء في حكم تولي المرأة القضاء-: «وأختار رأي الجمهور، وأنصح المرأة أن تبعد عن هذه المجالات الدقيقة المحتاجة إلى فكر عميق ودراسة واعية ووقت طويل، وهي بطبيعتها ومهمتها الأساسية تتحمل ما لا يطاق، مع عدم وجود ضرورة تدعو إلى المزاحمة في هذا المجال فالجديرون به كثير، والمجالات الأخرى المناسبة لها كثيرة وفي غاية الأهمية، ولا يصلح المجتمع إلا بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، أما إذا أوسد الأمر إلى غير أهله فقد ضيعت الأمانة وقربت الساعة».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة