أخبار سريعة
الأحد 09 اغسطس 2020

الملفات » سجون الشباب

للكاتب: مصطفى دياب

نسخة للطباعة

سجون الشباب

 


كثيراً ما نسمع ونقرأ أن الشباب كانوا وقود الدعوة وشرارتها، وكلما دققت النظر وجدت أن أدوارهم في المجتمع المسلم لا تخفى على أحد، فهذا اول اجتماع في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخطره، يعقده في دار الأرقم الذي كان في السادسة عشر من عمره، وهذا أسامة بن زيد في الرابعة عشر من عمره، يضع الرسول - صلى الله عليه وسلم- في بيته أسرى بني قريظة، والأعظم من ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل»، وكانت أعمارهم من 18 - 20 كلهم، ويجهز النبي - صلى الله عليه وسلم- جيش أسامة بن زيد وهو في السابعة عشر من عمره، ومحمد بن القاسم الثقفي (فاتح بلاد السند والهند) كان في السابعة عشر من عمره، وتحرك بجيش أكثر من اثني عشر ألف جندياً، ومعاذ بن جبل يموت يوم يموت فيهتز لموته عرش الرحمن، ويكون إمام العلماء يوم يبعثون رمية بحجر، وكل هذا ولم يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره، والأمثلة كثيرة.

     والفرق كبير بين عباد وعمار وهما يتسابقان على قيام الليل والحراسة وخدمة الدين، وبين شباب اليوم الذي يتسابق على المزرعة السعيدة والفيس والعلاقة مع الفتيات والحديث معهن على الشات، ومن هنا كانت القضبان التي يصنعها شبابنا حول نفسه، ففي سجون الشباب لا متعة حقيقية في الحياة، ولكن تقيد بالأغلال، في سجون الشباب، أنت السَّجان وأنت المسجون، وأنت المتهم وأنت الضحية، وأنت من يدفع الثمن!.

سجن المشاعر

الغيرة والحسد والكبر والعُجب والغرور والمقارنة بالآخرين والحب والبغض والاضطراب والتردد وغيرها كلها مشاعر تقيد صاحبها، وتُحول حياته إلى أشغال شاقة مرهقة.

سجن المعصية

المعصية من أكبر السجون وأوسعها، وأكثر نُزلائها الشباب، ولما قال رجل للحسن البصري: أُحب قيام الليل، وأعد طهوري لكني لا أستيقظ للصلاة, قال: قيدتك ذنوبك؛ فكم قيدٍ قيدت به نفسك!

     أخي الشاب، فُكَّ قيدك؛ فبيدك مفتاح القيد، وتخلص من كابوس المعصية؛ فالذنب على الذنب سوادٌ على سواد «... فأيما قلب أُشربُها نكتت فيه نكتةٌ سوداء»، ولا تفتح على نفسك أبواب الفتن والمعاصي، «... ويحك لا تفتحه , إنك إن تفتحه تلجه»، كم من شاب فتح على نفسه باب فتنة وشهوة فما استطاع أن يغلقه أو يخرج منها، مع كثرة محاولاته وصلاته ودعائه! وكم من ألم الحسرة والشعور بالذنب وذل النفس أمام النفس وانكسارها عندما تقع في المعصية وأنت تعلم أنها حرام! إنها الجرأة على الحرام {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ}، {أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}، {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}، {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}، ومع ذلك فالتوبة نافذة أمل لإصلاح النفس، والتوبة سلوك تربوي عملي للشباب.

سجن الهوى

     ومن الشباب من يعبد هواه، يطيعه طاعة عمياء؛ فتارة عبدٌ للشهوة المحرمة، وتارة عبدٌ للدنيا وما فيها، وتارة عبدٌ لرغباته وملذاته دون نظر إلى شرع أو دين، ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا نعيم بن مسعود يقول يارسول الله، مُرني بما شئت ولا أعصي لك أمراً. إن هؤلاء ومن بعدهم كانوا يعرفون الطريق إلى الله، وكيف يخرجون من سجن الهوى وذلك باقتفاء آثار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}.

سجن الحرص

     الشره الشديد والرغبة في التملك والشراء مع البخل العجيب الذي يخرج الشاب عن سلوك القانعين، فما أشد تعلق الشباب والشابات بالشراء لأحدث (موبايل) أو أحدث (حذاء) أو أحدث (تي شيرت) أو حتى شراء ما هو مباح من الأشياء التي لا يشبع منها الشباب! وفي قصة وفد تُجيب قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وما حاجتك يا غلام؟ قال: حاجتي أن تدعو الله لي أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غنائي في قلبي فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال قومه بعد عام: والله يارسول الله، ما رأينا أقنع منه! ولو أن الدنيا قسمت أمام عينيه ما نظر إليها وما التفت إليها، فالقناعة القناعة يا شباب والرضا بما قسم الله تكن أغنى الناس.

سجن الملل

     هذه حياة الشاب الذي تمر أيامه متشابهة أمس، كاليوم، كغدٍ؛ وماذاك إلا لأنه لم يتلذذ ولم يستمتع بطاعة ربه؛ فمن لاح له فجر الأجر هانت عليه مشقة التكاليف، وإذا أيقن العبد أن الله يرى مقامه لم يتسرب إليه الملل (هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بمسامع الملك)، ومن كان حريصا على الأجر لم يتوقف «إن الله لايمل حتى تملوا... واكفلوا من الطاعة ماتطيقون»؛ فلن يتوقف الأجر إذا استمر العمل، ولا تكلفوا أنفسكم فوق ما تطيقون؛ فإن الجَمَلَ مهما طال صبره على ما يحمله يأتي عليه زمانٌ يضعُف عن الحركة ويتوقف، ومن الشباب من ليس له هدف يصبو إليه فيتبدد برنامج حياته يوما بعد يوم، وعلى الشباب أن يُنوع حياته بأنواع الطاعات والمباحات؛ ليعيش منطلقاً في حيوية.

سجن الموضة

     التي أسرت كثيرا من شبابنا وفتياتنا، وأصبح عدوك هو الذي يحدد نمط حياتك واتجاهك حتى تَحَكَمَ فيك من مفرق رأسك إلى أخمص قدمك، فتسريحة الشعر على الموضة، وثوبك على الموضة، ونعلك على الموضة، رغم أنك إذا رأيت نفسك في المستقبل لعلك لا تملك نفسك من الضحك على نفسك! كيف كنت تلبس هذا البنطال الذي كشف مؤخرتك، أو كان ممزقاً متسخاً وكنت تراه على الموضة؟! فما أسوأ أن تتبع الماركات والموضات دون بصيرة؛ فليس كل ما يأتي من الغرب يتناسب مع مبادئنا السامية وأخلاقنا الرفيعة؛ فأنتم ياشباب الأمة عمادها وأملها وحاضرها ومستقبلها؛ فتخلصوا من التبعية لمن يلعب بعقولكم واستجيبوا لربكم.

وأخيراً سجن الدنيا

     وما فيها من ابتلاءات عقلية (الشبهات)، أو قلبية (الشهوات)، والملتزم الحق يظهر التزامه عند الشهوة وعند الشبهة , فاستقيموا ياشباب على أمر الله، والتمسوا العلماء فلا تتركوهم، واعلموا أن الدنيا ليست دار إقامة ولا مستقر، وتحرروا من سجونكم، وفكوا أغلالكم، واقتفوا أثر نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، واعملوا بكتاب ربكم -عز وجل- , حرركم الله، وفك أسركم، ونفع بكم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة