أخبار سريعة
الإثنين 21 سبتمبر 2020

الملفات » مقومات بناء الشخصية العلمية لقارئ القرآن الكريم ومقرئه

للكاتب: ياسر سرحان الديب

نسخة للطباعة

 مقومات بناء الشخصية العلمية لقارئ القرآن الكريم ومقرئه


قلنا في مقال سابق: إن من أجلّ الأعمال وأعلاها قدرا هي تعليم كتاب الله -تعالى- وتعلمه، وهذا يقتضي اتصاف القائم به بصفات تؤهله لإتقان هذه المهمة النبيلة التي تميزه في درب خيرية تعلّم القرآن وتعليمه؛ لذا فقد قمت بجمع بعض هذه الصفات تذكرة لنفسي وإخواني من مقرئي كتاب الله -تعالى-، وبعد أن تحدثنا عن الصفة الأولى وهى الإخلاص، سنتناول في هذه الحلقة بعض الصفات الأخرى التي ينبغي أن يتحلى بها قارئ القرآن ومقرئه ألا وهي: (التدين الصادق والأخلاق الحسنة): والمقصود من ذكر صفة التدين الصادق لمعلم القرآن، هو التنبيه على أن يواطئ قوله وعمله ما يحمل من كلام الله؛ ليكون القرآن العظيم حجة له، لا عليه، وليرفعه الله به، وينفع بتعليمه.

     فالتدين بمفهومه الصحيح هو: تطبيقٌ عمليٌّ للدين وفق الفهم الصحيح، فلا يمكن أن تحدث مشكلات في التدين إذا ما كان التدين كاملًا وصحيحًا، ولكن تبدأ المشكلات عندما ينحرف التدين، ويبدأ الإنسان بتطبيق أمور، وترك أخرى في الدين من باب التدين؛ فيهتمُّ بالأمور الشكلية كاللباس والهيئة، ويترك الأمور الأهم التي هي صميم الدين وغايته، كالأخلاق وأصول التعامل مع الناس، والمحافظة على حقوقهم وعدم الإضرار بهم.

الطبع أرض والعلم بذر

     يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: «الطبع أرض، والعلم بذر، ولا يكون العلم إلا بالطلب، فإذا كان الطبع مساعدًا زكا ريع العلم و تفرّعت معانيه، فالتدين لا يجب أن يكون بفهم نصوص الدين وقراءتها وكثرة تحصيل العلم فقط، وإنما بتطبيق ذلك وممارسته سلوكًا عمليًا يظهرُ المسلم للناس فيه مكارم الأخلاق والمعاملة الحسنة الطيبة. وينبغي لمن فضَّله الله -تعالى- وشرَّفه بحمل كتابه، أو شيء منه أن يكون من أهل القرآن بحق، الذين هم أهل الله وخاصته وممن قال الله -عز وجل- فيهم:{لَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة:121). أي يعملون به حق عمله.

وقال عكرمة: يتبعونه حق اتباعه، وذكر العلماء أن من شرط مقرئ القرآن وصفته أن يكون ثقة مأمونًا، ضابطًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة.

ملتزمًا بالفرائض والواجبات

     فينبغي لحامل القرآن ومعلمه أن يكون ملتزمًا بالفرائض والواجبات، ومحافظًا على المندوبات بحسب الاستطاعة، مجتنبًا للمحرمات، مبتعدًا عن المكروهات بقدر الطاقة، سواء ما كان من ذلك بالقول أو الفعل، ظاهرًا وباطنًا، وأن يكون مراقبًا لربه في سره وعلانيته، راجيًا ثوابه، خائفًا من عقابه، متأملًا في تصرفاته، محاسبًا نفسه على هفواته وزلاته، حريصًا على ما يصلح دينه، ويسدد نقصه، ويصلح خطأه قدر الإمكان.

البعد عن الأساليب المبتدعة

     ومما يجب على المعلم أن يأخذ نفسه به، وينشِّئ طلبته عليه، البعد عن الأساليب المبتدعة في القراءة، التي أحدثت بعد القرون المفضلة، نحو قراءة القرآن بأصوات الغناء، أو بطريقة الترعيد، أو الترقيص، أو التطريب، أو باللحون الخاصة بالأعاجم ؛ لأن القرآن عربي، فيسلك به مذاهب العرب في لحونهم ونغماتهم.

حسن الخلق

     وإن من المبادئ المهمة التي ينبغي لمعلم القرآن أن يعتني بها كذلك، ويعرف حدودها وثمراتها الأخروية والدنيوية: حسن الخلق، فالأخلاق في دين الإسلام عظيم شأنها عالية مكانتها، ولذلك دعت الشريعة المسلمين إلى التحلي بها وتنميتها في نفوسهم، وهي أحد الأصول الأربعة التي يقوم عليها دين الإسلام وهي: الإيمان، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات، ولذا نالت العناية الفائقة الكبرى والمنزلة العالية الرفيعة في كتاب الله -عزوجل- وسنة رسوله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو سيد الدعاة إلى الله -تعالى-، وأصحابه -رضي الله عنهم- أفضل من دعوا إلى الله -تعالى- من بعده بأخلاقهم الإسلامية الحميدة وصفاتهم الحسنة.

من المبادئ المهمة

     لذلك كان من المبادئ المهمة التي ينبغي لقارئ القرآن ومقرئه أن يتحلى بها، هو حسن الخلق، ويتأكد هذا الخلق في حقه؛ لأنه متصدر لتعليم الناس ومخالطتهم، وسينتج عن هذا التعليم وتلك المخالطة أمور ينبغي أن يقابلها بحسن المسايسة وتدبير الأمر؛ لأن كل من خالط الناس وجد منهم ما يكره فلذلك لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن معلماً لهم ومفقهاً وقاضياً، أوصاه بقوله: «وخالق الناس بخلق حسن»، فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن، ما لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به.

يتميّـز عن سائرِ النّاس

     فينبغي لحامل القرآن أن يـجعلَ القرآن ربيعـاً لقلبه، يَعْمُـرُ ماخرِبَ من قلبِـهِ ويتـأدبُ بـآدابِ القرآن، ويتخلّـقُ بأخلاقٍ شريفةٍ يتميّـز بـها عن سائرِ النّاس ممن لايقرأ القرآن؛ فـأول ماينبغـي له أن يستعملَ: تقوى الله في السّـرّ والعلانية، باستعمال الورع في مطعمـه ومشربه ومكسبـه، وأن يكونَ بصيـراً بزمانه وفساد أهلـه، مقبلاً على شـأنه، مهموماً بـإصلاح ما فسد من أمره، حافظـاً للسانـه، مميِّـزاً لكلامه، إن تـكلّم تكـلّم بعـلم إذا رأى الكلامَ صواباً، وإن سكت سكت بعلـم إذا كان السكوت صـواباً، قليـلَ الـخوض فيمـا لايعنيـه، يـخاف من لسانه أشدّ ممـا يـخاف من عدوّه، يـحبس لسانـه كـحبسه لعدوّه، ليـأمن شـرّه وسوءَ عاقبتِـه ؛ قليلَ الضّـحك فيما يضـحك منه النّـاس لسـوء عاقبـة الضّـحك، إن سُـرَّ بشـيءٍ مما يوافقُ الـحقَّ تبسَّـم، يـكره الـمزاح خوفـاً من اللعب، فـإن مـزح قال حقـاً، باسطَ الـوجه، طيّـب الكلام، لايـمدحُ نفسه بـما فيه، فكيف بـما ليس فيـه، يـحذر من نفسه أن تـغلبـه على ما تهوى مما يُسـخط مولاه، ولايغتـابُ أحداً ولايحقر أحداً، ولايشمـت بـمصيبة، ولايبغي على أحـد، ولايـحسده، ولايسـيءُ الظـنّ بـأحدٍ إلا بـمن يستحق، وأن يكون حافظـاً لـجميع جوارحـه عمّـا نُهـي عنه، يـجتهد ليسـلمَ النّـاسُ من لسانه ويده، لايظلم وإن ظُلـم عفـا، لايبغي على أحد، وإن بُغـي عليه صبـر، يكظم غيظـه ليرضـي ربّـه، ويغيظَ عدوّه، وأن يكون متواضعاً في نفسه، إذا قيـل له الـحق قَبِـله من صغيـرٍ أو كبير، يطلب الرفعـة من الله تعالى لامن الـمخلوقين، وأن يعمل بكتاب الله في شانه كله حتى لا يقع في مغبة الذين يقرؤون القرآن ولا يعرفون عنه شيئاً إلا حروفه وسوره، ولا يتمتعون بفهم معانيه ولا يتذوقون حلاوته ويرددونه وكأنه شعر أو نثر.

التخلق بمحاسن الشريعة

      وقال الإمام النووي وهو يذكر الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها حامل القرآن ومعلمه: «وينبغي للمعلم أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها، والخصال الحميدة والشيم المرضية التي أرشده الله إليها من الزهادة في الدنيا والتقلل منها، وعدم المبالاة بها وبأهلها، والسخاء والجود ومكارم الأخلاق، وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة، والحلم والصبر والتنزه عن دنيء المكاسب وملازمة الورع، والخشوع والسكينة والوقار، والتواضع والخضوع واجتناب الضحك والإكثار من المزاح، وملازمة الوظائف الشرعية كالتنظيف والتقليم بإزالة الأوساخ والشعور التي ورد الشرع بإزالتها، كقص الشارب وتقليم الظفر وتسريح اللحية وإزالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة، وليحذر كل الحذر من الحسد والرياء والعجب واحتقار غيره وإن كان دونه، وينبغي أن يستعمل الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل ونحوهما من الأذكار والدعوات، وأن يراقب الله -تعالى- في سره وعلانيته، ويحافظ على ذلك، وأن يكون تعويله في أموره على الله -تعالى.

أكمل الأحوال وأكرم الشمائل

     وقال عن حامل القرآن أيضاً: أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالاً للقرآن، وأن يكون مصوناً عن دنيء الاكتساب، شريف النفس مرتفعاً على الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعاً للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم؛ فقد وضح لكم الطريق، فاستبقوا الخيرات، لا تكونوا عيالاً على الناس.

التواضع وعدم التعاظم

     وينبغي لمن علّمه الله كتابه، فأحب أن يجلس في المسجد، أو في غيره من الأماكن الطاهرة، يقرئ القرآن لله أن يستعمل من الأخلاق الشريفة ما يدل على فضله وصدقه، وهو أن يتواضع في نفسه إذا جلس في مجلسه، ولا يتعاظم في نفسه، والأفضل أن يستقبل القبلة في مجلسه، ويتواضع لمن يُلَقِّنه القرآن، ويقبل عليه إقبالاً جميلاً.

أن يوفي كل ذي حق حقه

     وينبغي له أن يستعمل مع كل إنسان يلقنه ما يصلح لمثله، إذا كان يتلقن عليه الصغير والكبير والحدث، والغني والفقير، فينبغي له أن يوفي كل ذي حق حقه، ويعتقد الإنصاف إن كان يريد الله بتلقينه القرآن: فلا ينبغي له أن يُقرِّب الغني، ويُبعد الفقير، فإن فعل هذا فقد جار في فعله، فحكمه أن يعدل بينهما، ثم ينبغي له أن يحذر على نفسه التواضع للغني، والتكبر على الفقير، بل يكون متواضعاً للفقير، مقرباً لمجلسه، متعطفاً عليه، يتحبب إلى الله بذلك.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة