أخبار سريعة
الأربعاء 02 ديسمبر 2020

الملفات » إخلاصا لله وتعظيما له وحذرا من عقابه، مع إحسان الظن به -سبحانه - الواجب علينا الإقلاع عن جميع الذنوب والحذر منها والعزم على عدم العودة فيها مع الندم على ما سلف منها

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

 إخلاصا لله وتعظيما له وحذرا من عقابه، مع إحسان الظن به -سبحانه - الواجب علينا الإقلاع عن جميع الذنوب والحذر منها والعزم على عدم العودة فيها مع الندم على ما سلف منها

 


في بيان لخطر الذنوب والمعاصي قال سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز -رحمه الله: لا ريب أن الذنوب شرها عظيم، وعواقبها وخيمة في الدنيا والآخرة، ويكفي هذا المعنى تحذيرًا لنا قوله -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:30)؛ حيث يخبر -سبحانه- أن ما أصاب الناس من المصائب في قلوبهم، وفي أبدانهم، وفي بلدانهم، وفي حروثهم، وفي غير ذلك؛ فبما كسبت أيديهم {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ}، مصيبة نكرة في سياق النفي مؤكدة بمن تعم المصائب كلها {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، يعني فأسبابها كسْبُنا، يعني أعمالنا ومعاصينا وسيئاتنا التي أسلفناها وفعلناها، ومع هذا يعفو عن كثير -سبحانه.

ليس كل الذنوب نؤاخذ بها

      فليس كل الذنوب يؤخذ بها، بل هناك ذنوب يعفو عنها، ولا يترتب عليها عقوبة لأهلها فضلًا منه وإحسانًا -جل وعلا-، هذا يوجب للعاقل أن ينتبه، وأن يحذر شر أعماله وسيئاته، وأن يحاسب نفسه دائمًا أينما كان، لماذا فعل كذا؟ ولماذا فعل كذا؟ حتى يتوب إلى الله منه، حتى يعلم أنه أجرم وأذنب، أو يعلم أنه قصر، فيبادر بالتوبة.

معاتبة النفس

     فالعتاب للنفس والجهاد لها، والنظر في أعمالها أمر مهم، أمر يترتب عليه صلاح أمر الدنيا والآخرة كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (الحشر:18)، يعني: انظروا ماذا قدمتم للآخرة من أعمال، هل هي صالحة؟ أو غير صالحة؟ فإن كانت صالحة، فاحمدوا الله عليها، واسألوه الثبات، واستقيموا حتى الموت؛ لأن المؤمن لا بد أن يستقيم، ولأن الثواب إنما يحصل لمن استقام حتى مات على الخير والهدى، أما من انحرف وزاغ وارتد عن دينه فإن أعماله كلها تبطل وتحبط، قال -تعالى-: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:88)، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (المائدة:5).

لا تنفع الأعمال إلا بالاستقامة

     هذه الأعمال الصالحات والحسنات الكثيرات إنما تنفع أهلها إذا استقاموا وماتوا عليها، أما إن ارتدوا عنها وكفروا بالله -جل وعلا- بعد إيمانهم فإنها تبطل، وتذهب عليهم، ويعقبها العذاب الشديد، والعواقب الوخيمة، نسأل الله العافية، يقول -سبحانه-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (فصلت:30-32)، فهذه عاقبة من استقام ووحد الله، وقال: ربي الله، يعني إلهي ومعبودي الله، وشهد أن محمدًا رسول الله؛ لأن من تمام الإيمان بالله الشهادة بأن محمدًا رسول الله، ثم استقام على توحيده وإيمانه، واستقام على طاعة الله، وترك معصيته، حتى جاءه اليقين، حتى جاءه الموت، فهذا جزاؤه، يقول الله -جل وعلا-: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} (فصلت:30)، يعني عند الموت تبشرهم، وتقول لهم: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} (فصلت:30-31)، وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأحقاف:13-14).

تفاوت الذنوب

     فذنوبنا خطرها عظيم، وهي متفاوتة، فأعظمها الكفر بالله، أعظم الذنوب، الكفر بالله -جل وعلا- والشرك به -جل وعلا-، فالكفر بالله والشرك به هو أعظم الذنوب، ثم يلي ذلك البدع المخالفة لشرع الله، ثم كبائر الذنوب، ثم صغائرها، وكلها محيطة بالعبد، وهو على خطر منها، وعلاجها السريع العظيم البدار بالتوبة، هذا العلاج العظيم السريع الذي يمحوها بإذن الله -تعالى-، فالبدار بالتوبة العظيمة، بالتوبة الصادقة، بالتوبة النصوح من الشرك فما دونه، وهي الندم على الماضي منها من شرك وبدعة ومعصية، والإقلاع منها، وتركها خوفًا من الله وتعظيمًا له، والعزم الصادق ألا تعود فيها، هكذا تكون التوبة الصادقة، وإلا فشرها عظيم.

     يقول -سبحانه-: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} (النساء:79)، ويقول -جل وعلا-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41)، ويقول -جل وعلا-: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (العنكبوت:40).

من رحمة الله قبوله للتوبة

قد بين الله في كتابه العظيم أنه -سبحانه- يقبل التوبة من عباده مهما تنوعت ذنوبهم وكثرت، كما قال -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

     أجمع العلماء أن هذه الآية في التائبين، وقد أخبر فيها -سبحانه- أنه يغفر الذنوب جميعا لهم، إذا صدقوا في التوبة إليه بالندم، والإقلاع عن الذنوب، والعزم على ألا يعودوا فيها، فهذه هي التوبة، ونهاهم -سبحانه- عن القنوط من رحمته وهو اليأس مهما عظمت الذنوب وكثرت، فرحمة الله أوسع، وعفوه أعظم، قال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى: 25)، وقال في حق النصارى: {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: 74) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلام يهدم ما كان قبله، والتوبة تهدم ما كان قبلها»، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

الواجب علينا

     فالواجب علينا الإقلاع عن جميع الذنوب والحذر منها، والعزم على عدم العودة فيها مع الندم على ما سلف منها؛ إخلاصا لله وتعظيما له وحذرا من عقابه، مع إحسان الظن به -سبحانه-، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يقول الله -تعالى-: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني»، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» فاتقوا الله، وأحسنوا الظن بربكم وتوبوا إليه توبة صادقة إرضاء له -سبحانه- وإرغاما للشيطان، وأبشروا بأنه -سبحانه- سيتوب عليكم، ويكفر سيئاتكم الماضية إذا صدقتم في التوبة، وهو -سبحانه- الصادق في وعده الرحيم بعباده.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة