أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

الملفات » الأمن ضرورة لكل مجتمع تستقيم به المصالح

للكاتب: الشيخ: رائد الحزيمي

نسخة للطباعة

 الأمن ضرورة لكل مجتمع تستقيم به المصالح

«إنّ أمن الكويت واجب مقدس، لا تهاون فيه ولا تساهل، وهو على رأس الأولويات والاهتمامات، فلا بناء ولا تنمية ولا اقتصاد ولا خدمات ولا مدارس ولا مستشفيات في غياب الأمن، واعلموا أنّ حماية أمن البلاد مسؤولية الجميع وواجبه ، وهي أمانة تقتضي الوعي والحكمة وروح المسؤولية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على ما عداها من مصالح واهتمامات وأهواء». كانت هذه كلمات مضيئة، قالها أميرنا الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -رحمة الله عليه.

أمران لا ينفكان

     لا شك أنّ أعزّ شيء يشغل اهتمامات الدول، حفظ الأمن وإشاعة الأمان بين الرعية، وكذلك توفير الطعام والشراب، فهما أمران لا ينفكان عن بعضهما، ولقد امتن الله على قريش بهاتين النعمتين بقوله -تعالى-: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}، فهذه نعمة عظيمة وقال -سبحانه- كذلك ممتنًا عليهم: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}، وقال -تعالى-: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}.

ضرورة لكل مجتمع

يقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: «والأمن ضرورة لكل مجتمع؛ لأن به تتم المصالح وتستقيم، وبفقده تضيع الحقوق ويحصل القلق والخوف، وتحصل الفوضى، ويتسلط الظلمة على الناس، ويحصل السلب والنهب، وتسفك الدماء، وتنتهك الأعراض، إلى غير ذلك من مظاهر فقد الأمن للمجتمع، فلا يأمن الإنسان على نفسه وهو في بيته، ولا يأمن على أهله، لا يأمن على ماله، ولا يأمن وهو في الشارع، ولا يأمن وهو في المسجد، ولا يأمن في أي مكان إذا زالت نعمة الأمن عن المجتمع».

سبل تحقق الأمن

 والأمن يتحقق بأمور عدة أهمها ما يلي:

الأمر الأول: توحيد الله -تعالى

     توحيد الله -تعالى- وعبادته وطاعته والعمل الصالح من أهم سبل تحقيق الأمن في المجتمع، قال -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}.

الأمر الثاني: طاعة ولي الأمر

      ومن سبل تحقيق الأمن اجتماع الكلمة وطاعة ولي الأمر، قال - صلى الله عليه وسلم - لما طلب منه أصحابه النصيحة والوصية قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم في فسيرى اختلافًا كثير فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور»، ولا تستقيم الولاية والجماعة إلا بطاعة ولاة الأمور أما الخروج عليهم ومحاولة خلع ولايتهم ومحاولة إفساد الأمر فإن هذا هو الهلاك العظيم وإن زين وزخرف أنه طلب للحرية وأنه طلب لتحقيق المصالح والإصلاح وكل هذا كذب وتدجيل، فالمصلحة والأمن إنما هو باجتماع الكلمة وطاعة ولي الأمر ولو كان عنده تقصير، ولذلك لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - سجوه -يعني غطوه بالغطاء- ثم ذهبوا إلى سقيفة بني ساعده يختارون لهم قائدًا ووليًا لأمرهم قدموا هذا على تجهيز الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، قامت الولاية والخلافة بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك توجهوا يجهزون الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قبره لعلمهم أنها لا تمضي ساعة بدون ولي أمر، لئلا ينفرط الأمر ويصعب العلاج بعد ذلك.

فولي الأمر به يَحسم الله -جل وعلا- الخلاف، وبولاية الأمر تقام الحدود والتعزيرات، وتحكم الشريعة ويردع الظلمة، وتؤمن السبل والأسفار، وتقوم التجارات وطلب المكاسب، كل هذا نتيجة لتحقق قيام الأمر والسمع والطاعة لولي أمر المسلمين.

دعوة إبراهيم -عليه السلام

     ولهذا لما دعا الخليل إبراهيم -عليه السلام- لأهل مكة قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}، فقدم طلب الأمن على طلب الرزق؛ لأن الأمن ضرورة، ولا يتلذذ الناس بالرزق مع وجود الخوف، بل لا يحصل الرزق مع وجود الخوف، وهذا ما يريده الأعداء الذين يحاولون زعزعة اجتماع المسلمين، ويريدون تفكيك تجمعات المسلمين على ولاة أمورهم؛ فإنه إذا انفلتت الولاية عمت الفوضى وانتشر الفساد وعدمت المصالح التي يقولون إنها ستتحقق، وعم الفساد، ولم يحصل الإصلاح.

جمع كلمة المسلمين

     فلهذا لابد من ولاية تجمع كلمة المسلمين ولو كان عندها قصور أو تقصير، فيصبر على ذلك؛ لأن في الصبر على ذلك دفعًا لما هو أشد وأنكى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كلامًا معناه: ولا يعرف طائفة قامت على ولي أمرها إلا كان حالها بعد زواله أسوأ من حالها مع وجوده. وهذا مجرب الآن، فالرؤساء الذين أزيلوا ماذا كانت حالة بلادهم من بعدهم؟ لا تزال في خوف وقلق وفوضى وسفك دماء.

شكر نعمة الأمن

     إن الأمن لا يستقر إلا بشكر الله -تعالى-، أما الذين يحرضون على الإخلال بالأمن فهم يكفرون النعمة، قال -تعالى- آمراً قريشا: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}، وقال -سبحانه وتعالى-: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً} -يعني مكة- {كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ} كفرت بنعمة الأمن ونعمة الرزق، كفرت بأنعم الله، {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}، هكذا سنة الله -جل وعلا- في خلقه، لا تتغير ولا تتبدل، إذا هم حادوا عن شرعه، وحادوا عن دينه، واستمعوا إلى المفسدين وإلى دعاة الضلال وإلى الغوغائيين، فمدحوا فعلهم، وأثنوا عليه، فهكذا تكون العاقبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثًا: التَّواصي بالحق

      ومن الأمور التي تحقق الأمن في المجتمع: التَّواصي بالحق، ومن أنواعه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر؛ فإنهما حِصن أمن وأمان للمجتمعات، وترْكهما -وإن كان هناك صالِحون قائمون على حدود الله- يؤدِّي إلى الهلاك، ودليل ذلك ما أخرَجه البخاري من حديث النُّعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كمَثلِ قوم استهَموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقَوا من الماء، مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرَقنا في نصيبنا خَرقًا، ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلَكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نجَوا ونجَوا جميعًا».

      والحديث الشريف يُبيِّن أنه هكذا تكون حال الناس في المجتمع؛ فإنه لا يخلو مجتمع من بعض أنواع المُنكَرات والفساد، فإن قام أهل الرُّشد بواجبهم في إنكار هذه المنكَرات بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسب القدرة والاستطاعة والأخذ على أيدي الظالمين، صلَح المجتمع ونجا الجميع من غضب الله -عز وجل-، وأما إنْ تقاعَسوا عن هذا الواجب وغلَبت كلمة المداهنين، فإن العقوبة الإلهية تعُمُّ الجميع، وتلك سُنة إلهيَّة لا تتغيَّر، قال الحافظ: «وهكذا إقامة الحدود يحصُل بـها النَّجاة لمن أقامها وأُقيمت عليه، وإلا هلَك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بـها». (فتح الباري: 5 / 296).

رابعًا: التواصي بالمرحَمة

      التواصي بالمرحمة يجعل الأمة الإسلامية كالجسد الواحد، يشُدُّ بعضهم بعضًا، يجمعهم الحبُّ والتعاطف، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم وتراحمهم مَثلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر»؛ (متَّفق عليه)، وفي رواية لمسلم: (المؤمنون كرجل واحد)، وفي رواية له أيضًا: «المسلمون كرجل واحد، إذا اشتكى عينُه، اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه، اشتكى كلُّه».

مفهوم شامل

      إنَّ من الخطَأ قصرَ مفهوم الأمن على نِطاقٍ ضيِّق متمثِّل في مجرَّد حماية المجتمع من السرقة أو النَّهب أو القتل وأمثال ذلك، فمفهوم الأمن أعمُّ من ذلكم وأجلُّ، إنَّه يشمل التمسُّك بعقيدة التوحيد والبُعد عن الشرك وموالاة الأعداء. الأمن بمفهومه الشامل يتمثَّل في حماية المجتمعات وحِفظها من الوُقُوع في الشبُهات والشهوات عبر دُعاة التغريب، وما يبثُّ عبر الصحف والقنوات، فالأمن على العقول لا يقلُّ أهميَّة عن أمن الأرواح والأموال، فكما أنَّ للأرواح والأموال لصوصًا، فإنَّ للعقول لصوصًا كذلك، ولصوص العقول أشدُّ خطرًا وأنكى جرحًا من سائر اللصوص.


أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة