أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

الملفات » معالم على طريق الدعوة

للكاتب: د. ياسر حسين محمود

نسخة للطباعة

 معالم على طريق الدعوة

طريق الدعوة إلى الله -تعالى- لابد أن تكون معالمه واضحة، حتى يسير الداعية فيه على بصيرة، ويعمل على هدى، ويبذل جهده؛ لينشر دعوته، ويعرض منهجه، ومن أهم هذه المعالم أن لكل وقت عبودية، ثم فقه الدعوة التي يدعو إليها، ثم تحقيق الأخوة في الله ولزوم الجماعة.

المعلم الأول: لكل وقت عبودية

     قدر الله -عز وجل- على كل إنسان أن يمر في حياته بأحوال مختلفة وظروف متفاوتة، وحال الإنسان من بدايته إلى نهايته ليست حالاً واحدة في كل شيء، فهو يبدأ ضعيفاً عاجزاً جاهلاً لا يستطيع أن يبطش بيده، ولا أن يمشي برجله، ولا أن يتكلم بلسانه، ولا يستطيع شيئا إلا البكاء، ثم بعد حين يعرف الابتسام، وكذلك ينتقل من حال إلى حال، ويتعلم بعد جهل ويقدر بعد عجز.

     خلقنا الله -سبحانه وتعالى- من ضعف ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة، ثم يجعل الله -سبحانه وتعالى- من بعد قوة ضعفاً وشَيْبة -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء، وكما قدّر الله ذلك على الأشخاص، قدّره على المجتمعات وطوائف الناس، و قدّره على الدعوات أيضاً، قال الله -عز وجل-: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (آل عمران:140)، وقال -عز وجل-: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء:35).

تبدل الأحوال وتغير الأيام

     هذا الأمر يجب أن نفهمه فهماً جيداً حتى نستعمل في كل وقت عبوديته الخاصّة به، وقد أراد -سبحانه وتعالى- بتبديل الأحوال وتغيير الأيّام ومداولتها أن يكون لنا من أنواع العبودية في كل وقت وحين، وهذا بلا شك يحتاج إلى فقه عظيم وفرقان يفرّق به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، بين الهدى والضلال.

اختلاط الأمور

     إن كثيراً من الناس قد تختلط عليه الأمور فيقول عن البدعة: إنها الاجتهاد في العبادة، وقد يقول عن الضعف: إنه حكمة وصبر، وعن التهور شجاعة، والكسل راحة وسكون، وغير ذلك من أشياء كثيرة يسمّيها بغير اسمها إذا لم يكن عنده الفرقان، وإذا لم يكن عنده فهم للوقت الذي هو فيه، وللابتلاء الذي وُضع فيه.فلا يزال الإنسان في خلل إذا لم يعِ ويفهم السبب الذي ابتلي به، ثم بعد ذلك ينظر في واجب الوقت حتى يستعمل وقته وحياته في أداء هذا الواجب، فلا يجعل حياته وأوقاته في غير ما فـُرِض عليه.

أحلام كاذبة

     ومثال ذلك من يظل الساعات الطويلة يحلم ويتمنّى بما يمكن أن يصير إليه بعد حين في أمر ديني أو دنيوي، كالطالب الكسول يظل يتصور نفسه وقد صار من الأوائل ونجح وأصبح من أول المتفوقين، وحاز أعلى المناصب، ثم عُين في وظيفة مهمة ثم صار قائداً، وهو مازال متكاسلاً، وقد شغلته هذه الأماني لساعات طويلة عما يجب أن يفعله؛ فالنفس محببة إليها الأماني وكثيراً ما تنشغل بها، ومثله كثيرٌ من الدعاة أو ممن ينتسبون إلى الدعوة، ويعملون في صفوفها، يحلمون بأوقات النصر والتمكين، وأنهم قد فتحوا البلاد وقلوب العباد، مع أن كثيراً منهم لم يحَصِّل الأسباب التي بها يصل المسلمون إلى ذلك، ويظل يحلم ويتمنى وربما أدى ذلك إلى أن يُضيِّع واجب الوقت الذي هو فيه.

سبب مشهور ومشاهد

     وهذا سبب مشهور ومشاهد في كثير من الأحوال، أدى بكثير من الدعوات إلى أن تبتعد عن طريقها ولا تصل إلى غايتها؛ لأنها تستعمل في وقتٍ ما واجبَ وقتٍ آخر، وهي تعجز عنه، ومن ثم يتحول الواجب إلى مجرد أمنية أو خيال، وأحياناً يصطدم الإنسان بالواقع فلا يجد إلا الأرض الصخرية التي لا يزال واقفاً عليها دون أن يرتفع شيء من البناء، فيصاب بالإحباط واليأس والحزن والعجز، وهذا أمر خطير للغاية ويفتح باباً عظيماً للشيطان.

الابتلاء أنواع وأحوال مختلفة

     فلابد أن نعرف واجب الوقت الذي نحن فيه، وأن نعلم أن الابتلاء أنواع وأحوال مختلفة؛ فهناك ابتلاء بالشر وابتلاء بالخير {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء:35)، وهناك ابتلاء بالسراء وابتلاء بالضراء، وهناك ابتلاء بالاستضعاف وابتلاء بالتمكين، ولابد أن نعلم في أي وقت نحن؟ وفي أي مرحلة؟ وما المطلوب منا في هذه المرحلة؟

المسلمون في أزمة

     ولا شك أن الناظر في أحوال المسلمين في العالم كله يتأكد له أن المسلمين في أزمة، ولا أقول: الإسلام في أزمة؛ فإن الله -عز وجل- ناصر دينه بنا أو بغيرنا، والله -عز وجل- هو الذي وعد بظهور الإسلام: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:33).

أحوال المسلمين في العالم كله، في أزمة، وأنواع المكر والخطط لا تخفى اليوم بعد أن كانت تخفى في الزمن الماضي؛ فبعد أن كانت أسراراً تُعقد في مؤتمرات سرية أصبحت تُعلن على صفحات الجرائد.

     إذا كان الأمر كذلك، وكانت هناك شدة ومحنة، فإن محاولة أعداء الإسلام نشر الفساد في العقول والقلوب، ونشر الشهوات والشبهات، ونشر الأكاذيب والأباطيل، لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، بأنواع من الافتراءات والضلالات التي ينشرونها؛ فإن كل ذلك إنما يصب في مصلحة المسلمين إذا أدوا واجبهم.

لكن ما هو واجب الوقت الذي نحن فيه؟

أولاً: استشعار واقع الأزمة

     لا شك أن استشعار الإنسان بأن المسلمين في أزمة وأنهم في شدة وضيق، يجعله يستنفر الطاقات الموجودة في نفسه، وذلك أن تصرف الإنسان الذي يشعر أنه على سريره مستريح، ليس كتصرف الذي يشعر أن السفينة توشك أن تغرق، وأن هناك خطرا جاثما، وأن بين الغرق والنجاة لحظات معدودة، فإذا استطعت أن تدرك قارب النجاة وإلا أدركك الغرق.

الخطر كبير وجاثم على النفوس، والفرق بين النجاة وبين الهلاك لحظات، تبذل فيها كل طاقتك وجهدك وإلا جاءتك الأمواج العاتية، أمواج الفتن والضلالات، أمواج الحصار التي تحاصر المسلمين من كل جانب.

لذلك فإن المهمة الأولى أن نشعر أننا فعلاً في أزمة، وأن هذه الأزمة تقتضي منا بذل غاية الجهد، ليس بعضه، بل لابد أن نبذل كل ما في وسعنا.

ثانياً: الاتصال بالله -عز وجل

     إننا نحتاج إلى اتصال بالله -عز وجل- ولجوء إليه بأنواع العبادات من صلاة وقيام وصيام ونفقة وصدقة وحج وعمرة، والشعور أننا في أزمة هو الذي يجعلنا ندعو دعاء المضطر: {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ}(النمل:62)، فتأمل هذا الترتيب العجيب: الاستخلاف في الأرض آخر الأمر، وبدايته الاضطرار {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ}،فالمرحلة الأولى الابتلاء، والمرحلة الثانية كشف السوء، والمرحلة الثالثة أن يجعل الله المسلمين خلفاء الأرض.

الاهتمام بقضايا المسلمين

     ولن تشعر بذلك فعلا إلا إذا كنتَ مهتماً بقضايا الإسلام والمسلمين، مستشعراً أهمية إعلاء دين الله -عز وجل- في الأرض، مشاركاً في العمل الإسلامي؛ لأن المتفرج مهما بلغت عاطفته ومهما بلغ من كونه مشجعاً، لن يكون كمن يدخل في المعركة بالفعل، فالمشاهِد لأي معركة من المعارك قد يدق قلبه، لكن لن يكون حاله كحال الجندي الذي يكون الرصاص والقذائف عن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحته.

الاضطرار إلى الله -تعالى

     فالموقف يحتاج أن يكون كل واحد منا جندياً للإسلام في المعركة، فنشعر أننا فعلاً مضطرون إلى الله وأننا لا نلجأ إلا لله، وأنه لا يوجد أحد لنا في هذه الدنيا إلا الله -سبحانه وتعالى-: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} (النساء:45)، وقال -تعالى-: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} (الفرقان:31)، وكفى به -سبحانه وتعالى- ناصراً لدينه ووليا للمؤمنين.

     إذا شعرنا بالاضطرار لجأنا إلى الله، فأقمنا الصلاة، وصلينا كثيراً وصمنا كثيراً، ودعونا الله كثيرا لعل الله -عز وجل- يجعل في دعوة المضطر المبتلى المظلوم فرجاً جميلاً بإذنه -سبحانه وتعالى-. والمسلمون جميعاً قد ظلموا، ودرجات الظلم متفاوتة، فهم مضطهدون من أجل إسلامهم وطاعتهم والتزامهم بدين الله -عز وجل- مهما كانت الأسباب المدعاة من قبل أعدائهم تسويغا لاضطهادهم.

     فالأمر مفهوم جيداً؛ فحين يقول الأعداء: المسلمون يستحقون ما يجري لهم من قتل وتعذيب وسجن واحتلال لبلادهم، لأنهم هم الذين قتلوا وسفكوا الدماء وأرهبوا الآمنين فلنعلم أن كل هذه سحب دخان يطلقها الأعداء من أجل تشويه الصورة، وإبعاد الناس وتخويفهم من الالتزام بدين الله -سبحانه وتعالى.

المعلم الثاني: الفقه الدعوي

     الأمر الثاني الذي لابد منه في هذه المرحلة هو الفهم الصحيح لفقه الدعوة التي نسير فيها إلى الله -عز وجل- وهذا يقتضي منا معرفة بمعاني الإسلام والإيمان والإحسان، والعلم بأنها لا تقبل تنازلاً ولا كتماناً ولا تأخيراً في البيان، نعم تتعدد الوسائل لكن المبادئ لا تختلف، نعم قد نعجز عن وسيلة في وقت معين لكن نستطيع إيجاد وسيلة غيرها، وهذا يجعلنا ثابتين على مبادئنا، ولا نكون كالذين يغيرون مبادئهم وعقائدهم كما يغيرون ألوان ثيابهم مثل الحرباء.

الحق عندنا لا يختلف

     الحق عندنا لا يختلف -بفضل الله تبارك وتعالى- وإن كانت الفتوى تتغير من وقت إلى وقت، قد تتسع أو تضيق لأمور معينة، فهذا أمر لا شك فيه، وهذا الفهم إنما يحصل بالعلم النافع، بكثرة تلاوة كتاب الله وتفسيره وبكثرة تلاوة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودراستها، وبمعرفة التوحيد والإيمان وأحكام الفقه ولا سيما فقه الأمر المعروف والنهي عن المنكر، لابد لنا من هذه المعاني وعلى الدوام، وألا نكون مجرد متعاطفين مع الالتزام، نريد أن نكون فاهمين فعلاً لمعاني الالتزام ومطبقين لها.

المعلم الثالث: تحقيق الأخوة في الله ولزوم الجماعة

     وهذا المعلم الثالث من أهم المعاني التي نحتاجها في ظروفنا الحالية، وهو أن نكون في البنيان، ويقترب بعضنا من بعض، ويحب بعضنا بعضا، وأن نعيش الأزمة بالفعل، بحيث يقف كل واحد على ثغر، ويجتهد في أن يعين إخوانه على طاعة الله -عز وجل- ومرضاته: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2).

الدعوة إلى الله سبب النجاة

     إن الدعوة إلى الله هي سبب النجاة لا سبب الهلاك، قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} (الأعراف:165)، وقال -عز وجل-: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ} (هود:116)، فالسلامة في التكاتف، وأن تكون قريباً من إخوانك؛ فمصيرك مصيرهم، حتى تنجو عند الله -عز وجل-، لا تظن أنك عندما تكون مع إخوانك سوف تتعرض إلى أذى كثير، وأنك حين تبتعد عنهم سوف تكون سالما، بل لابد أن تكون على الحق قريباً، وفي موضع المعركة جنديا من جنود الإسلام، عاملاً من أجل إعلاء كلمة الله -سبحانه وتعالى.

الصبر والثبات

     فلابد من الصبر والثبات وأعون ما يعينك على ذلك أن تكون قريباً من إخوانك كما أوصى الله -عز وجل- إلى موسى وأخيه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس:87).

فنقول أبشروا عباد الله، لأن النور بعد الظلام، وأن الفرج مع الشدة، وأن مع العسر يسراً.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة