أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

الملفات » » وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

 وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ

في محاضرة له بعنوان: (واجبنا نحو ما أمرنا الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به) بيَّن الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر، ما الذي يجب علينا نحو ما أُمِرنا به في كتاب ربِّنا وسنة نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم ؟ وأكد أنّ الله -عزَّ وجلّ- لم يخلق هـذا الخلقَ باطلًا ولم يوجِدْه عبثًا ولعبًا تنزَّه وتقدَّس ربُّنا عن ذلك؛ بل خلق -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الخلقَ بالحقِّ وللحقِّ، قال اللهُ -تعالى-: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (النحل:3).

     وأضاف، نزّه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نفسَه في آيٍ كثيرة من كتابه -سبحانه- عن أن يكون خلق هـذا الخلق باطلًا أو أوجده لعبًا، قال الله -عزَّ وجلّ-: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص:27-28)، فبيَّن -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أنّ هـذا ظنّ الكافرين وعقيدة أهل الكفر، يظنّون ويعتقدون أنّهم إنَّما خُلِقُوا للَّهو واللَّعب والعبَث، وأنّهم إنَّما خُلِقُوا للباطل، وأنَّ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- إنَّما خلق هـذه المخلوقات باطلًا، أي لا لحكمة ولا لغاية، ولهـذا قال: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: هم الذين يظنّون بربِّ العالمين هـذا الظَّن الآثم، ويعتقدون فيه هـذا الاعتقاد الباطل {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ثم تهدَّدهم قال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}، وقال -جلّ وعلا- في آية أخرى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء:16-17).

ثناء الله -تعالى- على المتقين

     وجَاء في القرآن ثناء الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- على عباده المتّقين وأوليائه المؤمنين وحزبه المقرَّبين أولي الألباب السَّليمة والعقول المستقيمة، وأنّهم من جلائل أعمالهم التفكُّر في خلق السّموات والأرض والإيمانُ الرّاسخ بأنَّها لم تُخلق باطلًا {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:190-191)، {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}؛ أي لم توجِد هـذا الخلق وهـذه الكائنات وهؤلاء النَّاس وهـذه المخلوقات باطلًا، تعاليت وتنزّهت وتقدّست عن ذلك، {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} أي نُنزِّهك ونقدِّسك يا ربَّنا {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وتأمَّل هنا هـذه الوَسيلة العظيمة التي يتوسَّل بها أولو الألباب إلى الله بأن يَقيهم عذابَ النَّار {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} يتوسَّلون إلى الله في طلبهم الوقاية من عذاب النَّار بتنزيهه -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- من أن يكون خَلَق هـذه المخلوقات باطلًا {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وهـذه وسيلة عظيمة يتوسَّل بها أهل الإيمان إلى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بأن يَقيهم من عذاب النَّار.

سرّ عظيم

     وبين أن في هـذا سرّ عظيم يحسن التنبُّه له ألا وهو: أنَّ هـذه العقيدة (عقيدة أهل الإيمان بأن الله لم يخلق هـذا الخلق باطلا) لها أثرها عليهم في أعمالهم، في أخلاقهم، في سلوكهم، في عباداتهم، وفي الوقت نفسه عقيدة أهل الكفر أن هـذه المخلوقات خُلقت باطلًا لها أثرها عليهم في أعمالهم وأخلاقهم وعباداتهم وسلوكهم؛ فالمؤمن الذي يؤمن بأنَّ هـذا الخلق لم يُخلق باطلًا ولم يوجد عبثًا، إيمانه هـذا يجعله يَجدُّ ويجتهدُ وينشط فيما خُلق له وأوجد لتحقيقه، ومن يعتقد أنَّ هـذه المخلوقات خُلقت باطلًا ويظن هـذا الظَّنَّ فإنَّ عقيدته وظنّه تُوقعه في أعظم الرَّدى وأشد الهلاك في دنياه وأخراه؛ ولهـذا كان من أعظم الوسائل إلى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في طلب الوقاية من النَّار الإيمان الرَّاسخ بأنَّ الله لم يخلق هـذا الخلق باطلا بل خلقه بالحقِّ وللحقِّ؛ مما يُثمر في المؤمن عملًا صالحًا، طاعاتٍ زاكية، وحُسن تقرُّبٍ إلى الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

     والكفَّار الذين ظنُّوا بالله هـذا الظَّن الآثم المشار إليه في قول الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} (ص:27) تهدَّدهم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بالنَّار يوم القيامة ودخول جهنَّم والخلود فيها أبد الآباد؛ ولهـذا إذا دخلوا النَّار يوم القيامة وذاقوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب وضاقت بهم الحيَل يقول الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لهم وهم في النَّار: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون:115-116) هـذا كلامٌ يقوله الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يوم القيامة لأهل النَّار وهم في النَّار.

     وإذا تأمَّلت السِّياق الذي وردت فيه هـذه الآية من خواتيم سورة المؤمنون أدركت ذلك؛ لأنَّ الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ذكر حال النَّاس يوم القيامة حين يقومون لربِّ العالمين وحين يقدُمون على الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وأنّهم ينقسمون إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السَّعير، وبيَّن -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حال كلٍّ منهما في آيات عظيمات، قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا} أي من النَّار {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) قَالَ} أي الله {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)} والخطاب للكفَّار أهل النَّار، كم مدَّة بقائكم في الدُّنيا؟ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)} اسأل الملائكة الذين كانوا يعدّون علينا الأيَّام والأعمال والأوقات ويكتبون {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} هـذا كلامٌ يقوله الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لأهل النَّار وهم في النار:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} أي لا لحكمة ولا لغاية! أهكذا ظنُّكم بربِّ العالمين؟! أنَّه يخلق الخلق ويوجِد هـذه الكائنات عبثًا لا لحكمة ولا لغاية؟! هـذا قولٌ للمفسرين في معنى هـذه الآية، وقول آخر: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} أي للعبث، أي: أظننتم واعتقدتم أنَّكم إنَّما خُلقتكم لأجل أن تعبثوا وتلعبوا؟! لأجل هـذا خلقكم الله؟ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ} أي: تنزّه وتقدَّس عن ذلك {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} (الحق) اسم من أسماء الله، ولهـذا كان نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا تهجَّد في قيامه الليل: «أنت الحقّ، ووعدك حقّ، وقَولُك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنّار حقّ، والسَّاعة حقّ، والنّبيُّون حق، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حقّ» قال: «أنت الحقُّ»، قال الله -جلَّ وعلا-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} (الحج:6)، قال -جلَّ وعلا-: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} (الرعد:14) قال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي لا معبود بحق سواه {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} (المؤمنون:101-118).

إيقاظ للقلوب وتبصرة للنَّاس

     وبين الشيخ البدر أنَّ هـذه الآيات ونظائرها في كتاب رِّبنا -عزَّ وجلّ- فيها إيقاظ للقلوب وتبصرة للنَّاس، فيها تنبيه للغافل وتذكير للمؤمن، فيها بيانٌ لحقيقة عظيمة ينبغي أن تكون حاضرةً في الذِّهن كي لا تمضي بالإنسان سنونه وأيامه وأوقاته في الضَّياع والباطل، فالإنسان لم يُخلق للباطل ولم يوجد للعبث، وإذا أدرك المسلم هـذا الأمر واستحضره وأيقن أنَّه مخلوق ليؤمر ويُنهى، خلقه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ليأمره وينهاه؛ فما الذي يجب عليه نحو ما أمره الله به، ونحو ما نهاه الله عنه؟

أمورٌ سبعة عظيمة

     وعن الواجب على كلِّ مسلم ومسلمة نحو ما أمره الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به قال الشيخ البدر: كلُّ ما أمرنا الله به وكلُّ ما نهانا الله عنه يجب علينا نحوه أمورٌ سبعة لابدّ منها، نعتني بها حفظًا وفهمًا وتطبيقًا، وقد بيَّن هـذه الأمور السّبعة بيانًا عظيماً ووضحَّها توضيحًا نافعًا الإمامُ المجدِّد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب -رحمه الله وغفر له-، أمورٌ عظام يجب على كل مسلم أن يعرفها وأن يعيَها وأن يطبقها نحو كلِّ ما أمرنا الله -تبارك وتعالى- به.

تعلم ما أمرنا به

     أمَّا الأمر الأول فيما يجب علينا نحو ما أمرنا الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به: هو أن نتعلَّمه، وهـذا أوَّل واجبٍ وبه يُبدأ، ولهـذا قال الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} (محمد:19) فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، ومن لم يتعلَّم ما أمره الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به ولم يتعلَّم ما نهاه الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عنه كيف يفعل المأمور وكيف يترك المنهي؟! كما يقال: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وكما يقال: «كيف يتَّقي من لا يدري ما يتَّقي؟». ولهـذا أوَّل واجب علينا نحو ما أمرنا الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به أن نتعلَّمه.

     ولهـذا جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث العديدة عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في الحض على العلم والحثّ عليه والتَّرغيب فيه وبيان فضله وذكر فوائده وثماره وآثاره؛ ومن ذلكم قول نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقا إلى الجنة»، قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدِّين»، وقد صحّ عن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم  أنه كان يقول كل يوم بعد صلاة الصبح: «اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيِّبًا وعملًا متقبَّلًا» يسأل الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كل يوم، وقد قال الله له في القرآن: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه:114) وأوَّل آية نزلت عليه {اقْرَأْ} (العلق:1) أمرٌ بالقراءة والتعلُّم وطلب العلم.

العلم النَّافع قبل الرِّزق الطّيب

     ولاحظ هنا في هـذا الدُّعاء بدأ - صلى الله عليه وسلم - بالعلم النَّافع قبل الرِّزق الطّيب وقبل العمل الصّالح أو العمل المتقبَّل؛ لأنَّ العلم النّافع هو الذي يمِيز به المسلم بين الرِّزق الطيِّب والخبيث، وبين العمل الصّالح وغير الصَّالح، ومن لم يكن عنده علم نافع كيف يَمِيز بين حقٍّ وباطل وطيِّب وخبيث؟ {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر:9)، {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد:19)، {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الملك:22).

العلم أساسٌ عظيم

     فإذاً العلم أساسٌ عظيم ومطلبٌ جليل يجب على كلِّ مسلم ومسلمة أن يحرص عليه، ولهـذا نصح العلماء أن يكون للمسلم حظٌّ من العلم في أيّامه كلِّها، يحرص أن لا تغيب عليه شمس يوم لا يحصِّل فيه علمًا، العلم مطلوب منك يوميًّا، ودليل ذلك واضح في دعاء نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كل يومٍ بعد صلاة الصبح «اللهم إنِّي أسألك علما نافعا»؛ ولهـذا ينبغي أن يكون في برنامج المسلم اليومي طلب العلم، وأن يكون له حظ من التعلُّم وطلب العلم في أيَّامه، لا يفوِّت.

كثرة وسائل تحصيل العلم

     ومن نعمة الله علينا في هـذا الزّمان أن وسائل تحصيل العلم كثُرت، في سيارتك تستطيع تسمع: الموعظة النَّافعة، المحاضرة المفيدة، الكلام المسدّد، الفتاوى، تسمع كلام الله، تسمع بيان آياته وأحاديث رسوله [، تسمع الإذاعة المباركة (إذاعة القرآن الكريم) وهي جامعة للعلم وأفاد منها خلق كثير في العالم لا يحصيهم إلا الله -جلّ وعلا. يحرص المسلم أن يكون له في أيامه نصيب من العلم، وهـذا الجهاز الذي أكرمك الله به في سيارتك جهاز التَّسجيل والمذياع إيَّاك أن تَشغله في باطل، إياك أن تستعمل هـذه النعمة العظيمة في باطل وفي حرام، بل تستفيد من هـذه الوسيلة المفيدة في تحصيل العلم، ومن الناس من أنهى كتباً أو أنهى دراسة كتب وسماع كتب بشروحات أهل العلم في سيارته، في مشاويره، في أسفاره؛ يحصّل علماً، بينما في الزَّمن الأوَّل لم تكن هـذه الوسيلة مهيأة، فهـذه نعمة من نعم الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- التي أنعم بها علينا.

     الشَّاهد أنَّ أوَّل واجبٍ علينا نحو ما أمرنا الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به العلم، والتعلم، ومعرفة الأمر، ومعرفة النهي، أمرنا الله بالتَّوحيد نتعلَّم التوحيد، وهو أعظم شيء أمرنا الله به. أمرنا بالصّلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين نتعلم الصّلاة بشروطها وأركانها وواجباتها، ألم يقل نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي»؟! كيف يصلِّي المسلم كما صلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون أن يطلب علمًا؟! وهكذا قُلْ في الصِّيام، في الزَّكاة، في عموم الطَّاعات، يجتهد المسلم في تعلُّم ما أمره الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- به، ومن العلم ما هو فرْضُ عينٍ يجب على كلِّ مكلَّف.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة