الصراع مع اليهود (1) الصهيونية وأثرها في العلاقة مع الغرب

 


الحاخام «يسرائيل ديفيد فايس» يعارض قيام «دولة إسرائيل» والفكر الصهيوني و«إسرائيل» إرهابية وينبغى محاكمة قادتها أمام محكمة جرائم الحرب الدولية

وايس: أن مصير إسرائيل إلى زوال، وأن «من يعمل ضد التوراة فلن ينجح» مستشهدا بتفكك الاتحاد السوفياتي وزوال النظام العنصري من جنوب أفريقيا

الحديث عن موضوع كهذا فيه صعوبة بالغة؛ لأننا نتحدث عن غرب كافر ليس له مبادئ وقيم وأخلاق يحترمها، حتى عقيدته وكتابه المقدس الذي يدين به مقدسا مصونا، كل ما جاء فيه متغير وقابل للَّيِ أو الإلغاء أو التحريف، وهذا العبث الذي مارسوه سابقا وما زالوا يمارسونه في أُسِّ عقيدتهم، جعل الباحث والراصد لمستقبل الغرب في عجز عن تنبؤ مستقبلهم، بيد أن المعطيات والأدوات التي يمكن للمراقب ألا يغفل عنها هي سنن الله الشرعية والكونية في أقوام مثل هؤلاء.

     وينبغي إعمال الفكر واستشراف المستقبل في نقاط لا يمكن أن نثقلها بالاستدلالات ونصوص منقولة من هنا وهناك من غير أن نقدم حلولا واقعية تتناسب وحال الأمة وحجمها وقدراتها.

     لقد وضعت نصب عينيّ ألا أحمِّل المبحث ما لا يحتمل باستدلالات حديثية من أقوال النبي[، متعلقة بأحداث محلها آخر الزمان؛ لأن في ذلك إفلاسا وتخبطا فكريا وعبثا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإنزالها في غير منزلتها.

     لكنه كان لزاما عليَّ أن أتطرق إلى تصريحات قادة دينيين وسياسيين غربيين عن حماستهم تجاه اليهودية، لكنني على يقين أنني أتحدث عن ماض ينبغي أن نستفيد منه دون أن يأسرنا، ومرحلة مات رجالها، ويجب الحديث عن مرحلة مقبلة نعيش إرهاصاتها، وأعني من ذلك أن القطبية الواحدة في قيادة العالم التي تفردت بها الولايات المتحدة الأمريكية والذيل الأوروبي لها، هي إلى زوال وسيحل مكانها أو ينافسها على الأقل دول مرشحة أن تتبوأ مكانة جديدة على عرش العالم، كروسيا مثلا التي تنامت قوتها الاقتصادية والصين التي تعاظمت مكانتها الاقتصادية وعلى غرارها العسكرية بعد أن تفتقت آفاقها السياسية، ويدعم ذلك كله الكثافة الديموغرافية الصينية المتميزة عالميا والمسيطر عليها أمنيا.

تجد في هذا المبحث الماضي الصهيوني كيف حدث، والحاضر كيف أصبح، والمستقبل كيف يكون، والله تعالى أعلى وأعلم.

المبحث الأول: اليهود أنواعهم وتقسيماتهم والمعنيون في صراعنا معهم.

     لليهود تقسيمات بناء على وجودهم الجغرافي: الإشكناز وهم يهود أوروبا، والسفارديم وهم الذين هاجروا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية وتحدثوا العربية في عهود الدولة الأندلسية ثم تحدثوا الإسبانية واعتزوا بها كما أنهم كانوا يتعالون على اليهود الإشكناز ولا يتزوجون منهم بحكم ثقافتهم الحضارية التي اكتسبوها من العرب في الأندلس، وأخيرا اليهود الشرقيون وهم الذين غادروا فلسطين بعد السبي البابلي وتفرقوا في إيران والعراق وشمال أفريقيا.

وهم في جملتهم تجاه الدول الإسلامية، نوعان:

- النوع الأول: يهود ذميون لم يهاجروا إلى فلسطين ولم يدعوا أو يدعموا فكرة الهجرة إليها، أو يعلنوا الحرب على أهلها ولا على أي دولة إسلامية، وارتضوا العيش بيننا وتحت حكمنا، وهؤلاء ليسوا المعنيين في هذا المبحث.

- النوع الثاني: محاربون، أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله وحملوا السلاح وأوجبوا الهجرة إلى فلسطين وانتزعوا الأرض من أهلها الأصليين وفرضوا دينهم ومبادئهم كقوانين سيادية على شعبها الأصليين من المسلمين الفلسطينيين، وهذا النوع من اليهود اصطلح عليه المختصون باسم «الصهاينة» ليفرقوا بينه وبين الصنف الأول.

     واصطلحوا على تعريف الصهيونية: بأنها «الاعتقاد بضرورة تكوين مجتمع يهودي يحكم نفسه بنفسه في فلسطين، ويحقق أمل اليهود بالعودة إلى الأرض المقدسة» وبتفسير آخر: «حركة سياسية تستمد أصولها من الفكر الصهيوني النابع من عقائد التوراة وشرائع التلمود، كما تستمد حيويتها من ارتباط الفكر اليهودي بعقائد دينية وعنصرية ثابتة في أذهانهم»، ونظرا لأهمية التمييز بين الفريقين فإن صراعنا ينبغي أن يوجه إلى هذا الفريق وهذا النوع من اليهود الذي أعلن الحرب على المسلمين واحتل فلسطين.

المطلب الأول: يهود يرفضون الفكرة الصهيونية في تأسيس دولة قومية يهودية إثنية.

وهم على قسمين:

- الأول: هو من يعيش لذاته وشهواته ولا تعنيه يهودية ولا صهيونية وليس له بها سوى الانتساب الاسمي فقط ولا يبحثون عن بديل للأوطان التي يعيشون فيها.

- الثاني: من يعتقدون ديانة رفض فكرة الدولة اليهودية، وتقوم فلسفتهم على أساس انتظار المخلص «الماشيح» دون عمل لتأسيس كيان سياسي، وهم يعارضون الصهيونية وما أتت به من أفكار دخيلة على اليهودية ويعدونها من البدع، كما أنهم فِرَقٌ متعددة وأهمها الطائفة «الأرثوذوكسية» ومن يطلق عليهم «الحريديم» و«الربانيون» و«حركة ناطوري كارتا» و«الإصلاحيون» و«السامرة» في فلسطين، وغيرهم من جماعات يهودية متعددة وفي مواطن مختلفة.

وتتلخص عقيدة هؤلاء تجاه الهجرة إلى فلسطين، في التالي:

- يجب عدم الإلحاح في الصلاة لقدوم المسيح المخلص؛ تجنبا لمجيئه قبل الموعد المحدد.

- عدم جواز الهجرة الجماعية إلى فلسطين.

- يحظر التمرد على غير اليهود.

      نعم يرى كثير من اليهود أن دولة إسرائيل بدعة في الديانة اليهودية، فقد صدر عن مؤتمر بتسبرج قرارات سميت باسم «المؤتمر» (16- 18 نوفمبر عام 1885). الذي حضره 18 حاخاماً إصلاحياً، وهو المؤتمر الذي أصدر قرارات صريحة ترفض فكرة عودة اليهود إلى فلسطين واستعادة العبادة القربانية.

     ويؤكد الحاخام «يسرائيل ديفيد فايس» أحد أشهر الحاخامات اليهود المعادين للصهيونية، والناطق الرسمي باسم منظمة «ناطوري كارتا»، أنه يعارض قيام «دولة إسرائيل» والفكر الصهيوني وأن «إسرائيل» إرهابية وينبغى محاكمة قادتها أمام محكمة جرائم الحرب الدولية، ولن يكون هناك سلام أو استقرار في العالم إلا بإزالة «إسرائيل».

     كما أصدر اللوبي اليهودي الجديد في أوروبا الذي يطلق على نفسه اسم «جي كول» بيانًا بمناسبة مرور 62 عامًا على النكبة بعنوان «نداء إلى العقل»، وقع عليه قرابة الخمسة آلاف يهودي أوروبي على رأسهم شخصيات مرموقة، رفضوا فيه تحدث «إسرائيل» باسم يهود العالم، وطالبوهم بوقف الاستيطان واحترام حقوق الإنسان وإنهاء احتلالها غير الشرعي، وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

     وفي مقابلة تلفزيونية أجراها Neil Cavuto من محطة فوكس الإخبارية الأمريكية الشهيرة مع رجل الدين اليهودى الأرثوذكسى «الراب»Yisroel Weiss ووصفتها القناة بأنها مهمة للغاية، قال: هذه وجهة نظر متفق عليها عبر المائة سنة الماضية، أي منذ أن قامت الحركة الصهيونية بخلق مفهوم أو فكرة تحويل اليهودية من ديانة روحية إلى شيء مادي ذي هدف قومي للحصول على قطعة أرض، وجميع المراجع قالت: إن هذا الأمر يتناقض مع ما تدعو إليه الديانة اليهودية وهو أمر محرم قطعا في التوراة لأننا منفيون بأمر من الله.

     وكتب الحاخام هيرش عام 1837م، يقول: إن الله أمر اليهود «بألا يقوموا أبداً بإنشاء دولتهم بأنفسهم ومن خلال جهودهم»، وفي العام نفسه الذي حظر فيه الهجرة وقع زلزال في مدينة صفد وقتل فيه الغالبية العظمى من اليهود المهاجرين، وقد أرجع الحاخام موشيه البولندي ذلك إلى عدم رضا الرب عن الهجرة الزائدة إلى فلسطين.

     وقد أفاد الحاخام ديفيد شلومو فيلدمان من بريطانيا والوفد المرافق له من حاخامات حركة «يهود ضد الصهيونية» في لقائهم بالشيخ يوسف القرضاوي في قطر، بأن مشكلات الصراع في المنطقة ستختفي بين يوم وليلة إذا زالت إسرائيل، ودعا الوفد اليهودي إلى ضرورة زوال إسرائيل، مؤكدا أن قيام تلك الدولة التي تصف نفسها باليهودية مخالفة صريحة للتوراة.

     أما الحاخام دوفيد يتسرائيل وايس من الولايات المتحدة والمتحدث باسم الحركة، فقال: إن الصهيونية حركة ظالمة ومعتدية وتقلل من قيمة الحياة اليهودية، وإن هرتزل لم يكن متدينا وأراد نقل الحركة من الدين إلى القومية واستغل جهل اليهود وأقنعهم بأن السبيل الوحيد للتخلص من منفاهم هو انتهاك التوراة، وقال: إن الآلاف من اليهود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب مئات الآلاف من اليهود حول العالم ضد الفكرة الصهيونية.

     وأضاف: حين وصل الصهاينة إلى فلسطين كان اليهود يعيشون مع جيرانهم العرب وأسسوا مجلس حاخامات لمحاربة الحركة الصهيونية، وفي عام 1947 أرسل كبير الحاخامات دوشنكي إلى الأمم المتحدة قائلا: «لا نريد دولة صهيونية» معتبرا أن الأوفياء للتوراة لا يريدون دولة.

     ويؤكد وايس أن مصير إسرائيل إلى زوال، وأن: «من يعمل ضد التوراة فلن ينجح» مستشهدا بتفكك الاتحاد السوفياتي وزوال النظام العنصري من جنوب أفريقيا.

المطلب الثاني: يهود يؤيدون فكرة الدولة القومية اليهودية في فلسطين ويدعمونها لكن من غير الهجرة إليها.

     ولهؤلاء مسوغات منها استئناسهم بما هم فيه من مقام في دول اعتادوا عليها ورسموا مستقبلهم واكتفوا بالدعم والتأييد، لكنهم مع فكرة الدولة اليهودية ويقدمون لها الدعم والمساندة والنصرة.

يهود بريطانيا أنموذجا:

     فقد أظهرت دراسة مسحية أجراها معهد أبحاث السياسات اليهودية على أربعة آلاف شخص من يهود بريطانيا، أن اليهود البريطانيين يتعاطفون بقوة مع إسرائيل، ويؤيدون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وحسب هذه الدراسة فإن 95% قالوا إنهم زاروا إسرائيل (مقابل 87% بدراسة 1995)، وإن 90% يرون في إسرائيل «أرض الأجداد» للشعب اليهودي. ويشعر 86% بأن على اليهود مسؤولية خاصة لبقاء هذا الشعب، ويصنف 72% أنفسهم بأنهم صهاينة، علماً بأن يهود بريطانيا أكثر تعلقاً بـ«الدولة العبرية» منهم في أمريكا، ونقلت صحيفة «ذي جويش كرونيكل أونلاين» البريطانية عن البروفيسور في السياسة الاجتماعية اليهودية في نيويورك ستيفن كوهين قوله: «إن اليهودية البريطانية أكثر ارتباطاً بـ«إسرائيل» من اليهودية الأمريكية».

المطلب الثالث: يهود صهاينة يؤيدون ويدعمون فكرة دولة قومية يهودية إثنية على أرض فلسطين وأوجبوا على أنفسهم وغيرهم الهجرة إليها.

     وتعتقد هذه الفرق وجوب الهجرة إلى فلسطين – قسرا – وتجميع اليهود بها وإقامة دولة يهودية تعجيلا بقدوم المخلص من نسل داود، وهي الفئة المعنية مباشرة بحربها معنا، وهي الأكثر خطرا وهي التي أسست الكيان اليهودي في فلسطين، ومن أبرز هذه الطوائف اليهودية التي كرست كل إمكانياتها المادية والبشرية في دفع اليهود للهجرة إلى فلسطين، وهي من وصفت بالصهيونية وتعددت أشكالها ومنظماتها والمنظرون لها، ومن أهمها حركة «الحسيديم»، وأما على صعيد المؤسسات والمنظمات والحركات الصهيونية العاملة في هذا الاتجاه والتي هي في أساسها تبع لهذه الطوائف فهي أكثر من أن تعد، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الحزب الديني القومي الإسرائيلي «المفدال»، وحركة كاخ والهاجاناه وغيرهما من الكثير من الحركات الصهيونية.

www.al-forqan.net