أخبار سريعة
الثلاثاء 21 مايو 2019

أخبار » لجنة الكلمة الطيبة تقيم ندوة: اعرف الحق تعرف أهله(2)

نسخة للطباعة

       وكان مما ذكره د. القحطاني حديثه عن المذاهب وأنها على الرأس والعين، مؤكدًا أنه وأمثاله ممن درسوا على المشايخ، وقرؤوا وتتلمذوا عليها، وملأنا بها مكاتبنا ولكن المقصود هو تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: «فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل؛ فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا ريب أن ذلك منافٍ للإيمان، مضاد له كما قال -تعالى-: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء:65).

الحذر الحذر

     ثم ذكر القحطاني كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو: «فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو تراه لأجل هواك، أو تتركه لأجل هواك، أو انتصارًا لمذهبك، أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو الدنيا؛ فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد، إلا طاعة رسوله، والأخذ بما جاء به؛ بحيث لو خالف العبد الخلق جميعا، واتبع الرسول، ما سأله الله -عز وجل- عن مخالفتهم».

     هذا الكلام النوراني الذي يخرج من مشكاة النبوة نتيجة تربية ساروا عليها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن بديع ما قاله الإمام الشافعي في كتابه الماتع (الاعتصام): «ولقد ذل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال؛ فخرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة، والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سبيل الله».

ويقول أيضًا ابن تيمية -رحمه الله-: «ليس أحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إليه، ويوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة».

     بالله عليكم قسْ هذا الكلام وزنْهُ مع بعض الدعوات في الساحة التي تضرب ربما أقوال النبي[ وأقوال القرآن، وأقوال السلف عرض الحائط، متى ما خالف ما أصلوا عليه أتباعهم، وانظر أيضًا إلى قول الأئمة المتبوعين عندما قالوا: إذا رأيتم قولي يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فاضربوا بقولي عرض الحائط.

     ومن أجمل ما قرأت وهو دال على كل ما سبق قول الإمام أحمد وقد سأله رجل عن كتابة الرأي؛ فقال: «اكتب القرآن والسنة، اكتب القرآن والحديث؛ فقال: إن عبد الله ابن المبارك كان يكتبها، قال: عبد الله المبارك لم ينزل من السماء» أو اكتب القرآن والسنة، هذا يدل على تعظيم الكتاب والسنة، والاهتمام بالدليل ومجال الوحيين.

الحق الذي نتكلم عنه

     إذا تقرر كل ما سبق؛ فإن الحق الذي نتكلم عنه في هذه المحاضرة لغةً يُعرِّفه العلماء بأنه: كل ما هو خلاف الباطل، وعرفه الجرجاني -رحمه لله- بأنه: الشيء الثابت الذي لا يسوغ إنكاره أبدًا؛ لأنه جلي واضح بيِّن، لا يحتاج إلى مزيد كلام، وهذا هو صفة القرآن والسنة؛ فعليهما لآلئ الحق؛ فهو واضح جلي أبلج، وقد ورد لفظ الحق في القرآن في أكثر من مائتين وثلاثة وثمانين موضعًا، جاء أكثرها بصيغة الاسم نحو قوله -تعالى-: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ}(البقرة:119)، وجاء في مواضع بصيغة الفعل، مثل قوله -سبحانه وتعالى-: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}(فصلت:25)، وقد رد أيضًا في القرآن على معانٍ عدة، سآتي ببعضها اختصارًا للوقت؛ وإلا فإنها معانٍ كثيرة سأسرد أكثرها سردًا.

جاء الحق في القرآن بمعنى الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ومن ذلك قوله -تَعَالى-: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ}(المؤمنون:71)، قال مجاهد وغيره: الحق هو الله -سبحانه وتعالى.

وجاء أيضا بمعنى القرآن الكريم، ومن ذلك قوله -تَعَالى-: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ}(الأنعام:5)، قال البغوي وغيره: القرآن، وكذلك في قوله -جلَّ وعلا-: {حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ}(الزخرف:29)، قال: يعني القرآن، كما قال ذلك الشوكاني وغيره.

وجاء أيضا بمعنى الإسلام مثل قوله -تَعَالى-: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ}(الإسراء:81)، قال الإمام القرطبي: «يعني دين الله الإسلام».

     ونحو قوله: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ}(الأنفال:8)، قال الإمام القرطبي أيضا: «أي يظهر دين الإسلام ويعزه». وجاء بمعنى العدل من ذلك قوله -تَعَالى-: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}(النور:25)، قال ابن كثير: «أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه». وكذلك قوله -تَعَالى-: {فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ}(ص:22)، قال الإمام الطبري: «فاقض بيننا بالعدل».

     وجاء أيضا بمعنى التوحيد، وجاءنا بمعنى الصدق ووجوب العذاب على من خالف الحق، وجاء أيضا بمعنى الذي ضد الباطل، والدين الذي بمعنى الذمة، والأولوية، والأحقية، والحظ والنصيب، والحاجة، والبيان، كل هذه معان قال أهل التفسير: إنها معان جاءت للفظة الحق في القرآن الكريم.

الباطل ضد الحق

     وأما الباطل فهو ضد الحق، والحق والباطل ضدان لا يجتمعان، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}(الحج:62)، وقد جاء لفظ الباطل في القرآن على معان عدة، منها بمعنى إحباط، أي عمل حابط، كما في قوله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى}(البقرة:264)، وكقوله –تَعَالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}(محمد:33)، أي: ولا تحبطوا أعمالكم.

     ويطلق في بعض ألفاظ القرآن ويراد به الشرك كما في قوله -جل وعلا-: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}(النحل:72)، وقوله -جل وعلا-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}(العنكبوت:52)، وفي قوله-جل وعلا-: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}(الإسراء:81).

     فإن المراد به هنا هو الظلم أو الشرك، ويُطلق أيضا ويُراد به الظلم، كما في قوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(النساء:29)، أي بالظلم، وكقوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}(البقرة:188)، أيضا أتى بمعنى الظلم في هذا الموضع.

     وأيضا يُطلق ويراد به الكذب كما في قوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}(العنكبوت:48)، وفي قوله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ}(غافر:78)، الكاذبون المكذبون بالآيات الواردة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى لسان أي نبي قبله.

مقولة مباركة

     إذاً مقولة: «اعرف الحق تعرف أهله، إن الحق لا يعرف بالرجال» مقولة مباركة طيبة، ينبغي لنا في مثل هذه الأزمة أن نجعلها نبراسًا، ومقولة تروج بين شبابنا وفي خضم دعوتنا لعل الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يرزقني وإياكم المحافظة على التمسك بهذا الأصل، ألا وهو الحق الذي اجتمعنا عليه.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة