أخبار سريعة
الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

أبحاث و دراسات » ضوابط الجهاد (5) دفع الفتنة عن الناس

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

الشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه والشهداء خواصه المقربون من عباده

 أمر الله المؤمنين بقتال المشركين حتى لا يبقى الشرك والظلم وحتى يكون دين الله ظاهرًا وكلته هي العليا

 

تكلمنا في الحلقة الماضية عن المصالح والمفاسد في قضية الجهاد، وأن الذي يقدر تلك المصالح وهذه المفاسد هم العلماء وولاة أمور المسلمين، كما ذكرنا بعض الأهداف المشروعة للجهاد وغاياته، واليوم نستكمل الحديث عن هذه الأهداف فنقول:

رابعاً - دفع الفتنة عن الناس:

فشرع الجهاد لدفع الفتنة، وهذا هدفٌ أسمى للجهاد، فإذا أصبح الجهاد نفسه محدثًا للفتنة في الدين، ومانعًا من تعبيد الناس لرب العالمين، وصد الناس عن دعوة الحق، لم يحقق بذلك مقصوده الأسمى هذا؟! 

قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} التوبة: 39.

قال ابن عباس وأكثر السلف: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يعني: حتى لا يكون شرك.

وعن عروة بن الزبير وغيره: {حتى لا تكون فتنة} حتى لا يُفتن مسلمٌ عن دينه.

     وروى البخاري: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تَسمع ما ذكر الله في كتابه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية، الحجرات: 9، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحبُّ إلي من أنْ أعير بالآية التي يقول الله عز وجل: {ومن يقتل مؤمنا متعمداً} إلى آخر الآية، النساء: 93. قال: فإنَّ الله تعالى يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ}؟ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذْ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجلُ يفتن في دينه: إما أنْ يَقتلوه، وإما أنْ يُوثقوه، حتى كثُر الإسلامُ فلم تكن فتنة..

     فأمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا المشركين حتى لا يبقى الشرك والظلم، وصد الناس عن سبيل الله، ويكون دين الله هو الظاهر، وكلمته هي العليا، وتكون الحرية لعموم الناس فيختاروا من الأديان ما يريدون، فإذا اختاروا البقاء على دينهم، دفعوا الجزية، وكان الإسلام عالياً ظاهراً، وكانوا تحت حماية الإسلام وأهله، وفي ذمتهم.

     وأيضاً: قاتلوهم حتى لا يفتن مسلم عن دينه، بالإرهاب أو التعذيب للصد عن دين الله تعالى، والدخول فيه، أو البقاء عليه، كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} النساء: 75.

وقوله {فإن انتهوا} عن ما هم عليه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فمن قاتلهم بعد ذلك فهو الظالم،

خامساً - كشف المنافقين:

قال الله تعالى: {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ} محمد:20.

     فالمسلمون في حال الرخاء والسعة، قد ينضم إليهم غيرهم ممن يطمعون في تحقيق مكاسب دنيوية عاجلة، ولا يريدون رفعَ كلمة الله على كلمة الكفر، وهؤلاء قد يخفى أمرهم على كثيرٍ من المسلمين، وأكبر كاشف لهم هو: الجهاد، لأن في الجهاد بذلاً لروح الإنسان، والمنافق ما نافق إلا ليحفظ روحه.

فكان كشف المنافقين؛ إحدى الحكم الجليلة، التي أرادها الله عز وجل مما حصل للمؤمنين يوم أحد، كما قال الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ} آل عمران: 179.

     قال الإمام ابن القيم: أي ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه، من التباس المؤمنين بالمنافقين، حتى يميز أهل الإيمان مِن أهل النفاق، كما ميّزهم بالمحنة يومَ أُحد، وما كان اللهُ ليطلعكم على الغيب الذي يُمّيز به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غَيبه وعلمه، وهو سبحانه يريد أنْ يميزهم تمييزاً مشهوداً، فيقع معلومُه الذي هو غيبٌ شهادةً اهـ.

سادساً - اتخاذ شهداء من المؤمنين:

قال الله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران:140.

فقوله تعالى {ويتخذ منكم شهداء} أي: يكرمكم بالشهادة، فيُقتل قومٌ منكم فيكونوا شهداء عند الله.

     قال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد): «فالشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقرّبون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة، وهو سبحانه يُحب أنْ يتخذ من عباده شُهداء، تُراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة، إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو».

فأين هذه الحكمة العظيمة الجليلة من هؤلاء الذين ينفرون المسلمين من الجهاد، ويخوفونهم منه، ويصورون الجهاد على أنه مجرد موت وقتل، وترمل للنساء، ويتم للأطفال؟!

سابعاً - تمحيص المؤمنين من ذنوبهم ومعرفة الصابرين:

أي: تنقيتهم من ذنوبهم، وتخليصهم منها.

قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} آل عمران: 140-141.

وكذلك معرفة الصابرين من غيرهم، كما في قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} آل عمران: 142.

     أم حسبتم: هذا استفهامٌ إنكاري، أي: لا تظنوا ولا يخطر ببالكم، أنْ تدخلوا الجنة من دون مشقة، واحتمال المكاره في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، فإنَّ الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عَظُم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم.

ثامناً - الحصول على الغنائم لتقوية المسلمين:

كما في قوله سبحانه: {فكُلُوا مما غَنمتم حَلالاً طيباً واتقوا الله إنَّ الله غفورٌ رحيم} الأنفال: 69.

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر: {فكلوا} أيها المؤمنون {مما غنمتم} من أموال المشركين {حلالا} بإحلاله لكم {طيبا واتقوا الله}.انتهى

وعبَّر عن الانتفاع بالأكل، لأنَّ الأكل أقوى كيفيات الانتفاع بالشيء.  

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بُعِثْتُ بينَ يَدَيْ السَّاعةِ بِالسَّيْفِ، حتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ له، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ على مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، ومَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ، فَهُوَ مِنْهُمْ». رواه أحمد (4869).   

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفِي الحَدِيثِ إِشارةٌ إِلَى حِلِّ الغَنَائِمِ لِهذه الأُمَّةِ، وإِلى أَنَّ رِزْقَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - جُعِلَ فيها لا فِي غيرها مِنْ المَكاسِبِ، ولِهَذَا قال بعضُ العُلماءِ: إِنَّهَا أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ».

وقال القرطبي رحمه الله: «فجعل الله رزق نبيه - صلى الله عليه وسلم - في كسبه لفضله، وخصه بأفضل أنواع الكسب، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه».

وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر لملاقاة قافلة أبي سفيان.

قال القرطبي: «ودلَّ خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلقى العير، على جواز النفير للغنيمة، لأنها كسبٌ حلال، وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا».

وقال الشوكاني رحمه الله: قال: «ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة الله، لم يضره ما ينضاف إليه».

تاسعاً - إرهاب الكفار وإذلالهم وإخزاؤهم:

كما قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} التوبة: 14.

     يقول تعالى ذكره: قاتلوا، أيها المؤمنون بالله ورسوله، هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم , {يعذبهم الله بأيديكم} أي: يقتلهم الله بأيديكم {ويخزهم}، يقول: ويذلهم بالأسر والقهر {وينصركم عليهم}، فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة {ويشف صدور قوم مؤمنين} يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم. وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموْجِدة، بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه. (انظر الطبري).

عاشراً - حفظ العالم من الفساد، ورد كيد المفسدين:

فالجهاد يدفع فساد المفسدين في الأرض، قال الله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} البقرة:251.  

وقال: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج:40.

قال مقاتل رحمه الله: «لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد».

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب الصحيح: (2/216): «فيدفع بالمؤمنين الكفار، ويدفع شرَّ الطائفتين بخيرهما، كما دَفع المجوسَ بالروم النصارى، ثم دَفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد».

وقال السعدي رحمه الله: «لفسدت الأرض: باستيلاء الكفرة والفجار، وأهل الشر والفساد».

هذه حكمٌ جليلة، جاءت في القرآن العظيم، والسنة النبوية، سقناها في بيان مقاصد ومصالح الجهاد. نسأل الله تعالى أنْ يرد المسلمين إلى دينهم رداًّ جميلاً.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة