أخبار سريعة
الخميس 23 نوفمبر 2017

أبحاث و دراسات » قَوَاعِدُ في تَدبُّر القُرْآنِ الكَرِيم وضَوَابطُ الفَهم

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

قال الله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الشورى: 52)؛ فالقرآن العظيم هو الروح والرحمة لهذه الأمة الإسلامية ، وهو المنَّة الكبرى، التي امتن بها على عباده، والنعمة العظمى في الدنيا، المتصلة بخير الآخرة، لا تفنى عجائبُه، ولا تعد ولا تُحصَى معانِيهِ وفوائدُه، فهو كلامُ اللهِ اللطيف الخبيرِ، العليم الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد.

     وقد شدَّد الله -تعالى- النَّكير على المُعرضين عن تدبر كتابه الكريم، والتفكّر في آياته المباركة، فقال -سبحانه-: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}(النساء: 82)، قال الحافظ ابن كثير: «يقول -تعالى-: آمراً لهم بتدبر القرآن، ناهياً لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المُحْكمة، وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه، ولا اضطراب ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حقٌ من حق ، ولهذا قال -تعالى-: {أفلا يتدبرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالها}، ثمقال: {ولو كان مِنْ عند غير اللّه} أي: لو كان مُفتعلاً مخْتلقاً، كما يقوله مَن يقول من جهلة المشركين، والمنافقين في بواطنهم، لوجدوا فيه اختلافاً، أي: اضطراباً وتضاداً كثيراً، وهذا سالمٌ من الاختلاف، فهو من عند اللّه». انتهى .

     وقال -عزّ من قائل-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد:  24)، قال الطبري: يقول -تعالى- ذكره: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله  التي يَعظهم بها في آي القرآن، الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويتفكَّرون في حُججه التي بيّنها لهم في تنزيله، فيعلموا بها خطأَ ما هم عليه مقيمون؟ {أم على قلوبٍ أقفالها}، يقول: أم أقفلَ الله على قلوبهم؟ فلا يعقلون ما أنزلَ اللهُ في كتابه من المواعظ والعبر! انتهى. وقال -عز وجل-: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ }(المؤمنون : 66- 68).

     يقول -تعالى- ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنزيل الله وكلامه ، فيعلموا ما فيه من العِبر، ويعرفوا حُجج الله التي احتجّ بها عليهم فيه؟ {أمْ جاءهم ما لم يأت آباءَهم الأَولين}، أم جاءهم ما لم يأتِ من قبلهم من أسلافهم ، فاسْتكبروا عن ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب، فالتفكر والتدبر والوقوف مع الآيات وتأملها، أمرٌ دعتْ إليه نصوص متظاهرة، ولأجله أنزل القرآن العظيم، ونهتْ عن الإعراض عنه، والانصراف لغيره، قال الحسن -رحمه الله-: «نزلَ القرآن ليتدبر ، ويعمل به».

     وقال الإمام ابن القيم في المدارج: «فليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته: من تدبّر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تُطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتضع في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه ، وتشيد بنيانه، وتوطّد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة، والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله ، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها.

     وتعرّفه النفسَ وصفاتها، ومُفسدات الأعمال ومُصحّحاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار ، وأعمالهم وأحوالهم وسِيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخَلْق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه، وبالجملة: تُعرّفه الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتُعرّفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب ، بعد الوصول إليه.انتهـى .

أحكام كلّ شيء

     وقد جمع الله -سبحانه وتعالى- في القرآن العظيم أحكام كلّ شيء ، كما قال -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(النحل:89)، فقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}، قال ابن مسعود رضي الله عنه: وقد بيّن لنا في هذا القرآن كلَّ علم ، وكلَّ شيء، وقال مجاهد: كلُّ حلالٍ وحرام، وقول ابن مسعود رضي الله عنهأعمّ وأشمل .

وقال الله تعالى-: {وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(النساء: 113)، قال القفّال -رحمه الله-: هذه الآية تحتمل وجهين:

- أحدهما: أنْ يكون المراد ما يتعلق بالدّين، كما قال: {ما كنتَ تَدْري ما الكتابُ ولا الإيمان}(الشورى: 52)، وعلى هذا الوجه، تقدير الآية: أنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وأطلعك على أسرارهما، وأوقفك على حقائقهما، مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيءٍ منهما؛ فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك، لا يقدر أحدٌ من المنافقين على إضلالك وإزْلالك .

- الوجه الثاني: أنْ يكون المراد: وعلّمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين؛ فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم، ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم، ثم قال: {وكان فضل الله عليك عظيما}، وهذا من أعظم الدلائل، على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب. (التفسير الكبير).

كلماتٍ مذكّرة  وقواعد مهمة

     ولَمَّا كان كثيرٌ من المسلمين قد أعرضوا عن القرآن فهمًا وتدبرًا، وعلماً وعملاً، وكان كثير ممَّن يقرؤه لا يعرف كيف يتدبَّره! ولا كيف يفهمُه ؟! على النحو الصحيح، وعملاً بقوله -تعالى-: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}(الذاريات: 55)؛ فإنني أحببتُ أنْ أجمعَ كلماتٍ مذكّرة، وقواعد مهمة ، لفهم لكتاب الله -عزّ وجل- وكيفية فهمه وتدبره، تُساعد على تدبر القرآن الكريم، وفهمه الفهم السليم، أسأل الله أنْ ينفع بها طلاب العلم جميعا، المتعلمين منهم  والمعلمين، إنه سميعُ مجيب الدعاء.

تمهيد

- القواعد: جَمعُ قاعدة ، وقَواعِدُ الْبَيتِ: أَسَاسُهُ ، وَفِي التَّنْزِيل: {وإذْ يَرْفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِنَ البَيِت وَإِسْمَاعِيل}(البقرة: 127)، وفيه: {فَأتى اللهُ بُنيانهم من الْقَوَاعِد}(النحل: 26)، وعلى هذا: فالقاعدة: الأصلُ الذي تنبني عليه المسائلُ، والفروع . و(التدبر): أصل الكلمة اللغوي لكلمة تدبر ، هو : آخر الشيء، وخَلْفَه خلاف قبله، ويقال : دَبَّرَ الأَمْرَ وتَدَبَّرَه: نَظَر في عاقِتَبِه ، واسْتَدْبَرَه : رَأَى في عاقِبتِه، ما لَمْ يَرَ في صَدْرِه، قال البغوي: «التدبر: هو النظر في آخر الأمر، ودُبُر كل شيء آخره»؛ فالتدبر : هو تأمُّل الآيات القرآنية ، للاهتداء بما دلّت عليه علماً وعملاً .

الفرق بين التدبر والتفسير

     بين التدبر والتفسير ، فرقاً من جهة المعنى؛ فالتدبر قد مرّ التعريف به، أما التفسير: فإنَّ مادة التفسير تدور على: بيان شيءٍ وإيضاحه، يقال : فَسَر الشيءَ يفسِرُه، بالكَسر، ويفْسُرُه بِالضَّمِّ، فَسْراً وفَسَّرَهُ: أَبانه، والتَّفْسيرُ مثْلُهُ، والفَسْرُ: كَشْفُ المُغَطّى، والتَّفْسير كَشف المُراد عَنِ اللَّفْظِ المُشْكل. وبهذا يتبين أنّ دائرة التدبر أوسع من التفسير ، من جهة أن التدبر هو إعمال النظر في مآلات الألفاظ والمعاني، قال الحسن البصري: العلم عِلْمان: علمٌ في القلب؛ فذاك العلم النافع، وعلمٌ على اللسان، فتلك حجّة الله على خلقه .

ففهم القرآن نوعان: النوع الأول: فهمٌ علمي معرفي، والنوع الثاني : فهمٌ قلبي إيماني .

- فالنوع الأول: يدخل فيه تفسير معاني الغريب، والعلم بمعاني الآيات، واستنباط الأحكام ، والحلال والحرام، وأنواع الدلالات، وأهل العلم يغترفون من علومه، على قَدر ما آتاهم الله تعالى من العلم والفهم في كتابه، كما قال -تعالى-: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} (الرعد : 17).

- والنوع الثاني: هو الفهم الإيماني القلبي، الذي ينتج عن تأملِ قارئ القرآن لما يمرُّ به من آياتٍ كريمة ، يعرف معانيها، ويفهم دلالاتها، فيتوقف عندها متأملاً، متفكراً متدبراً، يُحرّك بها قلبه، ويَعرض عليها نفسه وعلمه وعمله ، فإنْ كان من أهل الخير والصلاح والاستقامة، حَمِد الله على ذلك، وإنْ لم يكن من أهلها، حاسب نفسه، وتاب واستغفر واستعتب، والفهم الثاني هو الغاية، والأول إنما هو وسيلة له، ونبدأ في استعراض تلك القواعد في الحلقات القادمة إن شاء الله.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة