أخبار سريعة
الإثنين 20 نوفمبر 2017

أبحاث و دراسات » قَوَاعِدُ في تَدبُّر القُرْآنِ الكَرِيم وضَوَابطُ الفَهم

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

لَمَّا كان كثيرٌ من المسلمين قد أعرضوا عن القرآن فهمًا وتدبرًا ، وعلماً وعملاً، وكان كثير ممَّن يقرؤه لا يعرف كيف يتدبَّره؟ ولا كيف يفهمُه على النحو الصحيح؟ وعملاً بقوله -تعالى-: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}(الذاريات: 55)؛ فإنني أحببتُ أنْ أجمعَ كلماتٍ مذكّرة، وقواعد مهمة تُساعد على تدبر القرآن الكريم، وفهمه الفهم السليم، أسأل الله أنْ ينفع بها طلاب العلم جميعا ، المتعلمين منهم  والمعلمين، واليوم مع القاعدة الأولى.

الفهم للقرآن أولاً

     لابدّ لمن أراد تدبر القرآن من فهمه أولاً، والنظر في معناه، وما تدلّ عليه الآيات، من كلام أهل العلم والإيمان، وقراءة ما كتبوا في تفسير القرآن الكريم، فلا يأتي التدبر دون فهم المعاني ومعرفة الألفاظ العربية ومدلولاتها؛ فهذا مما لا يُخالف فيه أحدٌ مِن أهل العلم!

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في فتاويه: «وتدبّر الكلامِ بدون فهم معانيه، لا يُمْكن». فتاوى ابن تيمية (13/ 331-332)، وقال أيضًا -رحمه الله- في مقدمة أصول التفسير: «يجب أنْ يُعْلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم  بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيَّن لهم ألفاظه، كقوله -تعالى-: {لتُبين للناسِ ما نُزِّل إليهم}(النحل: 44)، يتناول هذا وهذا «.

     ويقول الإمام الزركشي -رحمه الله تعالى-: «التفسير علمٌ يُفهَم به كتاب الله المنزَّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه ، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ» البرهان في علوم القرآن ( 1/ 13) .

وقال أيضاً: «ينقسم القرآن العظيم إلى: ما هو بين بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه، ولا من غيره، وهو كثير، ومنه قوله -تعالى-: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ...}(التوبة : 112). وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...} (الأحزاب: 35).

     والثاني: ككثير من أحكام الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج والمعاملات والأنكحة والجنايات، وغير ذلك كقوله -تعالى-: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}(الأنعام: 141)، ولم يَذكر كيفية الزكاة ، ولا نِصابها ولا أوْقاتها، ولا شروطها ولا أحوالها، ولا مَنْ تجب عليه ممن لا تجب عليه، وكذا لم يُبيّن عدد الصلاة ولا أوقاتها.

أحسن طرق التفسير

فإنْ قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟

     نقول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في مجموع الفتاوى (363/13) في الجواب عن ذلك -: «-إنَّ أصحّ الطرق في ذلك -: أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن؛ فما أُجْمِل في مكان، فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، فإنْ أعياك ذلك، فعليك بالسُّنة؛ فإنها شارحةٌ للقرآن وموضّحةٌ له، بل قد قال الإمام أبوعبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله-: كل ما حَكم به رسولُ الله[؛ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}(النساء: 105)، وقال -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(النحل: 44)، وقال -تعالى-: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(النحل: 64)؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا إني أوتيتُ القُرآنَ، ومثلُه معه« (رواه أحمد وأبو داود). يعني: السُّنة .

والسُّنة أيضًا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تُتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي -رحمه الله- وغيره من الأئمة على ذلك بأدلةٍ كثيرة، ليس هذا موضع ذلك، والغرض : أنك تطلب تفسيرَ القرآن منه، فإنْ لم تجدْه فمن السُّنة .

الرجوع على أقوال الصحابة

     وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدْرى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصُّوا بها؛ ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولاسيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين ، وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله، إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ، وأين نزلت، ولو أعلمُ مكانَ أحدٍ أعلم بكتاب الله مني، تناله المَطايا، لأتيته».

     وعن أبي وائل عن ابن مسعود أيضاً قال: كان الرجل منَّا إذا تعلم عشر آياتٍ، لم يُجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن، ومنهم الحَبر البحر : عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ حيث قال: «اللهم فقِّهه في الدِّينِ، وعلّمه التأويل». متفق عليه .

وروى ابن جرير: عن مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: «نِعمَ ترجمان القرآن ابن عباس»، وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كَسَبه من العلوم بعد ابن مسعود؟!

وقال الأعمش عن أبي وائل: اسْتَخلَف عليٌ رضي الله عنه عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة - وفي رواية: سورة النور - ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم؛ لأسْلموا.

     وكما جاء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه  عندما سأله سائل، فقال له: «هل خصَّكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  بشيء ؟» -أي: أنتم وأهل بيته - فقال: «لا والذي برأ النَّسَمة، وفلقَ الحبَّة، ما خصَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بشيءٍ ، إلا ما في هذه الصَّحيفة، وأخْرجها فإذا فيها أسْنان الإبل، وفهماً في كتاب اللهِ، يؤتيه الله مَن يشاء». متفق عليه.

وكذلك ما ورد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وأُبَي بن كعب رضي الله عنه، وغيرهم، ولا يزال هذا الفهم في الأمة، ما بقي القرآن والإيمان .

     قال شيخ الإسلام: إذا لم تجدْ التفسير في القرآن ، ولا في السُّنة ، ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثيرٌ من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر؛ فإنه كان آية في التفسير، كما قال عن (نفسه): عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاثَ عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أُوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وروى الترمذي: عن قتادة قال: ما في القرآن آية، إلا وقد سمعتُ فيها شيئًا، وكسعيد بن جبير ، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم، ومن بعدهم ، فتذكر أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علمَ عنده اختلافًا، فيحكيها أقوالاً، وليس كذلك.

فإنَّ منهم من يعبّر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينصّ على الشيء بعينه، والكلُّ بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطّن اللبيب لذلك، والله الهادي .. « انتهى بتصرف وزيادة يسيرة.

ففهمُ آيات القرآن وَفْق تفسير السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وأتباعهم، لا مَحِيد عنه؛ لمَن أراد أن يفهم عن اللهِ -سبحانه وتعالى- كلامه، فإنَّ هؤلاء عاصروا التنزيل ، وكانوا أعلمَ الناس بكلام العرب، وشاهدوا كيفية تطبيق القرآن والعمل به.

تنبيه مهم

     لا يجوز الخروج عن منهج السلف في فهم القرآن الكريم: فمنهجهم ـ في جملته ـ معصومٌ عن الخطأ، وإذا أجمعوا على تفسير فلا يكون الصواب في خلافه، ويبقى جهد من بعدهم في التأمل فيه، وتنويع الأمثلة التي تقاس عليه، أو تدخل تحته، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تَجتمع أُمتي على ضَلالة». رواه ابن ماجة والطبراني وغيرهما .

     ومعناه: أن أمة النبي صلى الله عليه وسلم  التي آمنتْ به، لا تجتمع وتتفق على حكم شرعي، ثم يكون ذلك الحكم ضلالة؛ بل إذا اجتمعت على حكم ؛ فإنّ اجتماعها عليه دليل على أنه حقٌ ، فهي لا تجتمع ولا تتفق على ضلالة، بل على الحق، قال السندي في شرحه: قوله: «إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِع على ضَلَالَة» أَيْ: الكُفْر، أَو الفِسْق، أَو الخَطَأ في الاجْتِهاد. اهـ .

وليس المراد بذلك أفراد الألفاظ التي نُقلت عنهم ، فقد تختلف فيها الروايات، بل المقصود منهجهم وطريقتهم، فمن عدل عنها فقد أخطأ بلا ريب؛ لأنَّ إحداث طريقة في التفسير تخالف طريقتهم، هو طعنٌ في علمهم، وهذا ضلال مبين .

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ الصحابة والتابعين والأئمة، إذا كان لهم في تفسير الآية قولٌ، وجاء قوم فسروا الآية بقولٍ آخر، لأجل مذهبٍ اعتقدوه ، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا». وفي الجملة من عَدَل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، وإنْ كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه؛ فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته ، وطرق الصواب.

أعلم الناس بالقرآن

     ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلمُ بالحقّ الذي بعث اللّه به رسوله؛ فمن خالف قولهم وفسّر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً، ومعلوم أن كل مَن خالف قولهم له شبهة يذكرها، إما عقلية وإما سمعية، كما هو مبسوط في موضعه». مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية.

     فالواجب إذاً: على مَنْ أراد فهم كتاب الله -تعالى- الرجوع إلى كتب التفسير ، التي جمعت كلام السلف من أهل الفقه والفهم في كتاب الله، ويبدأ بالمختصر منها ، قبل المطوّل؛ فالمختصر ككتب غريب القرآن، لابن قتيبة والهروي وغيرهما، وزبدة التفسير للأشقر، والتفسير الميَسَّر لنُخْبَة من العلماء، والهدى والبيان في كلماتِ القرآن، لكاتبه.

والمتوسط كتفسير السعدي، وأيسر التفاسير للجزائري، والمطول كتفسير الطبري والبَغَوي والسمعاني وابن كثير وغيرها، والتفسير المختصر يبين معاني القرآن الكريم، بعِبارةٍ وجيزة، وألفاظٍ قليلة .

     فدراسة تفاسير أهل العلم، والإكثار من النظر والقراءة فيها، سبيلٌ إلى التدبّر الصحيح لكتاب الله عز وجل ، وهم الذين فهموا القرآن وَفْق الأصول السابقة، وآتاهم اللهُ فهمًا في القرآن، والقرآن لا تزال عجائبه تظهر، وإنَّ الفهمَ فيه يظلُّ أبداً ما دام القرآن في الأرض.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة