أخبار سريعة
الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

أبحاث و دراسات » قَوَاعِدُ في تَدبُّر القُرْآنِ الكَرِيم وضَوَابطُ الفَهم

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

لَمَّا كان كثيرٌ من المسلمين قد أعرضوا عن القرآن فهمًا وتدبرًا ، وعلماً وعملاً، وكان كثير ممَّن يقرؤه لا يعرف كيف يتدبَّره؟ ولا كيف يفهمُه على النحو الصحيح؟ وعملاً بقوله -تعالى-: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}(الذاريات: 55)؛ فإنني أحببتُ أنْ أجمعَ كلماتٍ مذكّرة، وقواعد مهمة تُساعد على تدبر القرآن الكريم، وفهمه الفهم السليم، أسأل الله أنْ ينفع بها طلاب العلم جميعا، المتعلمين منهم  والمعلمين، واليوم نستكمل باقي القواعد.

وجوب تعلم لغة العرب التي نزل بها القرآن

     القاعدة الثانية هي وجوب تعلُّم لغة العرب، ومعرفة معاني ألفاظ الكلمات العربية، ومفردات اللغة، فلابد أنْ يُعرف المقصود من الأسماء الشرعية، كالإيمان والإسلام ، والكفر والنفاق، والبر والتقوى ، والعلم واليقين ، والصلاة والزكاة، والصوم، والحج والعمرة، والجهاد والرباط، والولاء والبراء، وغيرها من الأسماء الشرعية، وكذا سائر كلامِ العرب الذي نزلَ به القرآن الكريم.

     وكذلك معرفة طرائق العرب في التعبير، وأساليبهم في الخطابة والبيان؛ فإنَّ القرآن عربي، وقد نزل بهذه اللغة، ووَفْق أساليب العرب في الكلام والبيان، واشتمل على معظم بلاغة العرب في كلامهم المنظوم والمنثور، فاستخدم التشبيه، وضرب الأمثال، والمدح والذم، والإغراء والتنفير، والتقديم والتأخير للأغراض البيانية، وكذلك الحذف والإيجاز والإطناب في مواضعه، والالتفات من الخِطاب إلى الغَيبة والعكس، والتعريف والتنكير، وغيرها من الأساليب البيانية، فمَن لا يَعرف طرائق العرب في البيان، فإنه لا يستطيع أن يفرِّق مثلا: بين {إِيَّاكَ نَعْبُد} و: نعبدك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} و: نستعين بك.

التحدِّي والإعجاز

     وانظر إلى التحدِّي والإعجاز في قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}(البقرة: 23- 24)، {فإنْ لم تفعلوا} إنْ لم تأتوا بسورة من مثله, وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم، عجزكم وعَجزُ جميع الخلق عنه, وعلمتم أنه من عند الله, ثم أقمتم على التكذيب به! وقوله: {ولن تفعلوا} أي : لنْ تأتوا بسورة من مثله أبدًا، يشمل الحاضر والمستقبل، القريب والبعيد، وهكذا كان، قال قتادة: لا تقدرون على ذلك، ولا تُطيقونه، وكذلك في قوله -سبحانه-: {قل لئنْ اجتمعت الإنسُ والجن على أنْ يأتوا بمثلِ هذا القرآن لا يأتونَ بمثله ولو كان بعضُهم لبعض ظهيراً}(الإسراء: 88).

فالخلاصة: يجب معرفة كلام العرب في معاني مفرداته، وقواعدهم  في الخطاب، وأساليبهم في البيان، وهذا ما تتضمَّنه اليوم معاجم اللغة، وكتب غريب القرآن، وعلم النَّحو والصَّرف، وعلم البلاغة.

فيجبُ على المسلم المُرِيد تدبُّر القرآن، أن يكون على قدرٍ من هذه العلوم، وإلا جَهِل الأساس الذي يُفهم به القرآن الكريم .

دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العطرة

     القاعدة الثالثة هي دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة حياته وأحواله، وأخلاقه وشمائله، وجهاده وعباداته ومعاملاته، والإلمام بأقواله وأفعاله؛ فهذا مما يعين على فهم القرآن وتدبره، وذلك أنّ الرسول  صلى الله عليه وسلم قد فسَّر القرآن بقوله، وأقامه بعمله، وبينه بخُلقه[، كما أمره الله -تعالى- فقال -سبحانه-: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ولعلهم يتفكرون}(النحل: 44)؛ فيقول الله -تعالى- له: وأنزلنا إليك - يا محمد - هذا القرآن تذكيراً للناس، وعظةً لهم {لتبين للناس}، يقول: لتعرّفهم ما أُنزل إليهم من ذلك {ولعلهم يتفكرون}، أي: وليتذكروا بما فيه، ويعتبروا به ، أي : بما أنزلنا إليك.

     فمعرفةُ السُّنن القولية والعملية التي بيَّن الرسول  صلى الله عليه وسلم بها الكتاب العزيز، يُعين بلا شك على فهم الكتاب وتدبره، فإنَّ القرآن قد جعل الله بيانه لرسوله  صلى الله عليه وسلم، كما سبق في قوله -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} (النحل: 44)؛ فالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج والعمرة، وسائر العبادات المأمور بها في القرآن، لا يمكن معرفة أحكامها وحدودها ، وشروطها وأركانها ، ومواقيتها الزمانية والمكانية ، وغير ذلك ، إلا ببيان الرسول[ لها ، والرجوع إلى سُنته.

المِثال الكامل للأمة الإسلامية

وقد كان الرسول  صلى الله عليه وسلم هو المِثال الكامل للأمة الإسلامية، المثال الذي يحبُّه الله -تعالى- ويريد من كلِّ مؤمن ومؤمنة أن يكون مقتدياً به، متبعاً له، كما قال تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب : 21).

     قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في التأسي برسول الله[ في أقواله وأفعاله وأحواله; ولهذا أمر الناس بالتأسي بالنبي  صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره ومُصابرته ومرابطته ومجاهدته، وانتظاره الفرج من ربه -عز وجل- صلوات الله وسلامه عليه- دائما إلى يوم الدين; ولهذا قال -تعالى- للذين تقلقوا وتضجروا، وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ؟ ولهذا قال : {لمنْ كانَ يَرجو اللهَ واليومَ الآخر وذكرَ الله كثيراً}. انتهى. ولمَّا سُئِلت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- عن خُلُق الرسول  صلى الله عليه وسلم، قالت : «كان خُلُقه القرآنَ». رواه مسلم .

     قال النووي -رحمه الله تعالى- في (شرح مسلم) (3/268): «معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره، وحسن تلاوته». انتهى. وقال ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) (1/148) : «يعني أنه كان يتأدَّب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه، فما مَدَحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن كان فيه سخطه، وجاء في رواية عنها قالت: «كَانَ خُلُقُهُ القُرآنُ، يَرضَى لِرِضَاه، وَيَسخَطُ لِسَخَطِهِ» انتهى.

     ولذلك فمحاولةُ تدبُّر القرآن الكريم بعيدًا عن دراسة سيرة الرسول  صلى الله عليه وسلم، ستكون محاولة ناقصة؛ لأنّ الرسول  صلى الله عليه وسلم هو المثل العملي والواقعي القائم بكتاب الله -سبحانه وتعالى- والمهتدي به، والمتَّبع له، قال -تعالى-: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}(الشورى : 52 - 53).

معرفةُ أسبابِ النزول

القاعدة الرابعةً: هي معرفة أسباب النزول؛ مما يعين على فهم القرآن، ثم تدبره، وذلك أن القرآن نزل منجَّمًا بحسب الوقائع والأحداث في ثلاثٍ وعشرين سنة ، كما هو معلوم .

ويعد علم أسباب النزول من علوم القرآن المهمة، التي لا يمكن الاستغناء عنها في تفسير كلام الله -جل في علاه- وذاك؛ لأنّ العلم بالسبب يُورث العلم بالمسبب، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مقدمة أصول التفسير.

     وهو من الشروط المفروضة، والعلوم المطلوبة، لمن رام تفسير القرآن، كما بيَّنه غيرُ واحد من الأعلام، كالعلامة الزركشي في البرهان، والحافظ السيوطي في الإتقان، ويقول العلامة أبو الحسن الواحدي كما نقل عنه السيوطي في الإتقان: «لا يمكن تفسير الآية، دون الوقوف على قصتها ، وبيان نزولها»، وقال الحافظ ابن دقيق العيد: «بيان سبب النزول ، طريقٌ قويٌ في فهم معاني القرآن». الإتقان (1/ 88) .

     ولأهمية هذا العلم؛ فقد كان محطَّ اهتمام وتأليف منذ القدم عند العلماء، من المحدثين والمفسرين، يقول الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى-: أفرده بالتصنيف جماعة، أقدمهم علي بن المَدِينِي شيخ البخاري، ومن أشهرها كتاب الواحدي ، على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبري؛ فحذف أسانيده، ولم يزد عليه شيئًا، وألَّف شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر كتابًا مات عنه مُسْوَدَّةً ، فلم نقف عليه كاملاً، وقد ألفْتُ فيه كتابًا موجزًا محرَّرًا، لم يؤلَّف مثله في هذا النوع، سميته: «لباب النُّقول في أسباب النزول». انتهى. الإتقان في علوم القرآن ( 1/ 87).

إجابةً عن سؤال

وأسباب النزول جاء بعضها إجابةً عن سؤال، كآيات {ويسألونك عن..}، أو تنبيهاً على خطأ حصل، كقول الله: {ما كان لنبيٍ أن يكون له أسْرى حتى يُثخنَ في الأرض...}(الأنفال: 67 )، وكقوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أنْ يَسْتغفروا للمشركين ... }(التوبة : 113).

ردًّاً لشبهة

أو ردًّاً لشبهة قِيلت ؛ كالردود على شُبه مُنكري التوحيد والبعث والقيامة والرسالات وغيرها، كما قال -تعالى-: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}(الفرقان : 33).

بياناً وتعليقًا

     وجاءت أسباب النزول كذلك: بياناً وتعليقًا على وقائع وأحداث ؛ فالآيات النازلة في بدرٍ وأُحُد والخندق ، وسائر الغزوات التي نزل فيها قرآن، لا تفهم فهمًا سليمًا إلا بمعرفة وقائع هذه الغزوات، وإلا فكيف يَفهَم قارئٌ فهمًا صحيحًا قولَه -تعالى-: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}(آل عمران: 139، 140)، إلا إذا عَرَف ما أُصِيب به المسلمون يوم أُحُد من القتل والجراح، ووقوف أبي سفيان شامخًا على رأس المسلمين بعد نهاية المعركة، يقول: اعلُ هُبَل! لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم! وقوله: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ أما هؤلاء؛ فقد قُتِلوا ... الحديث ، رواه أحمد والبخاري، وكذلك لا تُفهم آيات سورة (النور) في شأن الإفك، إلا بمعرفة سبب نزول هذه الآيات، وما قاله المنافقون في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.  ومن الأمثلة كذلك: قوله -تعالى- في صدر سورة المجادلة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} (المجادلة: 1)، فقد جاء أنها نزلت في خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- جاءت تشتكي إلى النبي  صلى الله عليه وسلم زوجها أوس بن الصامت رضي الله عنه الذي ظاهَرَها.

     فالحُكم الذي ذكره الله -تعالى- في صدر هذه السورة، ليس خاصاً بخولة وأوس ابن الصامت -رضي الله عنهما- كما هو معلوم، بل هي أحكام للأمة جميعا؛ فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما قرره أهل الأصول، وهكذا قول الله: {يا أيها النبيُّ إذا طلقتم النساءَ فطلقوهن لعدّتهن وأحْصوا العدة ...}(الطلاق: 1)، وقوله: {يا أيها النبيُّ لم تُحرّم ما أحلَّ اللهُ لك تبتغي مرضاتَ أزواجك..}(التحريم: 1)، فهي أحكام للأمة جمعاء للتدبّر الصحيح لكتاب الله عز وجل.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة