أخبار سريعة
الأحد 19 نوفمبر 2017

أبحاث و دراسات » قَوَاعِدُ في تَدبُّر القُرْآنِ الكَرِيم وضَوَابطُ الفَهم- العكوف على القرآن العظيم، والانقطاع إليه للنظر والتأمُّل والتفكر والتدبر

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

 

قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الشورى: 52)، فالقرآن العظيم هو الروح والرحمة لهذه الأمة الإسلامية، وهو المنَّة الكبرى، التي امتن بها على عباده، والنعمة العظمى في الدنيا، المتصلة بخير الآخرة، لا تفنى عجائبُه، ولا تعد معانِيهِ وفوائدُه لا تحصى، فهو كلامُ اللهِ اللطيف الخبيرِ، العليم الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد.

القاعدة الخامسة

     العكوف على القرآن العظيم، والانقطاع إليه، للنظر والتأمُّل، والتفكر والتدبر: فالعكوف على القرآن، والتفكر في آياته، وتدبر معانيه، والقيام به آناء الليل وأطراف النهار، كله مما يفتح للعبد معاني عظيمة في كتاب الله تعالى، كما قال -سبحانه-: {كذلك يُبيّن اللهُ لكم الآياتِ لعلّكم تتفكرون} (البقرة: 119)، وقال -تعالى-: {فاقْصص القَصصَ لعلّهم يتفكرون} (الأعراف: 176)، وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 44)، وقال تعالى حاثاً على التفكّر: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ:46).

     فإذا جلس الإنسان وحدَه، وتفكَّر في آياتِ الله المباركة، انفتحَ له فيها بابٌ عظيم للفهم والعلم واليقين، وقد أمر تعالى بالتفكّر والنظر، والأمر يفيد الوجوب كما يقرر الأصوليون ومن الآيات في الأمر بالنظر والتفكر: قوله تعالى: {قلْ انظروا ماذا في السّماواتِ والأرضِ وما تغني الآيات والنُّذُر عن قومٍ لا يؤمنون} (يونس: 101)، وقوله: {انظروا إلى ثَمَره إذا أثمرَ وينعه} (الأنعام: 99،) وقوله: {فلينظرْ الإنسانُ إلى طعامه} (عبس: 24)، وقوله: {فلينظرْ الإنسان ممَّ خُلق} (الطارق: 5).

الاستفهام الإنكاري

     كما ورد الاستفهام الإنكاري أو ألتقريعي لمن يقرأ ولا يتفكر ولا ينظر، مثل: {ألم تر، أولم يروا، ألم يروا، أولم ير، أولم ينظروا، أفلا ينظرون}، نذكر من ذلك قول الله -تعالى-: {ألم تر أنّ الله يُزجي سحابا ثم يُؤلف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودْق يخرج من خلاله وينزِّل من السَّماء من جبال فيها من بَرد فيصيبُ به مَن يشاءُ ويَصرفه عمن يشاء يكاد سَنَا برقه يذهب بالأبصار} (النور: 43)، وقوله: {ألم يروا إلى الطّيرِ مُسخَّرات في جوِّ السّماء ما يُمْسكهن إلا الله إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} (النور: 79)، وقوله: {أولم يروا أناّ خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذلّلناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون} (يس: 71-73)، وقوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوتِ السماوات والأرض وما خَلَق الله من شيء وأنْ عسى أنْ يكون قد اقتربَ أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} (الأعراف:185)، وقوله: {أفلم يَنظروا إلى السّماء فوقهم كيفَ بنيناها وزيَّناها ومالها من فُروج} (ق: 6)، وقوله: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية: 17-20)، وهي كثيرة جدا في القرآن الكريم.

 القاعدة السادسة

     ومصطلح (تثوير القرآن) من المصطلحات التي أطلقها الإمام الحَبر، فقيه الأمة العالم، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم : عبد الله بن مسعودرضي الله عنه، وذلك فيما رواه غير واحد عنه بإسناد صحيح قال: «إِذَا أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ؛ فَأَثِيرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ». وسنده صحيح موقوفا، أخرجه الطبراني في الكبير (8665) وأبو عبيد في (فضائل القرآن) رقم (80) وابن أبي شيبة (10/ 485)، وقد ورد بألفاظٍ متعددةٍ منها: «مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ»، وفي رواية: «ثَوِّرُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ فيه عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ».

هذا الأثر الصحيح، يبين لنا ما كان عليه حال السلف -رضي الله عنهم- مع كتاب الله تعالى، وكيف كانوا على علمٍ جمّ بهذا القرآن العظيم، وممن يتلونه حق تلاوته، حتى قال الحبر ابن عباس رضي الله عنهما: لو أردتُ أنْ أمليَ وِقْر بعيرٍ، على الفاتحة، لفعلت. مقدمة البرهان في علوم القرآن (ص101).

كيف لا؟ وهم أهلُ القرآن، وأهل العلم بكتاب الله -تعالى- الذي لا تفنى عجائبه، ولا تنفد فوائده، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم.

ومصطلح (تثوير القرآن) اختلفت عبارات أهل العلم في بيانه، وإنْ اتفقت معانيها، فقال ابن عطية: «وتثوير القرآن: مناقشته ومدارسته، والبحث فيه، وهو ما يعرف به». التفسير: (1/3)، ونقل القرطبي عن شَمِر قال: «تثوير القرآن: قراءته، ومُفاتَشة العلماء به». التفسير: (1/ 446).

وقال الغزالي إنه التفهُّم، وعبارته: «أنْ يستوضح كل آيةٍ ما يليق بها؛ إذْ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله تعالى، وذكر أفعاله، وذكر أحوال أنبيائه -عليهم السلام-، وذكر أحوال المكذّبين، وكيف أُهلكوا؟ وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار ». الإحياء (1/282).

ونقل الزركشي عن بعض العلماء أنَّ التثوير: «لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَفْسِيرِ الظَّاهِرِ». البرهان (2/154)، ولو أضفنا لذلك ما في كلمة الإثارة، من التقليب والنظر في الوجوه، ومنه قوله تعالى: {وَأَثَارُواْ الأرض} الروم: 9. أي: حرثوها وقلبوها للزراعة، فالمرء لن يفقه القرآن حقّ الفقه، حتى يُقلب النظر في القرآن ووجوهه المختلفة.

فاجتمع عندنا من معاني المصطلح: أنَّ تثوير القرآن؛ ضَربٌ من ضروب التدبّر لكتاب الله الكريم، ويكون: بمدارسته وتقليب النظر فيه؛ وذلك أنّ القرآن كما قيل: كالمسكِ المختوم، إذا أثرتَه ونقَّبت فيه، فاحَ عطره، وانتشر شَذَاه؛ ولهذا قال السلف: «أثيروا القرآن».

وإثارته تكون أيضاً: بالاجتماع عليه، ومدارسته مع أهله، وتشقيق السؤال حول آياته.

وقد جاء الحثُّ على ذلك، كما في الحديث النبوي: «ما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتابَ الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السَّكينة، وغَشِيتهم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذَكرهم الله فيمَن عنده». رواه أحمد والبخاري.

فالاجتماع على مدارسة القرآن، وإثارة معانيه، واستخراج كنوزه، فيها الفوائد العظيمة، والفرائد العجيبة.

وما أقلّ هذه المجالس في أيامنا هذه!

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة