أخبار سريعة
الأحد 21 يناير 2018

أبحاث و دراسات » الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (2) الاعتماد على الدليل الشرعي والبرهان العقلي والفطري

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

الرد على المخالف، أصلٌ من أصول أهل السُّنة والجماعة، وعبادة عظيمة، ومقام جليل في الشريعة، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -عز وجل-، وهو الذي استحقّت به الأمة الإسلامية الخيرية على كل الأمم، كما قال -تعالى-: {كنتم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر} آل عمران: 110. ولولا الرد على المخالف، لقال مَن شاء ما شاء، كما قال السلف.

الرد على أهل الكلام

     ويقول ابن تيمية ردّاً على بعض أهل الكلام حين ذم أهل الحديث بقلة الفهم، وعدم التمييز بين صحيح الحديث من ضعيفه: «لا ريب أنَّ هذا موجود في بعضهم، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الفروع والأصول، وآثار مفتعلة، وحكايات غير صحيحة, ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، وقد رأيت من هذا عجائب، لكنهم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك، كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، فكل شرٍّ في بعض المسلمين، فهو في غيرهم أكثر، وكل خيرٍ يكون في غيرهم فهو فيهم أعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم». (كتاب علم الحديث) (44). وإذا تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها، فقد تكلف هؤلاء من القول بغير علم، ما هو أعظم من ذلك وأخطر.

مجتهدو السلف والخلف

- ويقول أيضاً: «كثيرٌ من مجتهدي السلف والخلف، قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآياتٍ فهموا منها ما لم يُرد منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم».

- ويقول الشوكاني: «دع عنك ما يقع من الاختلاف في المذاهب والمعتقدات؛ فإنه يبلغ الأمر إلى عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة، فطالب الإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب والنحل».

- ويقول العلامة السعدي في تفسير قوله -تعالى-: {إذا اكتالُوا على الناس يَسْتوفون  وإذا كالُوهم أو وزنوهم يُخسرون} المطففين: 2- 3: «يدخل في عموم هذا: الحجج والمقالات فكما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ما له من الحجج، فيجب عليه أيضاً أنْ يبين ما لخصمه من الحجة التي لا يعلمها، وأنْ ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يُعْرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه».

الإنصاف الأدبي

- ويقول الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-: «التزام الإنصاف الأدبي، بألا تجحد ما للإنسان من فضل، وإذا أذنب فلا تفرح بذنبه، ولا تتخذ الوقائع العارضة مُنهية لحال الشخص، وباتخاذها رصيداً ينفق منه الجرّاح في الثلب، والطعن وأن تدعو له بالهداية، أما التزايد عليه، وأما البحث عن هفواته، وتصيدها فذنوب مضافة أخرى. والرسوخ في الإنصاف، بحاجة إلى قَدْرٍ كبيرٍ من خُلق رفيع، ودين متين».

- ثالثا: من الضوابط العظيمة لدى علماء السلف في الرد على المخالف: الاعتماد على الدليل الشرعي، والبرهان العقلي والفطري السليم، والتحاكم إليها. قال -تعالى-: {فإنْ تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا} النساء: 59. وقال -سبحانه-: {فلا وربّك لا يُؤمنون حتى يُحكموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يَجدوا في أنفسهم حَرَجاً مما قضيتَ ويسلموا تسليما} النساء: 65.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي». رواه الدارقطني والحاكم.

- ومن الأمثلة على ذلك

من فعل الصحابة:

في قصة موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقول عمر - رضي الله عنه -: والله ما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ثم خروج أبي بكر -رضي الله عنه- للناس وقوله: ألا مَن كان يعبد محمداً، فإنَّ محمداً قد مات، ومَنْ كان يعبد الله، فإن الله حيٌ لا يموت، وقرأ {إنك ميت وإنهم ميتون} الزمر: 30. وغيرها من الآيات، فَنَشج الناس يبكون».

4- موقف ابن عباس من الخوارج وجدالهم؛ حيث قال لهم: «أرأيتكم إنْ أتيتكم من كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، ما ينقض قولكم، أترجعون؟...».

5- ما ثبت عن الأئمة الأربعة جميعاً من قولهم: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنة رسول الله، فقولوا بها، ودعوا ما قلته.

- ومما قد ورد من نقول كثيرة عن العلماء في هذا الباب:

1- يقول الحافظ ابن الجوزى في (تلبيس إبليس) (1/152): «والله يعلم أننا لم نقصد ببيان غلط الغالط، إلا تنزيه الشريعة، والغَيرة عليها من الدَّخَل، وما علينا من القائل والفاعل، وإنما نُؤدي بذلك أمانة العلم، وما زال العلماء يُبين كل واحدٍ منهم غلط صاحبه، قصداً لبيان الحق لا لإظهار عيب الغالط، ولا اعتبار بقول جاهلٍ يقول: كيف يُرد على فلانٍ الزاهد المتبرك به، لأنَّ الانقياد إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة، لا إلى الأشخاص، وقد يكون الرجل من الأولياء، وأهل الجنة، وله غلطات، فلا تمنع منزلته بيان الله».

2- ويقول الحافظ ابن رجب فى كتابه (الفرق بين النصيحة والتعبير) (ص11):» قد يظن مَن لا يعلم من الناس، ولا يضع الأمور مواضعها: أن هذا اغتيابٌ للعلماء، وطعن فى السلف، وذكر للموتى!  وليس ذلك كما ظنوا؛ لأنَّ الغيبة سبُّ الناس بلئيم الأخلاق، وذكرهم بالفواحش والشائنات، وهذا من الأمر العظيم المشبه بأكل اللحوم الميتة.

     فأما هفوة فى حرفٍ، أوزلة فى معنى، أو إغفال أو وهم أو نسيان، فمعاذ الله أن يكون هذا من هذا الباب، أو أن يكون له مشاكل أو مقارب أو يكون المنبه عليه آثماً، بل يكون مأجورا عند الله، مشكوراً عند عباده الصالحين الذين لا يميل بهم هوى، ولاتداخلهم عصبية، ولا يجمعهم على الباطل تحزبٌ، ولايلفتهم عن استبانة الحق حسد.

الاعتذار من العلم

     وقد كنا زماناً نعتذر فيه عن الجهل، فقد صرنا الأن نحتاج الاعتذار من العلم، وكنا نؤمّل شكر الناس بالتنبيه، والدلالة فصرنا نرضى بالسلامة! وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال ولاينكر مع تغير الزمان، وفى الله خلف وهو المستعان». هكذا يتألم الحافظ ابن رجب من حال أهل زمانه، وما حمل بعض الناس على التعصب لأئمتهم.

     ويقول ابن سعدي -رحمه الله- في تفسير: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} مبيناً معنى العدل في القول: «بمراعاة الصدق فيمن تحبون، ومن تكرهون، والإنصاف وعدم كتمان ما يلزم بيانه؛ فإنَّ الميل على من تكره بالكلام فيه، أو في مقالته، من الظلم المحرم، بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع فالواجب عليه أنْ يعطي كل ذي حق حقه، وأنْ يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها منه».

رحم الله السلف

     رحم الله -تعالى- سلفنا الصالح، ومن سلك طريقهم، واقتدى بهم، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وتلاميذهم وأصحابهم، ومن جاء بعدهم ممن اقتدى بهم، كالإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب وأبنائه وأحفاده وتلاميذه، ومن تبعهم، من علماء هذا الزمان كالإمام ابن باز وابن عثيمين وإخوانهم، وعلامة الشام الألباني، وعلامة مصر أحمد شاكر، وغيرهم كثير يعجز القلم عن حصرهم، رحمهم الله، ورفع درجتهم؛ فقد كانوا أهل علم وعدل، وهذه ردودهم المطبوعة والمنشورة، بفضل الله -عز وجل-، كانت على السبيل الأقوم، والطريق الأسلم، تبين الحق، وترحم الخلق، وقد ورَّثونا تراثاً عظيماً في هذا الباب العظيم، استفادوه من الكتاب العزيز، والسُنة النبوية، وآثار الصحب الكرام، والتابعين لهم بإحسان، فحُقَّ علينا أنْ نتأسى بهم وبالسلف الصالح؛ فإنَّ منهاجهم هو الأسْلم والأعْلم والأحكم. ومَن كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة