أخبار سريعة
الخميس 23 نوفمبر 2017

أبحاث و دراسات » الرد على المخالف وضوابطه وآدابه (3) الاعتماد على الأحاديث الصحيحة في الرد على المخالف

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

ذكرنا فيما سبق أن الضابط الثالث من ضوابط الرد على المخالف لدى علماء السلف: الاعتماد على الدليل الشرعي، والبرهان العقلي والفطري السليم، قال -تعالى-: {فإنْ تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إنْ كنتم تُؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحْسن تأويلا} (النساء: 59)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكم أمْرين؛ لنْ تَضلُّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله، وسُنة نبيّه».

وهذه فروع ذكرها العلماء، تدخل تحت هذا الضابط - وهو: الاعتماد على الدليل الشرعي - وهي إجمالاً كالآتي:

1- إنْ كنتَ ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل.

2- موافقة النصوص الشرعية لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ.

3- لا يجوز بتر الدليل والاستدلال بجزئه.

4-الحق ما وافق الدليل بغض النظر عمن قاله أو أعرض عنه.

5-السكوت عما سكت الله -تعالى- عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم -.

6-الدليل المقدم، هو الدليل القطعي.

7-الاستدلال على المسألة المتنازع فيها إنما يكون بالدليل المتفق عليه.

8-الباطل لا يُرد بالباطل، بل بالحق.

9-الامتناع عن مناظرة أهل السَّفْسطة.

10- النقل الصحيح لا يمكن أنْ يتعارض مع العقل الصريح، والفطرة السليمة.

11-درء التعارض بين نصوص الكتاب والسنة.

وهذا تفصيلها:

إنْ كنتَ ناقلاً فالصّحّة، أو مدعياً فالدليل

- أولاً: كلُّ دعوى لابد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى، خالية عن البرهان والحجة، لا قيمة لها ولا وزن. والدليل إما أنْ يكون نقلاً أو عقلاً، والمطلوب في الدليل النقلي: تحرير صحته، وفي العقلي: إظهار صراحته، وبيان حجته، قال الله -تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 111، فهذا عامٌ في كل دعوى، أنه لا بد من تأييدها بالدليل، وقال -تعالى-: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الأحقاف:4؛ فطالبهم أولا بالطريق العقلي، وثانيا بالطريق السمعي.

الكتاب هو الكتاب

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالكتاب هو الكتاب – أي جنس الكتب المنزلة من عند الله – والأثارة كما قال من قال من السلف: هي الرواية والإسناد، وقالوا: هي الخط أيضاً؛ إذْ الرواية والإسناد يكتبان بالخط، وذلك لأنّ الأثارة من الأثر، فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد, ويقيد ذلك بالخط، فيكون ذلك كله من آثاره». درء تعارض العقل والنقل (1/57-58)، ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: إنْ كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل.

مخالفة أهل البدع والأهواء

وقد خالف أهل البدع والأهواء جميعاً في هذا الأمر، فتجد كثيراً منهم يؤصل لبدعته بغير دليل ولا برهان، أو يستدل على بدعته أو قوله وفعله، بنقل ضعيف, أو موضوع مكذوب، أو دلالة ضعيفة، أو عقلٍ فاسد.

فأهل البدع يكثر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والضعيفة، وكذلك الدلالة الضعيفة، وهو أمرٌ يشترك فيه جميع طوائف أهل البدع والأهواء، فمنهم المُقل ومنهم المستكثر.

أما أهل الفلسفة والكلام، فيَكثر عندهم الاستدلال بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات البعيدة، والتجويزات المستبعدة.

حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف

الصحيح أنه لا يصح ولا يجوز الاعتماد إلا على الحديث الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، سواءً كان صحيحاً أم حسناً، وأما الأحاديث الضعيفة، فضلا عن الواهية والموضوعة، فإنه لا يعتمد عليها، وهذه هي الأدلة:

     أما من القرآن الكريم: فقد قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} الحجرات:6، فأمرنا الله سبحانه بالتثبّت في الأخبار، وألا نقبل إلا خبر الصادق العدل، الذي يُقَبل ما أَخبر به ويعمل به، وأما الكاذب فخبره مردودٌ، وأما الفاسق فخبره متوقفٌ فيه، فإنْ جاء ما يعضده ويقويه؛ قبلناه، وإلا لم نقبله.

وقال -تعالى-: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} الأنعام: 116، «أخبر جل ثناؤه عن حال الذين نَهَى نبيه عن طاعتهم، فيما دعوه إليه في أنفسهم.

{وإن هم إلا يخرصون}، يقول: ما هم إلا متخرِّصون، يظنون ويوقعون حَزْرًا، لا يقينَ علمٍ». تفسير الطبري.

     وقال -تعالى-: {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28، نفى الله -تعالى- العلم عنهم، وإن ما عندهم هو تخيل وتوهم؛ إذْ العلم لا يكون إلا عن دليل، فنفي العلم المراد به نفي الدليل، ونفي الإِغناء معناه نفي الإِفادة، أي لا يفيد شيئاً من الحق.

- والمعنى: أن الحق حقائق الأشياء على ما هي عليه وإدراكها هو العلم «المعرف بأنه تصور المعلوم على ما هو عليه» والظن لا يفيد ذلك الإِدراك بذاته، فلو صادف الحق فذلك على وجه الصدفة والاتفاق، ولاسيما الظن المخطىء كما هنا.

الأدلة من السنة النبوية

عن أبي هريرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «سيكون في آخر الزمان أناسٌ؛ يُحدِّثونكم ما لمْ تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم».

     و في رواية: «يكون في آخر الزمان دجَّالُون كذَّابُون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلُّونكم ولا يفتنونكم». رواهما مسلم في مقدمة كتابه الصحيح (1/12) باب: النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.

وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إياكم وكثرة الحديث عني، مَنْ قال عليَّ فلايقولَنَّ إلاَّحقاً أو صِدقاً، فمن قال عليَّ مالم أقل، فليتبوَّأْ مقعدَه من النار». رواه أحمد (5/297) وغيره.

الآثار عن السلف وأهل العلم

     عن مُجاهدٍ قال: جاءَ بُشَيْرٌ العدَويُّ إلَى ابن عبَّاسٍ، فجعلَ يُحدِّثُ ويقولُ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. فجعل ابن عباسٍ لا يأذنُ لحديثهِ، ولا يَنظُرُ إليهِ. فقال: يا ابن عباسٍ! مالِي لا أراكَ تسمعُ لحديثي؟ أُحدِّثُكَ عنْ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم - ولا تسْمعُ. فقال ابنُ عباسٍ: إنَّا كُنَّا مرَّةً إذا سمِعْنا رجُلاً يقُول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، ابتدَرَتْهُ أبْصارُنا، وأصغَيْنا إليْهِ بآذاننا، فلمَّا ركبَ النَّاسُ الصَّعْبَ والذُّلولَ، لمْ نأخذْ مِن النَّاسِ إلاَّ ما نعْرِف. رواه مسلم في المقدمة (1/13)، وعن محمد بن سيرين قال: إنَّ هذا العلمَ دينٌ، فانظُروا عمن تأخذون دينكم؟ المصدر السابق.

والعلم المقصود هو: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -، فلا يُؤخذ إلا عن الثقات الأثبات، أهل الصدق والأمانة.

السؤال عن الإسناد

وقال أيضاً: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رِجالَكمْ، فَيُنْظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثُهم. المصدر السابق.

     وقال الحافظ ابن حزم -رحمه الله-: «ما نقل أهلُ المشرق والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -، إلا إن كان في الطريق رجل مجروح بكذب، أو غفلة، أو مجهول الحال، فهذا يقول به بعض المسلمين، ولا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه». الفصل في الملل والنحل.

و قال الحافظ ابن رجب في شرح الترمذي: «و ظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه الصحيح، يقتضي أنه لا تُروى أحاديث الترغيب والترهيب، إلا عمن تروى عنه الأحكام».

الحق الذي سار عليه الأئمة

     وهذا هو الحق الذي سار عليه أئمة الحق عبر القرون، فما كان من حديث صحيح احتجوا به والتزموه، وما كان من حديث ضعيف طرحوه، وإلا فما معنى قول الأئمة الأربعة - واتفقوا على هذه المقالة -: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي»؟. أي: صح الحديث ذهبنا إليه، وهذا واضح عند ذوي البصائر.

     ثم الحديث الضعيف يفيد الظن المرجوح بلا خلاف، وإذا كان كذلك؛ فكيف يقال بجواز العمل به؟! والله قد خاطب الكفار بقوله: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} الأنعام:148. أي: هل عندكم علم أن الله راض عنكم فيما أنتم به فتخرجوه لنا؟ الجواب: لا؛ لأنهم يتبعون الخيال والوهم، وقال -تعالى-: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} النجم: 28. فأخبر -تعالى-: أن الظن لا يفيد علماً، ولا يفيد حقاً. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إياكمْ والظن، فإنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديثِ». متفق عليه.

     فلا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقاً، لا في الأحكام، ولا في العقائد، ولا في الفضائل والمستحبات؛ لأنّ المستحب أيضاً حكم تكليفي، والحكم التكليفي لا يثبت إلا بدليل صحيح، كما قال المحقق جلال الدين الدواني: «اتفقوا على أن الحديث الضعيف لا يثبت به الأحكام الخمسة الشرعية، ومنها: الاستحباب».

والعجب بعد ذلك أن يدَّعي بعضهم: أن العمل بالحديث الشريف في فضائل الأعمال؛ عليه جمهور أهل العلم! وأنه يجوز روايته دون بيان ضعفها!، انظر مقدمة: صحيح الجامع الصغير ( ص 51).

وللحديث بقية

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة