أخبار سريعة
الثلاثاء 19 مارس 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - باب: مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبّ الله لقاءه

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

 

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ؛ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ؛ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ! فقال: «لَيْسَ كَذَلِكِ؛ ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ؛ ورِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ؛ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ؛ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ؛ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ؛ وكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».

     وفي رواية: عن شُرَيْحِ بن هانِئٍ عن أَبِي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ؛ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قال: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، فقلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؛ سَمِعْتُ أَبا هُريرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حدِيثًا؛ إِنْ كان كذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا؟! فقالتْ: إِنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَولِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ وما ذَاكَ؟ قال قال رسولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ؛ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ «وليس مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وهو يَكْرَهُ المَوْتَ! فقالتْ: قدْ قَالَهُ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ وليسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِليه؛ ولكِنْ إِذا شَخَصَ البَصَرُ؛ وحَشْرَجَ الصَّدْرُ؛ واقْشَعَرَّ الجِلْدُ؛ وتشَنَّجَتْ الْأَصابِعُ؛ فعنْدَ ذلكَ؛ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ؛ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ.

شرح الحديث

الحديث رواه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ( 4/2065) وقد بوب عليه النووي كتبويب المنذري؛ ورواه البخاري ( 6026) من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه .

     قوله «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ؛ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» هذا الحديث يفسّره آخره، كما قال الحافظ النووي في شرحه: «ومعنَى الحدِيث: أَنَّ الْكَرَاهَة الْمُعْتَبَرَة: هي الَّتِي تَكُون عِند النَّزْع؛ في حالةٍ لا تُقْبَل تَوْبَته ولَا غيرها، فحِينَئِذٍ يُبَشَّر كُلّ إِنْسَان بما هو صَائِر إِليه، وما أُعِدَّ له، ويُكْشَف له عن ذلكَ». شرح صحيح مسلم.

لحظات الموت

فالمؤمن في لحظات الموت إذا بُشِّر برضوان الله ورحمته، وما أعدَّ الله له في الجنة من النَّعيم المقيم، والثواب الجزيل، والعطاء الواسع العظيم؛ فإنه يحبُّ لقاء الله -عز وجل-، ويتشوَّق إليه، فيحبُّ اللهُ لقاءه.

وأما الكافر والفاجر -والعياذ بالله- فإنه إذا بُشِّر بعذاب الله وسخطه، وما ينتظره من العقاب والعذاب والنكال؛ فإنه يكره لقاءَ الله، فيكره اللهُ لقاءَه.

كما يوضِّحه أيضًا قول رب العزة -سبحانه-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فصلت: 30؛ أي: تبشرهم الملائكة بألا يخافوا مما يُقْدمون عليه، ولا يحزنوا على ما مضى.

حال الكفار

     وقال -تعالى- عن الكفار: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} الأنفال: 50)، يقول -تعالى-: ولو عاينت -يا محمد- حال توفّي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمرا عظيما هائلا فظيعا منكرا؛ إذْ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون لهم: {ذوقوا عذاب الحريق}. ( ابن كثير ).

الاستعداد للنقلة العظمى

     وبهذا ندرك أنه يجب على الإنسان الاستعداد لهذه النقلة العظمى إلى الدار الآخرة؛ حتى إذا حضَرَت؛ فقد أعدَّ العدّة من العمل الصالح الذي يسرُّه أنْ يلقاه، ويلقى الله -تعالى- به، لا أن يتمنَّى على الله الأماني حين لا ينفعه ذلك، ويرجو أن يُعاد ويرجع إلى الدنيا؛ كما أخبر الله عن أولئك في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كلا} المؤمنون: 99- 100.

لقاءُ الله -تعالى

     ولقاءُ الله -تعالى- حاصل لا محالة، يقول الله -جل وعلا-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}(البقرة: 223)، ويقول -عزّ من قائل-: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(العنكبوت: 5)، ويقول -سبحانه-: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110).

     وفي الصحيحين: من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؛ إِلَّا وسَيُكَلِّمُهُ اللهُ يوْمَ الْقِيَامَةِ، ليس بَيْنَه وَبَيْنَ اللهِ تَرْجُمَانٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلا يَرَى شَيْئًا قدَّامَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».

وفي رواية عند البخاري: «ما منكم مِن أحدٍ؛ إلا وسيكلمه ربُّه؛ ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يحجبه».

     وفي رواية أيضًا عند البخاري: «وليلقينَّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمانٌ يترجم له، فيقولنَّ: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أُعْطك مالًا وولدًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم».

هل نرى ربنا يوم القيامة؟

     وعن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة؛ ليست في سحابة؟ «قالوا: لا، قال: «فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؛ ليس في سحابة؟ «قالوا: لا، قال: «فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم؛ إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أَي فُلْ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وأُزَوِّجْكَ، وأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَالَ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِىَّ؟ فَيقول: لا. فَيَقول: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي...». الحديث رواه مسلم.

ولكن الناس يتفاوتون في حب هذا اللقاء أو كراهيته، كما ورد في حديث الباب، بالنظر لما قدَّموا في هذه الحياة الدنيا من العمل، فقال الله -تعالى- عن المؤمنين: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة: 46).

وقال -سبحانه- مادحًا لعباده، ومبشرًا لهم بحُسن العُقبى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} الأحزاب: 44.

ولقاءُ اللهِ -سبحانه- للمؤمنين؛ لقاءٌ كلُّهٌ تشريف وتكريم، وعِزّ ونعيمٌ من الربّ الكريم الرحيم؛ ولذا جاء في الرواية قوله «فليس شيءٌ أحب إليه مما أمامه» أي: ما يستقبله بعد الموت؛ أما لقاء الكافرين لربهم العزيز الحكيم، فعذابٌ أليم، وتصلية جحيم.

كراهية الحي للموت

     قوله «فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ أَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ!» فيه: كراهية الحي للموت، قال الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلام:  «ليس كراهة الموت وشدته؛ لأنّ هذا لا يكاد يخلو عنه أحدٌ؛ ولكن المذموم من ذلك: إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة. قال: ومما يبين ذلك: أن الله -تعالى- عاب قوما بحب الحياة، فقال: {إنَّ الذين لا يَرجُون لقاءَنا ورضُوا بالحياةِ الدنيا واطْمأنوا بها} يونس: 7.

     وسبق قول النووي-رحمه الله-: معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي يُعتد بها شرعا هي التي تقع عند النزع، في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة؛ حيث يكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه. فما مِن مخلوق إلا وهو يُدافِع الموت ويكرهُه، ويكرهُ لقاءَه؛ ولذلك لما أخبر بهذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، تعجَّب منه الصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم جميعاً يكرهون الموت، واستغرَبوا ما يترتَّب على ذلك؛ مما سَبق إلى أنفسهم مِن أن كراهية الموت تقتضي كراهية لقاءِ الله -تعالى-؛ فأوضح النبيُّ صلى الله عليه وسلم حقيقة هذا الأمر.

تفصيل مهم

     وفي كراهة الموت في حال الصحة تفصيل؛ فمن كرهه إيثارًا للحياة على ما بعد الموت، من نعيم الآخرة، كان مذموما، ومَن كرهه خشية أنْ يفضي إلى المؤاخذة، كأن يكون مقصرا في العمل، لم يستعد له كما ينبغي، بالتوبة والإنابة والاستغفار، والتخلّص من التبعات، ويقوم بأمر الله كما يجب، فهو معذور؛ لكن ينبغي له أنْ يبادر إلى أخذ الأهبة والاستعداد، حتى إذا حضره الموت لا يكرهه؛ بل يحبه؛ لما يرجو بعده من لقاء الله -تعالى.

     وفي رواية مسلم عن شريح بن هانئ قال «فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثا، إن كان كذلك فقد هلكنا؛ فذكره قال: «وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت فقالت: ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر» أي: فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف» و «وحَشَرج الصدر»أي: ترددت الروح في الصدر. «واقشعر الجلد» أي: وقف الشعر، «وتشنجت الأَصابِع» أي: انقبضت. وهذه الأمور تحصل في حالة الاحتضار.

مسألة: قال الخطابي: اللقاء يقع على أوجه: منها المعاينة، ومنها البعث، كقوله -تعالى-: {الذين كذبوا بلقاء الله}.

ومنها الموت، كقوله: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت}، وقوله: {قلْ إنَّ الموتَ الذي تفرُّون منه فإنه ملاقيكم}. انتهى.

- أما لقاء الله بمعنى الموت، فعبر عنه بلقاء الله، لما كان الموت وسيلة إليه.

- أما ملاقاة الله -تعالى- ورؤيته للمؤمنين يوم القيامة؛ فثابتة في أدلّة كثيرة في الكتاب والسُّنة النبوية، فمنها:

قوله -تعالى-: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} الأحزاب: 44.

والرؤية لهم في قوله -تعالى-: {وجوهٌ يومئذٍ ناضرة. إلى ربها ناظرة} القيامة.

- وفي حديث أَبِي هُرَيرةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قال: «هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟» قَالُوا: لا يا رسولَ اللَّهِ، قَال: «فَهَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْسِ ليسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ «قَالُوا: لا، قَال: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِك». رواه البخاري (764).

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة