أخبار سريعة
الأربعاء 26 يونيو 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - في حسن الظن بالله -تعالى- عند الموت (1)

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

  

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، يَقُول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ، إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ»، الحديث رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2205-2206)، وبوب عليه النووي : باب : الأمر بحُسن الظن بالله -تعالى- عند الموت .

قوله: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ...» أي: لا يموتن أحدُكم في حالٍ من الأحوال، إلا في هذه الحال ، وهي حسن الظن بالله -تعالى-؛ بأنه يغفر له ويرحمه ويعفو عنه.

     وفي الحديث: تحذيرٌ من القُنُوط، وحثّ على الرجاء عند الخاتمة، وحث على الأعمال الصالحة المقتضية لحُسن الظن بالله، وفيه تنبيهٌ على تأميل العفو، وتحقيق الرجاء في روح الله ورحمته؛ ففي الحديث الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم : «يقول الله -تعالى-: أنا عندَ ظنِّ عبْدي بي، وأنا مَعه إذا ذَكَرني...». متفق عليه، وفي رواية: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فلا يظن بي إلا خيراً»، وفي رواية: «فليظن بي ما شاء».

رحمة الله

     والله -تعالى- وسعت رحمته كل شيء، وهو أرحم بنا من أمهاتنا وأبائنا؛ ولهذا قال الإمام سفيان الثوري -رحمه الله-: «ما أحبُّ أنَّ حسابي جُعل إلى والدي؛ فربّي خيرٌ لي من والدي»، قال النووي: «قد تتبعتُ الأحاديث الصحيحة في الخوف والرَّجاء؛ فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف مع ظهور الرجاء فيها».

     قال في مرقاة المفاتيح: لو لم يكن إلا حديث واحدٌ؛ وهو : «سَبَقت - أو غَلَبت - رحمتي على غضبي»، لكفى دليلا على ترجيح الرجاء، ويعضده آية: { ورحْمتي وَسَعتْ كلَّ شيء}، بل هو أمرٌ مشاهد في عالم الوجود من غلبة آثار الرجاء على آثار الخوف؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم : «أفلا أكون عبدا شكورا؟».

أحسنوا أعمالكم

     قال الطيبـي: أي: أحسنوا أعمالكم الآن، حتى يُحسن ظنكم بالله عند الموت; فإنَّ من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عند الموت، قال الأشرف: الخوف والرجاء كالجناحين للسائر إلى الله -سبحانه وتعالى- لكن في الصحة ينبغي أنْ يغلب الخوف؛ ليجتهد في الأعمال الصالحة، وإذا جاء الموت وانقطع العمل، ينبغي أنْ يغلب الرجاء وحُسن الظن بالله; لأن الوفادة حينئذ إلى ملك كريم رؤوف. انتهى.

القنوط من رحمة الله

     والقنوط من رحمة الله -تعالى- محرم وهو كبيرة من الكبائر، نهى الله -تعالى- عباده عنه في كتابه، قال -سبحانه-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر : 53)، صح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: إنَّ ناساً من أهل الشرك كانوا قد قَتَلوا فأكْثروا، وزَنَوا فأكْثروا ، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ فقالوا: إنّ الذي تقول وتدعو إليه لحَسَن، لو تخبرنا أنَّ لما عملناه كفارة؛ فنزلت هذه الآية: {قل يا عبادي الذين أسْرَفوا على أنفسهم} الآية. رواه البخاري، وقال -تعالى- عن نبيه إبراهيم -عليه السلام- لما بشّرته الملائكة بالولد: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}(الحجر: 56).

بشارة الملائكة لإبراهيم -عليه السلام

     فالملائكة لمّا بشرت إبراهيم -عليه السلام- بالولد تعجّب؛ وذلك لكبر سنّه، وعُقم امرأته؛ فقالوا له: {بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِين}؛ فأجابهم إبراهيم بقوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} الذين لا علم لهم بربهم، وكمال قدرته، وأمّا مَنْ أنعم الله عليه بالهداية، والعلم العظيم، فلا سبيل للقنوط إليه؛ لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئا كثيراً، وقال -سبحانه- على لسان يعقوب -عليه السلام-: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون}(يوسف: 87)، قال لأبنائه: لا تقنطوا من أنْ يروِّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده؛ فنراهما، إنه لا ييأس من روح الله، يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه {إلا القوم الكافرون}، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما يشاء.

     قال صلى الله عليه وسلم : «لوْ يَعلَمُ المؤمنُ ما عندَ اللهِ من العُقُوبةِ، ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أَحَدٌ، ولو يَعلَمُ الكافرُ ما عندَ اللهِ منَ الرَّحمةِ، ما قَنَطَ من جنَّتِهِ أحَدٌ». رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تَسأَلْ عنهُم: رَجُلٌ نازَعَ اللهَ رِداءَهُ؛ فإنَّ رِداءَهُ الكِبرِيَاءُ، وإِزارَهُ العِزَّة، ورَجُلٌ شكَّ في أَمْرِ اللهِ، والقُنوطُ من رحمةِ اللهِ». رواه الإمامُ أحمد وصحَّحه الألباني، أي: هؤلاء قد وصلوا في الهَلاكِ والبُعد عن الله، درجة لا يُسأل معها عن مصيرهم وعاقبتهم، وعن ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أنَّ رجُلاً قالَ: يا رسُولَ اللهِ؛ ما الكبائِرُ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «الشِّركُ باللهِ، والإِياسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، والقُنُوطُ من رحمةِ اللهِ» رواه البزَّار وحسنه العراقي. وقالَ الصحابي الجليل ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : الكبائِرُ: الشِّركُ باللهِ، واليَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، والقنُوطُ من رحمةِ اللهِ، والأمنُ من مَكْرِ اللهِ. رواه الطبرانيُّ في الكبير وصحَّحه ابنُ كثيرٍ وغيره .

أسباب القنوط

     وللقُنوطِ من رحمة الله أسباب من أهمِّها: الإسْراف في المعاصي، ثم الجهل بسعة رحمة الله -سبحانه وتعالى-، وعدم العلم بها، ومجالسة أهل القنوط والبعد عن الله؛ فالرجاء منزلةٌ عظيمة من منازل العبودية لله -تعالى-، وهي عبادة قلبية تتضمن ذلاً وخضوعاً، ورغبةً فيما عند الله، أصلها: المعرفة برحمة الله ومغفرته، وعفوه وحلمه وكرمه ، ولازمها: الأخذ بأسباب الوصول إلى ذلك؛ فهو حسن ظنٍّ مع إيمانٍ وعلم وعمل، وتوبة وندم .

     والخوف من الله -عز وجل- كذلك منزلة عظيمة من منازل العبودية، وهو أيضاً من عبادات القلوب التي لا تكون إلا لله -سبحانه-، وصرفها لغيره شرك أكبر؛ إذْ إنه من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، وقدرته وعلمه، ونفاذ مشيئته في خلقه، وأهل الإيمان الصحيح، من المحبين الصادقين، هم في هذا المقام في حال موزون بين الرجاء والخوف .

     فرجاؤهم معلّق برحمة الله -تعالى- وهم مع ذلك؛ أشد الناس خوفًا من الله -تعالى-، وقد جمع الله -تعالى- هذا المقام الإيماني الإحساني الرفيع في وصفه للملائكة المقرّبين، والأنبياء المرسلين، والصالحين العابدين من الإنس والجن؛ فقال -جل جلاله- عنهم:  {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}(الإسراء: 57).

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة