أخبار سريعة
الأربعاء 26 يونيو 2019

أبحاث و دراسات » شرح كتاب الجنائز من صحيح مسلم - في حسن الظن بالله -تعالى- عند الموت (2)

للكاتب: الشيخ.محمد الحمود النجدي

نسخة للطباعة

استكمالاً لما بدأناه من شرح حديث جابر رضي الله عنه حيث قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، يَقُول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ، إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ»، الحديث رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/2205-2206)، وبوب عليه النووي : باب : الأمر بحُسن الظن بالله -تعالى- عند الموت، نقول:

 

المنهج الوسط العدل

     وهذا هو المنهج الوسط العدل، ومَنْ تدبَّر كلام الله- تعالى-، وجد هذا المنهج القويم؛ فقد ذكر الله -تعالى- هذا في بيانه -سبحانه- لصفاته العلا؛ حيث يقول: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، ثم ذكر المقابل فقال: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ}(الحجر: 49). أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمةٍ، وذو عقابٍ أليم؛ فالخوف والرجاء كجناحي الطائر -كما ذكر أهل العلم- متعاضدان مقترنان؛ فالمسلم يرجوا ما عند الله، ولكن أيضاً يخافه ويخشاه .

     قال -تعالى-: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}(الأنبياء:90)، ومن الأسباب الباعثة على الخوف من الله والرجاء له -سبحانه-: التفكر في الخاتمة؛ والحساب؛ وتذكر ما أعد الله -سبحانه- لأهل طاعته من النعيم المقيم الأبدي، وما أعد الله لأهل معصيته، من العذاب الشديد الذي لايطيقه بشر، وهذا المنهج هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحابته الكرام -رضي الله عنهم-، ومن اتبعهم بإحسان.

إرشاد العباد

     ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في إرشاد العباد ألا يَقنَطوا أبدًا من رحمة رب العالمين؛ فإنّ رحمته واسعة، وإذا كان خوف العبد من الله -تعالى- يمنعه من المعاصي؛ فالرجاء فيما عنده يدفع العبد إلى التوبة، وإلى حُسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- في قبوله له؛ فالإنسان المؤمن إذا تاب إلى الله -سبحانه-، تاب الله عليه؛ فعن أنس رضي الله عنه  قال: سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله -تعالى-: يا ابنَ آدمَ ، إنك ما دعوتني ورجَوتني، غفَرت لك على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُك عَنان السماء، ثم استغفرتَني، غفَرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتَني بقُراب الأرض خَطَايا، ثم لقِيتني لا تُشرك بي شيئًا، لأتيتُك بقُرابها مغفرة». رواه الترمذي .

      و«عَنان السماء» بفتح العين، قيل: هو ما عنَّ لك منها، أي: ظهر إذا رفعتَ رأسك، وقيل: هو السحاب، و«قُراب الأرض» بضم القاف، وقيل: بكسرها، والضم أصحُّ وأشهر، وهو ما يُقارب مِلأَها؛ فالإنسان ينبغي له أنْ يكون طامعًا في فضل الله -عز وجل- راجيًا ما عنده.

متى يُحسن العبد الظنَّ بالله -عزّ وجل؟

     الجواب: يُحسن الظن بالله -تعالى- إذا فعل ما يُوجب فضل الله ورجاءه، ورحمته وإحسانه، بأنْ يؤمن بالله -سبحانه- وأسمائه وصفاته، ويعمل الصالحات، ويحسن الظن بأن الله -تعالى- يَقبله منه، أما أن يحسن الظن وهو لا يؤمن ولا يعمل؛ فهذا من الغرور؟ ومن التمني على الله، ومَن أتْبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني؛ فهو عاجز، قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(البقرة : 218).

قال الطبري: فالذين تحوَّلوا من سُلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوفَ فتنتهم على أديانهم، وحاربوهم في دين الله ليدخلوهم فيه؛ وفيما يُرضي الله {أولئك يرجون رَحمة الله} أي: يَطْمعون أنْ يرحمهم الله؛ فيدخلهم جنته بفضلِ رحمته إياهم. انتهى

فكان رجاؤهم بعد الإيمان بالله -تعالى- ورسوله، وبعد الهجرة والجهاد في سبيل الله -تعالى-؛ فحسن الظن بأنْ يوجد من الإنسان عمل صالح يقتضي حُسن الظن بالله -عز وجل-، هذا هو إحسان الظن الصحيح .

     وقال النووي -رحمه الله-: «قال العلماء: معنى حُسن الظن بالله -تعالى-: أنْ يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حال الصحة يكون خائفاً راجياً ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح؛ فإذا دنت أمارات الموت، غلَّب الرجاء أو محَّضه؛ لأنّ مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال؛ فاستُحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله -تعالى- والإذعان له، ويؤيده الحديث المذكور بعده: «يُبْعثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه»؛ ولهذا عقبه مسلم للحديث الأول، قال العلماء معناه: يُبعث على الحالة التي مات عليها، ومثله الحديث الآخر بعده: «ثم بُعثوا على نيّاتهم» انتهى . (شرح مسلم) (17/210).

     وكذلك حسن الظن بالله -تعالى- يكون إذا وُجد من الإنسان عملٌ صالح، يقتضي حُسن الظن بالله -عز وجل- أنه يقبله منه، ويثيبه عليه؛ فمثلاً إذا تاب الإنسان وأناب، وندم واستغفر، أحسن الظن بالله -سبحانه- أنه يقبل توبته ورجوعه، ويثيبه عليها خيراً، كما قال -سبحانه-: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}(الشورى : 25).

قال الطبري: يقول -تعالى- ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره: {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}، يقول: ويعفو له أنْ يعاقبه على سيئاته من الأعمال, وهي معاصيه التي تاب منها. انتهى

     وهكذا إذا صلى، أحسن الظن بالله أنه يقبل صلاته منه، إذا صام فكذلك، إذا تصدَّق فكذلك؛ فإذا عمل عملاً صالحًا، أحسن الظن بأن الله -تعالى- يقبل منه عمله، أما أنْ تُحسن الظنَّ بالله مع مبارزتك له بالعِصيان؛  فهذا دَأْبُ العاجزين المغرورين، الذين ليس عندهم رأس مالٍ يرجعون إليه، ويتاجرون به.

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سُرعة مجازاة اللهَ -سبحانه وتعالى- وإكْرامه لعبده، إذا تقرّب إليه، وتحبّب له؛ فهو أكثر حبأً، وأعظم كرمًا، وأسرع إجابة من عبده .

     فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه -عز وجل-، قال : «إذا تقرَّب العبدُ إليَّ شبراً ؛ تقربت إليه ذراعاً ، وإذا تقرب إليَّ ذراعاً ؛ تقربت منه باعاً ، وإذا أتاني يمشي ؛ أتيته هرولة». رواه البخاري، وثبت في الصحيحين: عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، مِنْ أحدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة؛ فانفلتتْ منه, وعليها طعامه وشرابه؛ فأيس منها فأتى شجرة؛ فأضطجع في ظلها –قد أيس من راحلته-؛ فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده؛ فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأن ربك أخطأ من شدة الفرح».

الخوف الشرعي

والواجب في هذا الشأن أنْ نفرق بين خوفين:

1- الخوف من الله -عز وجل- الذي يؤدي إلى تقوى الله في جميع الأعمال، بالحرص على الطاعات، واجتناب المحرمات، والإكثار من نوافل العبادات، والإحسان إلى الخلق؛ فهذا خوفٌ محمود، مأجور عليه صاحبه -بإذن الله تعالى .

2- الخوف من لقاء الله يأساً من رحمته، وفرقاً من عذابه، من غير أنْ يكون لذلك أثر ظاهر في أخلاق المرء وأعماله؛ فهذا خوفٌ مذموم، لا ينتفع به صاحبه، بل هو من وسواس الشيطان الذي يقنط عباد الله من رحمته .

     فالمسلم مأمور بدوام خشية الله  والخوف من عذابه، إلا أنه مأمور أيضا أنْ يبقي في قلبه فسحة كبيرة من الأمل بالله، ورجاء عفوه ومغفرته وإحسانه، رجاء يدفع إلى الطمع برحمة الله، ولا يدفع إلى الكسل عن العمل الصالح، أو الوقوع في المحرمات، وهذه أحوال دقيقة يجب على كل مسلم أنْ يتعلَّمها، ويعامل الله -عز وجل- بها.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة